أنسي الحاج وخواتمه الكيانيّة – ج٢٢


 

حبّ

عنونت الشّاعرة اللّبنانيّة ندى الحاج مقدّمة كتاب “كان هذا سهواً” بكتاب من ذهب وهي محقّة. إلّا أنّ أنسي الحاج، هو الكتاب الذّهب. كلّ خاطرة مرّت بذهن أنسي، وكلّ رجفة قلب أيقظت حبر القلم لينثر لنا عمق الفكر الأنسيّ شرارات ذهبيّة انسكبت في كياننا. حطّمت الأقنعة لتكشف عن الإنسان فينا بكلّ ما يحمل من تناقضات بشريّة، وحاجات يقمعها لأسباب عدّة.

أنسي الحاج مدرسة حبّ تنثر في كلّ قلب زهرة حتّى يعاين الإنسان إنسانه ويكتشفه فيعرفه.

قد يمكن الغوص في خواتم أنسي الحاج وتلمّس بعضاً من رؤيته والقبض على مقاصد عمقه الإنسانيّ. وقد يتسنّى التهام معان احتجبت في عمق نهاه، إلّا أنّ استنباط فحوى الحبّ الّذي اختبره أنسي فلا يمكن إلّا لعاشق حقيقيّ أن يفهمه ويدرك وجعه. الحديث عن الحبّ لا بدّ أن ينقله اختبار حقيقيّ واقعيّ، ولا يقدر الخيال أن يمنح وفرة المعنى، ولا يقوى الوهم على تثبيت ذبذبات الحبّ في قلب القارئ.

“كلّ قصيدة بداية الشّعر/ كلّ حبّ بداية السّماء” يقول أنسي الحاج. إنّه الاختبار العشقيّ بكلّ مكنوناته وبساطته وتعقيداته، مروراً بالبشريّة وصولاً إلى الارتقاء العشقيّ كقيمة مقدّسة. قيمة العشق المتمدّد في الكيان كلّه، والمشكّل قوّة خالقة، تُلبس الإنسان رداء جديداً، تبدّل نظرته، تجذبه إلى الدّاخل ليعاين أدقّ تفاصيله الممزوجة بالرّغبة والحرمان والشّوق والكره. فالشّوق إذا بلغ أوجه وقابله الحرمان استحال أقصى الحبّ إلى أقصى الكره. دقيق جدّاً هذا المعنى العميق للحبّ الحقيقيّ الّذي أراد أنسي من خلاله أن يشرح المكابدة في الحبّ بين الظّفر بالمحبوبة والحرمان منها.

أقصى الحبّ أقصى الكره. بين الرّغبة في الاتّحاد الكلّيّ جسداً وروحاً بالمحبوبة، والحرمان منها ينبت الكره برداء الحبّ. بمعنى آخر يوهم العاشق نفسه إذا ما استحال الظّفر بالمحبوبة أن ذاك هو الحبّ الحقيقيّ. فيساوي بين الحرمان والحبّ. ما هو غير حقيقيّ بحسب أنسي، لأنّه في هذه الدّوّامة القاسية يتولّد شعور الكراهية برداء الحبّ. هذه الحالة اللّحظيّة تربك الرّوح، تشرذمها، تولّد فيها الحزن المرافق للحبّ. وكأنّي بالعاشق يتآكل من داخله، ويلامس نار الحبّ الأبديّة.

لسنا بصدد الحديث عن الحزن كنقيض للفرح، أو كخللٍ مرحليّ ظرفيّ نتيجة صعوبة معيّنة. وإنّما الحديث هنا عن حزن ملازم للحالة العشقيّة، رفيق درب، ينتج عن حالة الحبّ ذاتها المركّبة من الحزن والفرح في آن. الفرح بالمحبوب والحزن من عدم الظفر به ونشوء حالة الكره برداء الحبّ. لأنه ستتنازعه شهوته لمن يحب ولن يستطيع، فالرّاحة ألا يحبّ إذن.

” يا لكذب القلب!

تأتيك غادة فتذوب لها، ولكنّك تظلّ تحفر عميقاً حتّى تُشقِّق الحلم، بخلفيّة غيرتك السّحيقة من جمالها، بكرهك أن تكون هناك تحفة وتسلّمك ذاتها، فيما كنت تؤثر أن تظلّ تشتكي من الحرمان لتريح نفسك من جميل أن تحَب، لئلا تحِب…

وهذا الكره كلّه في رداء الحبّ.

يا لكذب القلب!…” (ص 233

لا تعليقات

اترك رد