خضير ميري: ابتهالات آخر الصعاليك – الجزء الرابع

 
الصدى-خضير-ميري-عبد-الحسين-شعبان

خضير ميري وأيام العسل والجنون

عاكسته مرّة حول السجن والجنون بالقول: أتراك كنت تقلّد بطل فيلم نسيت اسمه؟ لرجل ضاقت به سبل العيش وأضناه البحث عن عمل في الأزمة الاقتصادية العالمية في الثلاثينات، فقرّر دخول السجن والقيام بعمل غير مشروع، فيلقى عليه القبض متلبساً بجريمة، لتكون مسوّغاً له للحصول على المأوى والمأكل وفق مبادئ المساواة.

أخذ بطل الفيلم السيارة من سائق ووجهها نحو زجاج متجر هاروتز الشهير في حي نايتسبريدج Knightsbridge في لندن، لكن الزجاج لم ينكسر، فلم يغادر المكان ولم يهرب وظل بانتظار وصول الشرطة لإلقاء القبض عليه، ولكنه فوجئ بالمدير يشدّ على يده، ويقدّم له الشكر وسط استغراب مثير، مع تعليق ظريف من مدير المتجر الذي خاطبه: شكراً، لقد أنقذت المتجر من الغش لأنه أراد أن يجرب هل يمكن كسر زجاج المتجر الجديد ولم تكن لديه وسيلة لذلك، حتى جاءت صدمة السيارة لصاحب الحظ العاثر. أكانت تلك بالنسبة لخضير ميري بالفعل أيام العسل والجنون أم ماذا؟. جدير بالذكر أن المتجر امتلكه المصري محمد الفايد العام 1983 الذي قتل ابنه دودي الفايد مع خطيبته الأمير ديانا والدة الاميرين ويليام وهاري من زوجها جارلس.

قال لي: يا رجل أتنكر عليّ فعل الجنون؟ هذه التجربة ساعدتني على الانتشار والدعاية لنفسي وما زلت أعتاش عليها، ثم أردف بالقول: إن العقل العربي هو أقرب إلى الجنون، لكن جنوني جنون أبيض، في حين أن هناك جنوناً أسوداً متوحشاً وقاسياً. استذكرت هنا كتاب ميشيل فوكو ” تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي” الذي صدر في العام 1961 وفيه انتصار للجنون والمجانين، وكتاب ممدوح عدوان “مقدمات دفاعاً عن الجنون”.

يقول ممدوح عدوان :” نحن أمة خالية من المجانين الحقيقيين . وهذا أكبر عيوبنا. كل منا يريد أن يظهر قوياً وعاقلاً وحكيماً ومتفهماً. يدخل الجميع حالة من الافتعال والبلادة وانعدام الحس تحت تلك الأقنعة فيتحول الجميع إلى نسخ متشابهة مكرّرة … ومملّة ” ثم يدافع عن الجنون والحاجة إليه بقوله :” نحن في حاجة إلى الجنون لكشف زيف التعقّل والجبن واللاّمبالاة ، فالجميع راضخون ينفعلون بالمقاييس المتاحة .. ويفرحون بالمقاييس المتاحة .. يضحكون بالمقاييس المتاحة .. ويبكون ويغضبون بالمقاييس المتاحة… لذلك ينهزمون بالمقاييس كلّها ولا ينتصرون أبدا. ” ولعل ذلك يذكّر بأسطورة الملك العاري الذي طلب ممن حوله امتداح ثيابه فأطنبوا وحين خرج إلى الناس صرخ طفل ولكنه عارٍ.. عارٍ تماماً، ولو كان الطفل كبيراً لاتهم بالجنون.. “كانت صرخته فاضحة للملك وللحاشية وللمتملقين وللخائفين.

صنع خضير ميري من الجنون أدباً وفلسفة حياتية، ويقول هو أنها ساهمت في رفع معنويات المرضى النفسيين. لقد كتب ميري عن الجنون مدافعاً ومنافحاً، لم يكتب عنه من الخارج، كتب عنه من الداخل كتابة كارثية فوق المألوف. مروّجاً لحريته في مستشفيات الأمراض العقلية، حيث لا يخاف من أحد، وحسبما يقول عندما تفكر بالجنون نفسه ستكون آمناً، لأنك حيث يكون الجنون موجوداً، تكون أنت.

