أنشودة الحياة – الجزء الثالث (نص مفتوح) – ٥١


 
(لوحة للفنان صبري يوسف)

ذابَتْ طقوسُهُ
أخلاقُهُ
شرائعُهُ المقدَّسة
جُلَّ تفكيره متمركز
على مزيدٍ من الغنائمِ
مزيدٍ من الشَّتائمِ
مزيدٍ من العبورِ
في وادي الغرائزِ

يذهلني تحمُّل الأرضِ
شرورَ البشرِ

الإنسانُ مبارزةٌ دنيئةٌ
صراعٌ أخرقٌ
متمركزٌ على جماجمِ الأطفالِ
على خلخلةِ عظامِ الشبّانِ

صراعٌ أهبل
من أجلِ ديمومةِ
جنونِ الصَّولجان!

أيُّ عصرٍ هذا؟
تجذَّرَتْ أنيابُ الإنسانِ
في جحورِ الأفاعي
في كهوفِ الوحوشِ
في سمومِ هذا الزَّمان
غير آبهٍ بترتيلةِ الحبِّ
ولا بنشوةِ الخصوبةِ
ماتَ في قاموسِهِ هديلُ الحمائم!

عفَّر الإنسانُ أهزوجةَ الفرحِ
المدندنةِ على شفاهِ العشّاقِ

إسرافٌ أهوجٌ في عوالمِ
تيجانٍ مزنَّرةٍ بالدَّمِّ
صعودٌ عبْرَ أمواجِ الشَّظايا
عبر فتيلِ الدَّمارِ
زوبعةٌ مهتاجةٌ على وجهِ البحارِ

الإنسانُ أخطبوطٌ متخفّي الأطرافِ
ينفخُ أبواقَ الوغى
يمسحُ اخضرارَ المروجِ
من أجلِ تاجٍ غارقٍ في الحماقاتِ
من أجلِ صولجانٍ مكتنـزٍ بالشَّقاءِ
مشروخُ الرُّؤية
انحدارٌ نحوَ أخاديدِ الوباءِ

الأرضُ أرجوحةُ فرحٍ
مكلَّلة بالقرنفلِ

الأرضُ شقيقةُ السَّماءِ
تمنحُ الكائناتِ أنشودةَ الحياةِ
تغدقُ عليها الهواءَ العليلَ

الإنسانُ حالةُ انزلاقٍ
في كهوفٍ مجوَّفةٍ بالضَّلالِ

نتوءٌ غيرَ مرغوبٍ فيهِ
في دنيا الحمائمِ

صحراءٌ شاحبةٌ مليئةٌ بالثَّعابينِ
شراهةٌ مميتةٌ
تمتصُّ طلَّاً مقطَّراً من الأفيونِ

الأرضُ تحضنُ مولوداً في صباحٍ باكرٍ
على انبعاثِ أريجِ الزُّهورِ
تفرشُ الأرضُ صدرهَا
بأزهارِ البابونجِ والنِّعناعِ
تكحِّلُ وجهَ الحبيبة برحيقِ المروجِ
بماءِ التُّـفَّاحِ

الإنسانُ بلوةُ البلاءِ لكلِّ الكائناتِ
جفاءٌ مستطيرٌ
ارتطامٌ دائمٌ في أمواجِ الصَّباحِ
بعيدٌ عن بهجةِ اللَّيلِ
عن مرامي الحياةِ

تائهٌ في دهاليزِ هذا الزَّمان
غير مبالٍ بتهريشِ وجهِ الضُّحى
ولا بتعكيرِ الماءِ الزُّلالِ
بعيدٌ عن لُجّةِ الخيرِ
عن خصوبةِ الوجودِ
عن اخضرارِ الطُّفولةِ
عن وفاءِ النِّساءِ
عن نخوةِ الرُّجولةِ
يكسرُ خاصراتِ الجِّبالِ
يدمي سفوحَ الكون
يخلخلُ موازينَ اللَّيلِ والنَّهارِ
يحرقُ خدودَ الشَّمسِ
يدوسُ بوحشيَّةٍ بربريّة
على أزهارِ اللُّوتس
ويرميها على اِمتدادِ المدى
في أعماقِ البحارِ

الإنسانُ قنبلةٌ دائمةُ الانفجارِ
في صدرِ الكونِ
بركانٌ من الشَّراراتِ
تهطلُ فوقَ جبينِ المساءِ
بحارٌ من لونِ الدِّماءِ
تُغْرِقُ شهيقَ الحياةِ
الإنسانُ شجرةٌ عاقرةٌ
ينجبُ أنياباً أكثرَ افتراساً من الذِّئابِ
لا يهمُّهُ براءةَ الطُّفولةِ
حزنَ الأمَّهاتِ
ولا تراخي أمواج النَّهارِ
وجعٌ ينمو في سماءِ الرُّوحِ
من لونِ الشَّفقِ
من لونِ المسافاتِ
من لونِ موشورِ الحزنِ
من لونِ البكاءِ!

لا تعليقات

اترك رد