خضير ميري: ابتهالات آخر الصعاليك – الجزء الخامس


 
الصدى-خضير ميري

مع المطرب حسين نعمة

في بغداد وفي اتحاد الأدباء انتهت الأمسية (الساعة التاسعة والنصف) العام 2013 (خلال مهرجان بغداد عاصمة الثقافة العربية) ، وكان خضير ينام عند أحد الأصدقاء في الفندق (المخصّص) – الشيراتون، ثم وصل بعد أكثر من ساعة، وكنتُ جالساً بصحبة عدد من الفنانين بينهم طالب القرغولي وحسين نعمة والياس خضر وسعدون جابر وجاسم الخياط وحميد منصور وأمل خضير وغيرهم، وسمعنا الحوار بينه وبين الحرّاس الذين أخضعوا الكيس الذي بيده لجهاز التفتيش، واتّضح أنه نصف قنينة عرق، فرفض الحارس إدخاله، وكان رد الميري: هل رأيت سكيراً فجّر نفسه أو قام بعملية انتحارية أو لجأ إلى الإرهاب؟ نحن نسكر لنعيش ونستمتع، لاحقوا من هم في الجوامع وأصحاب اللّحى، فبعضهم يحضّ على الإرهاب، وذلك بغسل أدمغة بعض الشباب . ضحك الحارس وبعد تدخّلات من جانبنا أفرج عن القنينة ، فحيّانا خضير ميري منتصراً قائلاً: أفحمته.

هممتُ بعد قليل على المغادرة للنوم، فقام خلفي حسين نعمة وألحّ على اصطحابي إلى غرفته لتناول كأس ويسكي، وأفهمته أنني غير قادر على السهر، وبعد نصف ساعة طرق باب الغرفة خضير ميري، فأنقذني وسلمته إلى حسين نعمه ورحلت، وقد رويت الحادثة إلى صلاح عمر العلي الذي يعتبره حسين نعمه صديقه كما قال لي، وعند مجيئه إلى بيروت اتصل بي ودعوته مع صلاح عمر العلي وغنّى نعمة وسكر في منزلنا، ولكنه عرف المواقيت، فقبل أن تقترب الحادية عشرة، قال نعمة أظن أن أبو عمر هو الآخر لا يحب السهر، بل غير قادر عليه، خصوصاً وهو لا يشرب، وهكذا أنهينا السهرة وقام أبو عمر بإيصاله إلى فندقه، وألحّ في أخذ بعض الصور لنا. وهنا تذكّرت سهرته في بغداد حين بقي معه خضير ميري، الذي قال لي إن السهرة لم تنتهي حتى الساعة الثالثة صباحاً.

مع المفكر سمير أمين

في القاهرة وبغداد اصطحبت معي خضير ميري في أكثر من ندوة وفعالية ومناسبة. منها ما احتفت به القاهرة بذكرى الجواهري، حيث تم تنظيم مناسبتين أحدهما في أتليه القاهرة، والأخرى في اتحاد الكتاب المصريين (والعرب) الذي يرأسه محمد السلماوي الذي قدّمني في مقر الاتحاد ونشرت الصحف أخباراً مطوّلة عن ذلك.

وكان حزب التجمع برئاسة رفعت السعيد، قد احتفى بصدور كتابي “تحطيم المرايا” ونظّمت له مجلة أدب ونقد، التي ترأسها فريدة النقاش حواراً في مبنى التجمع أداره الشاعر والصحافي القدير حلمي سالم، وشارك في الحوار، حلمي شعراوي وصلاح الدين السروي وعدد من النقاد والمفكرين، إضافة إلى مساهمة خضير ميري، ونظم بعدها بشهرين مركز آفاق للدراسات الاشتراكية بإدارة صلاح عدلي (الحزب الشيوعي المصري لاحقاً بعد ثورة يناير 2011) حواراً شارك فيه عدد من الباحثين، بينهم يوسف مكي وبهيج نصار والسروي، إضافة إلى خضير ميري.