يقول إنه بعد الجنون زادت شهوة الحياة لديه، فأخذ يدخن كثيراً ويشرب كثيراً ويتزوج كثيراً، بل أخذ يتطرّف حتى في كتابته وقراءته. ويتناول ميري العالم التحتاني وما هو معلن وسري بكل شرائحه وأطيافه الاجتماعية، من اللوطيين والقوادين والسماسرة إلى المهربين والمكبسلين في مقهى السيكوتين، وهو عالم التسعينات العجيب، كما يصفه.

يقول محمد عفيفي مطر عن سيرة خضير ميري وحياته البرنادشوية التي تهرب من قسوة الحياة إلى الصعلكة، فهو مثل رواياته “يصف أشتاتاً من البشر الناقدين الضائعين في وطن مفقود بزمن القتل والرعب يتقلّب خضير ميري من عدم إلى عدم ، ويناضل عدماً بعدم، وتحت بساط هذه العدمية المجروحة يطلّ اشتهاء متوقد بحب الحياة وذاكرة الخلق وأنفاس التوالد والخصوبة”.

إن شخصيته البوهيمية بقدر إهمالها بعض الأساسيات فقد كانت تنشغل بنفسها أيضاً، وتبحث من حيث لا يدري الإنسان عن الشهرة بازدراء بعض القضايا، وخضير ميري عاش ظروف حياة متقلّبة من ترك الدراسة إلى السجن ومنه إلى مستشفى الأمراض العقلية، وفي السجن وفي الشماعية اكتشف ميري حياة أخرى، كان هو الممثل الأوحد فيها، فإما أن يكون هو المجنون في وسط عقلاء ثقلاء، أو العاقل الظريف وسط مجانين حقيقيين. هو المجنون ذو العقل الكبير أو بدونه.

تذكّرنا حياة ميري بفيلم “طيران فوق عش الوقواق” وهو قصة لمؤلفها كين كيسي تتحدث عن معاناة العاقل وسط جنون عام، لكنه بعد حين اكتشف إن الذين في المستشفى هم العقلاء، أما من هم خارجها فهم المجانين. كيف كان هؤلاء يعانون من ظلم واضطهاد بعد الممرضات، وكيف يحتالون عليهن وعلى الأطباء، ويتظاهرون عكس ما يبطنون، وهو بالضبط ما عاناه خضير ميري، حقيقة واختلاقاً، لكن الطبيب الذي كان مشرفاً على المستشفى والمقصود بذلك باهر سامي بطي، بعثه الله له هديّة من السماء، فتفهّم ظروفه وقدّر ملاحقته واستوعب قسوة حياته الصحية والشخصية، وقام بمصادقته حيث أخذ يجلب له بعض الكتب وأعطاه غرفة تحت الدرج، بل وأخذ يأتي إليه بأرباع قناني العرق بين الفينة والأخرى. وكلّما كانت تشتدّ حملة الاعتقالات أو السوق إلى الخدمة العسكرية الإلزامية، حيث كانت الحروب مشتعلة طيلة الثمانينات والتسعينات، كان خضير ميري يزور المستشفى ليبقى فيها عدة أشهر أو عدة أسابيع لتنجلي الأزمة.

وإذا كان قد زار بصحبة والده مستشفى ابن رشد ولم يتجاوز عمره الأربعة عشر عاماً، حين كان يشكو من قلّة النوم والأرق المزمن والأسئلة الكبيرة، بل والحارقة، الأمر الذي اقتضى عرضه على إحدى مستشفيات الأمراض النفسية، واتّضح أن كثرة مطالعاته والتساؤلات المزدحمة في رأسه هي التي تحول دون استرخائه ونومه، خصوصاً وهو مراهق ومحروم وفي مطلع شبابه، ولذلك فإن الزعم بكونه مجنوناً عند اعتقاله وهو طالب في الكلية كان أمراً يقترب من التصديق، فما بالك حين لعب دور المجنون ببراعة وحنكة طيلة نحو ثلاث سنوات قضاها في زنزانات الأمن العام ، خصوصاً وقد أقنع اللجنة الطبية المعتمدة بذلك، حين حاولت فحصه، فتوجه ليمسّ سلكاً كهربائياً، ألقاه أرضاً، الأمر الذي أعفته اللجنة من المعاينة بعد أن تأكدت إن ما يقوم به أكثر من مجنون، ومثل هذا الدور رافقه حين مكث في مستشفى الأمراض العقلية الشماعية، وشهادة ذلك موثقة من الدكتور باهر سامي بطي مدير المستشفى وقتذاك، وقد أدرجها في كتاب ” أيام العسل والجنون” في طبعة القاهرة، عن دار المدبولي.