وأتذكّر أنني اصطحبته وزوجته السيدة إسراء إلى منزل الصديق حلمي شعراوي الذي اعتاد أن يكرّمني في كل زيارة للقاهرة، فإن لم يكن محاضرة في مركزه العتيد “مركز البحوث العربية والأفريقية” ففي منزله وبحضور زوجته توحيدة التي أعرفها منذ فترة طويلة، وكان قد دعا الصديق سمير أمين وزوجته والصديق المستشار طارق البشري وجرى حوار مطوّل حول آفاق اليسار العربي ومشروعه ومسألة التحديث، والنقد وإعادة النظر ببرامجنا وخططنا، والماركسية في العالم العربي، والثابت والمتغيّر باستعادة تعبير أدونيس. وكان خضير ميري صامتاً لم ينبس ببنت شفة، مستمعاً صاغياً، وبعد الجلسة استعاد معي استذكار بعض وقائعها.

سألني سمير أمين يومها عن كتابي الذي سبق أن أهديته له ” تحطيم المرايا- في الماركسية والاختلاف”، وعن الشاب الذي حاورني من هو؟ فهو حسب ما قال لم يسمع به، وهل هو مصري؟ أشرت باصبعي إلى الشاب المؤدب الخجول الصامت، وجرى تبادل كلمات مجاملة من جانبه، وإشادة بالمفكر الكبير سمير أمين، وهنا انتهزت فرصةً أعرف أن خضير ميري سيطير لها فرحاً، وهي أن أقترح على سمير أمين أن يجري ميري حواراً معه، فهو قرأ قسماً وافراً من كتبه، وسيقوم بمراجعتها قبل إجراء الحوار.

رحّب أمين بالفكرة، وسارع ميري بالاستئذان منه لتحديد الموعد أو طلب رقم الهاتف، وتم الاتفاق، وعندما خرجت قال لي لقد عبّرت عمّا كنت أتمناه، وصدر الحوار الممتع والشيّق، وفيه إشارة وإشادة بكتابي “تحطيم المرايا” من جانب سمير أمين، الذي أخبرني ميري أنه زاره ثلاث مرات في بيته ووجد كتابي كل مرّة في مكان من الطاولة ، مفتوحاً أو مغلقاً أو فيه إشارة. وكان خضير قد أجرى حواراً مهماً مع محمود أمين العالم كذلك. وبالمناسبة فقد كانت تعليقات ميري على شحّ العطاء الفكري بشكل عام للماركسيين العرب وللعراقيين بشكل خاص، مع تقدير لبعض الإضاءات المصرية واللبنانية والعراقية، وقد أخبرني أنه كان يجد هوىً خاصاً لتفهّم أفكاره وانتقاداته من جانب ابراهيم الحريري أحمد أبرز الصحافيين العاملين في صحافة الحزب الشيوعي ما بعد ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958 والذي عمل بعد الاحتلال في صحيفة طريق الشعب.

 

تحطيم المرايا

قبل الحوار معي كان خضير ميري عند أول لقاء لنا، قد أبلغني أنه يكتب عني كتاباً كما ورد في مقدمة الكتاب الحواري لاحقاً، قلت له كيف يحصل ذلك أوليست تلك مبالغات عراقية ” ملخيّات” حسب تعبير بغدادي كان يردّده عادل مصري (أبو سرور)، قال ولكنني قرأت كتابك عن الجواهري، وكتابك عن أبو كاطع، وكتابك عن النزاع العراقي – الإيراني، وكتابك بعيداً عن أعين الرقيب، وقلت له ذلك ليس كافياً لديّ كتابان أحدهما عن فقه التسامح والآخر عن جذور التيار الديمقراطي في العراق، آمل أن تقرأهما وعند ذلك سنجري حواراً استكمالاً لكتابك، وفي المرة القادمة سأجلب لك كتاباً أعتز به صدر في العام 1985 وهو بعنوان ” الصراع الآيديولوجي في العلاقات الدولية”، عن دار حوار في اللاذقية.

حين دعوته إلى الـ Lounge في فندق سميراميس الذي كنت أنزل فيه ضيفاً على جامعة الدول العربية، بدأ الحوار خجولاً وعمومياً، ولكنني شعرت إن شيئاً ما ينقص ميري فسألته إنْ كان يشرب ويخجل من طلب كأس له؟ أجاب كأس نبيذ، ولكن الكأس أصبح ثلاثة، وتدفّق الحوار لستة ساعات متواصلة، وهو يكتب ويسجل، وفي اليوم التالي جاءني بما دوّنه، ووجدت جمله طويلة، وهناك بعض الأخطاء النحوية الصارخة، فسألته كيف يحصل هذا معك، قال الضوء قليل، وظروف العمل غير ميسّرة، وإنه سهر الليل بطوله لكي ينجز ما تم بيننا قبل سفري. ولكنني لاحظت ذلك لدى بعض كتاب الثمانينات أو ما بعد فترة الحصار، وهو ما لا أعرفه من قبل في الستينات والسبعينات.