ويتحدّث الدكتور بطي عن توحّد الزمان والمكان في تلك البقعة من العالم (الشمّاعية) حيث حاصر الموت 1500 مريضاً حين اشتعلت الحرب ضد العراق في العام 1991، وكان القصف الأمريكي عشوائياً، ومرّت أوقات قاسية حتى وإن كان المرضى لا يدركون ما يحصل حولهم.

رواية “أيام العسل والجنون” مثّلت نموذجاً جنونياً لطائرات أمريكية تقصف مستشفى لمرضى عقليين، ولعلّ ذلك حدث جنوني بحدّ ذاته . وميري الذي وضع الرواية في تناقض من عنوانها “العسل والجنون” حاول تصوير العالم بالمقلوب، فالمجانين هم في النهاية أكثر عقلانية من الجنون الأمريكي الذي يقصف مستشفى الأمراض العقلية .

لقد عاش خضير ميري تجربة السجن مثلما عاش تجربة الجنون، ثم تجربة التسكّع الدائم والاغتراب الروحي والمنفى الكياني والجغرافي. وبعد أن عاش في القاع بدأ أصحاب المقامات العليا ” الزائفة” كما يسميها يلاحقونه، وخصوصاً بعد أن استقر بالقاهرة، لدرجة إن بعض المسؤولين والسياسيين كانوا يطلبون لقاءه، وبقدر ما كان متواضعاً، فإنه حرب على الجاهل والمزيّف والمغرور، وأظنّه مثل سعدي يوسف كان يقول: الغباء ينتقل بالعدوى، بمعنى إن الموهبة لا تنتقل عدواها، وهي تصيب أصحابها، بقدر ما تثير غضب أعدائها، وبعد كل ذلك هل يمكن للغباء أن ينتج شيئاً، وهو ما يردّده المصريون:”الله! تريد من الفسيخ أعمل شربات”. وهكذا يريد البعض أن ينفخوا بأنفسهم، حين لو لم ينفخ الله بصورتهم، فالسلطة والمال والجاه وسائل جديدة للنفخ.

الجنون حسب تعريف ميري: هو التطابق الفعلي مع الذات، فعندما يتطابق العقل مع نفسه يصبح عدماً، وما عيشنا إلاّ تنازلاً عن العقل والعقلانية نحو الجنون، وحين سألته ما الجنون وفقاً لهذا التعريف؟ قال: نوع من الاحتجاج ولكن بلا بدائل، وقد وجدت في ذلك تعبيراً فلسفياً، يبحث فيه خضير ميري عن حريته المفقودة، حريته المشتهاة، حريته الجنونية التي هي ليست بحاجة إلى آخر.

وخضير ميري بقدر ما هو متمرّدٌ، فهو قانعٌ أيضاً وتلك إحدى تناقضاته، وهو يغني أو يبكي، في حالة انتشاء أو حزن، فهو لا يكره أحداً ولا يعرف البغضاء والحقد، ولم يتسلّل إلى قلبه، الكيد والانتقام والثأر، كأنه جاء من مجتمع آخر أو ربما عالم آخر. كل همّه كان أن يُسعَد بحريته، مثلما يُسعد الإنسان بالمرأة، ولكنه لا يغار عليها، إنه يريد أن يهبها للجميع، يريدها أن تعمّ على الجميع. وعلى الرغم من جرأته، فهو خجول جداً، وأحياناً متردّد حتى بالدفاع عن نفسه. كنّا نردّد: لله في خلقه شؤون: الناس أشكال وألوان، طيبون وخبثاء، أذكياء وأغبياء، أوفياء وجاحدون، جاذبون ومنفّرون.