أعدت صياغة الكتابة مع تدقيق مضمونها وأعدتها إليه وأرسلها لي بعد ذلك إلى بيروت، وقمنا بطبعها وتعديلها، وطلب المجيء إلى بيروت لاستكمال الحوار للكتاب المنشود، وبعد شهرين كنت في زيارة عمل إلى القاهرة واصطحبته معي إلى بيروت عند عودتي وبقي فيها عشرة أيام . وكنا نجري حواراً يومياً لما لا يقل عن أربع ساعات وأحياناً ندوّن بعض جلساتنا الخاصة لاستكمال الحوار، وعندما انتهى منه أعدنا الكرّة بالتعديل والتدقيق والصياغة واللغة، وبعدها اقترحت عليه موضوعين لإثارة الحوار، واتفقنا على استكماله بالإيميل وهذا ما حصل، ولكن بعد أن استكمل المشروع قلت له، إن هذا سيضيع في كتابك، خصوصاً وإنه حوار مباشر، واتفقنا على نشره ككتاب مستقل، وهو ما حصل، أما كتابه عنّي فقد أنجز منه 100 صفحة وقد راجعتها، فلم أجد فيها سوى تلخيصات لبعض كتبي وأفكاري وآرائي، ولكن ظروف انتقاله إلى العراق، ثم مرضه حالت دون إتمامه، على أن النص الموجود وهو يصلح كرّاساً بحاجة إلى تدقيق ومراجعة فقط.

في الصعلكة

في الصعلكة كنت قد قرأت كتاباً مهماً واستعنت به هو للكاتب المصري يوسف الشريف، وقدّم له الكاتب والصحافي كامل الزهيري، وهو بعنوان “صعاليك الزمن الجميل”، والكتاب يلفت النظر إلى صعلكة الأقدمين أيضاً، وليس المعاصرين. إنه يذكرنا بالشطار والعيارين والمتع الحسية، وكتاب اللصوص للجاحظ وكتاب الفتوة لابن المعمار (ابن المعمار الحنبلي البغدادي) وكتاب الفرج بعد الشدّة للتنوخي (المحسن بن علي أبو علي بن أبي القاسم التنوخي) الذي سبق وأن حققه القاضي العراقي عبود الشالجي. كان ميري مغتبطاً بصعلكته وجنونه، فهما خلقا له اختلافاً مع الآخر، وهما مصدر حكايات لا تنضب بالنسبة له، والحياة في نهاية المطاف حكاية.

منذ القراءات الأولى بدأ ميري يتأثر بفلسفات الجنون والتشاؤم، ويقتبس من المفكرين وينقل عنهم ما له علاقة بالجنون والانتحار، وكثيراً ما استحضر نيتشه وشوبنهاور وسيبنوزا والبير كامو وفوكو وجان جينيه وفان كوخ وفرويد وبابلوف، وكل ما له علاقة بالأسئلة الوجودية الأساسية: الإيمان والله ومن أين أتينا؟ وإلى أين سنذهب؟ ما الوجود؟ كل ذلك كان يشكّل مصدر قلق للفتى، ويقول عن نفسه ” لم أجلس طوال حياتي ثانية واحدة، كإنسان اعتيادي، فإما تجدني أقرأ أو أكتب أو أفكّر” والأمر قد يكون له علاقة بالعبث، بل والإسراف في التشتت والتذرّر.

صداقة الموت

واجه خضير ميري خصومه والذين تطاولوا عليه بالصمت في الكثير من الأحيان، وأضاف إليه السخرية، وقد كان آخر خصومه هو الموت، وهو لا يقبل به عدوّاً، بل حاول أن يتصالح معه بالصمت أيضاً. لم يراوغ أو يمكر أو يتحايل أو يلعب معه، بل استدعاه بطريقة أقرب إلى الانتحار. الموت ليس مزحة أو مقلباً، لكن ميري لعب معه وأغراه بطريقة لا تخلو من مكر وخديعة، وعندما حضر، احتفل به على نحو مبجّل وجليل.

بنصف ابتسامة هادئة أقرب إلى السخرية، واجه الموت الذي جاء عاصفاً وغضوباً ولئيماً، لكن خضير الذي كان يتألم لرحيل صديق أو أديب، لم يكترث هذه المرّة لهذا الزائر الثقيل، أدار له ظهره وتعامل معه باستخفاف، بل كان يستدرجه ليعجّل في النهاية حسبما علمت طلب من الشاعر شوقي كريم أن يسكر معه السكرة الأخيرة، ليرقد بعدها إلى الأبد، لكن صديقه رفض ذلك مؤملاً النفس بوقت أطول وتاركاً الموضوع للقدر.

حين توفي ميري كنت في رحلة استشفاء في براغ، وكان قد قال لي بعد أن سمع عن حالتي الصحية قبل بضعة أشهر: لا تذهب قبلي، انتظرني واصبر عليّ قليلاً. ، سمعت الخبر الذي نزل عليّ مثل الصاعقة، واستلمت عبر الموبايل رسالة قصيرة من زوجته إسراء، وكتبت لها بضعة أسطر. سألني الصديق عصام الحافظ الزند ما الذي ترك ميري؟ قلت له كيس نايلون أسود هو كل ثروته، جُمعت فيه مخطوطاته وكتبه، التي هي مصدر غنىً روحي وعقلي لا حدود لهما، فاستذكر الصديق موفق فتوحي في تلك الجلسة وفي جلسة لاحقة ما حصل للمفكر والفيلسوف والطبيب العظيم ابن رشد،(520 – – 595 هـ/ 14 إبريل 1126م، ولد في  قرطبة وتوفي 10 ديسمبر 1198م، في مراكش) وكان محاصراً ومضطهداً، فلم يجتمع للسير في جنازته عند وفاته إلاّ عدداً قليلاً من الناس، فبادر أحد تلامذته بجلب بغل وعربتين، حمل في الأولى التابوت إلى مثواه الأخير، وحمل في الثانية الكتب والمخطوطات الفكرية والعلمية وهي كل ثروته، وسار إلى المقبرة، فدفنه واحتفظ بالكتب، وقد أصبحت مصدر إشعاع لأوروبا في وقت لاحق.

خضير ميري الذي لم يدرك كثيرون ظاهرته وحضوره ومدى الفقدان والفداحة في غيابه، سينصفه الزمن، فقد عاش ثالوثاً مرعباً هو السجن والمصحّة العقلية والشارع، الذي ألهمه، وقلب حياته من الحزن والكآبة إلى السعادة في الجنون. لو قدّر لميري أن يعيش في مجتمع آخر أكثر تسامحاً ورحمة وتقديراً للإبداع، لكان في مصاف مبدعين كبار الذين كرّمتهم بلدانهم بحياتهم واعترفت بتمييزهم وخصوصيتهم، لكنه للأسف عاش في عوز ومرض وقلق وعدم اطمئنان، بل وفي خوف دائم ومستمر حدّ الرعب. وكما يقول المتنبي الكبير

وهكَذا كُنتُ في أهْلي وفي وَطَني               إنّ النّفِيسَ غَريبٌ حَيثُمَا كَانَا

اليوم وبعد رحيله نحن بمسيس الحاجة لإجلاء صورته الحقيقية ولملمة شتات حياته العريضة المبعثرة وإحياء أعماله الإبداعية، فقد رحل خضير ميري ومعه الكثير من الأسرار والأحلام والأوهام، لم يرغب أن يضعها كلّها بيد الغير، وبرحيله سقطت آخر حبّات عنقود الصعاليك وانهار ركن مهم ومحصّن من أركان حياتهم العاصفة وهوى سد منيع من سدود الصعاليك العالية. ظل خضير ميري، ولقبه هذا غريباً أيضاً، فهو من توليفاته الكثيرة، حائراً وكنت أردّد على مسامعه ما قال ابن عربي:

الهدى أن تهتدي للحيرة
والحيرة حركة
والحركة حياة! 

وكانت كل حياته حركة لا متناهية للاختلاف، من الوجودية إلى الدين ومنهما إلى الماركسية والبنيوية، في إطار هارموني غير منسجم، هو وضعه لنفسه، بحيث أصبح مقبولاً له وللغير. لا أستطيع أن أعبّر عن حزني برحيله إلاّ باقتباس من جلال الدين الرومي:

الوداع لا يقع إلاّ لمن يعشق بعينيه،
أما ذاك الذي يحب بروحه وقلبه
فلا ثمة انفصال أبداً

لا تعليقات

اترك رد