مفارقات خضير ميري

لم يدرك خضير ميري الحكمة الشائعة التي تقول “العقل السليم في الجسم السليم”، فقد كان سقيم الجسم، واقترب من الشيخوخة سريعاً، وقبل أن يداهمه المرض تعرّض لحادث سيارة في القاهرة، اضطرّ لنحو أربعة أشهر أو أكثر المكوث في البيت، وبعدها أن يسير متكئاً على عصاه، ثم السير بصعوبة بعد ذلك.

سخريته أحياناً مثل المدفعية الثقيلة، وخصوصاً إذا صاحبها بعض المقالب من الوزن الثقيل. مرّة أقنع أحد الصحفيين أن يكتب عنه قولاً على لساني: إنه يستحق أن يكون أستاذاً للفلسفة في جامعة السوربون. وبعد أن كتب الكلام ، عاد وكرّره بحضور الصحفي أمامي، ولم أعلّق على الموضوع، ثم عاتبته، فقال لي ” مشِّي” أنت لم تقل ذلك، والمسألة تخصّني، والمغفل أو العاقل هو من يصدّق.

كان يربط المادية الجدلية بأكلة البامية وقد ذكّرته ما كتبه رفعت الجادرجي عن البامية، مثلما يربط بين الإشتراكية والتشريب، وبين الوحدة العربية والدولمة أو الشيخ محشي. نقلت له نكت عامر عبدالله في الأربعينات وبداية الخمسينات حين انتشرت كلمة الماركسية، فربطوها مع البيبسي كولا، وذلك دليل الحداثة.

قال في أحد المرّات وعلى نحو مفاجئ، عليك أن تتبنّى ملفاً خاصاً وتقيم دعوى ضد أصحاب الأغاني الرديئة والشعر الرديء والمسرح الرديء، قلت له ضد كل شيء هابط، فعلّق نعم ألا يفسد ذلك الرأي العام وذوقه؟ أنتم دعاة حقوق الإنسان مقصّرون في تنقية الذوق العام من الترّهات، بل إنقاذه وإنقاذنا. علّقت على ذلك والسياسة الرديئة ألا تستحق الذهاب إلى القضاء، حيث الفساد المالي والإداري المستشري والطائفية الطاغية والعنف والإرهاب ونظام المحاصصة؟ قال إبعدني الله يبعدك عن نار جهنم، ولنبقى بحدود الأغاني. قلت له الأمر ليس سياسة، بقدر ما هو مصير.

ثم عاد وكاد ينتحب بالقول: أهذه هي بغداد التي تعرفها؟ لقد أصبحت مدينة مخيفة، هل ضربنا الطاعون؟ لقد اختفى الصعاليك من المدينة؟ اختفوا مثلما اختفت الكلاب والقطط السائبة، وحلّ الذباب محلّ الفراشات.

تذكّرنا كتاب “الأغاني” لأبي فرج الأصبهاني، وكيف كان الطرب الجميل في عهد هارون الرشيد والمأمون بشكل خاص والخلفاء الآخرين، حيث كان فيه إرواء العقل وإنعاش الوجدان، لاسيّما بالعواطف الجياشة والمشاعر الجميلة والفن الأصيل.

كانت شطحات ونزوات خضير ميري كثيرة، وسبحان من ليس له شطحات ونزوات وأخطاء وعيوب، وأتحدث هنا عن نفسي قبل الآخرين، وبسبب بوهيميته وتوهانه عانت رفيقة عمره إسراء خليفة الكثير، لكن عذره كان إنه يكره القيود ويحنّ للصحبة الحلوة وسهرات الأنس والمؤانسة والنقاش، وكان منكّتاً من الطراز الأول، وقفاشاً نموذجياً، يقول النكتة دون أن يضحك، وينظر بعينيك، وإذا قرأ فيهما استحساناً وفهماً، سبقك إلى الضحك. كان حاذقاً بقدر غرابة أطواره.

يتبع…

 

لا تعليقات

اترك رد