الشرق والغرب – ج3


 

لم يعد من الصحيح لنا كمسلمين وكعرب تحديدا، ان نسأل فيما اذا كانت الحداثة وما ينتج عنها ويرتبط بها من مفاهيم وسلوكيات سواء سياسية مؤسساتية او اجتماعية والتي ستؤدي بالنتيجة الى ( أمركة العالم) هي الانسب لنا ام لا؟.. هل هي الطريق الذي بامكاننا اختياره او رفضه ام لا؟.. فما يعيشه العالم اليوم هو حقيقة واقعة، وتأثيراتها تصل الينا وليس من حدود ولا قوانين يمكنها عزلنا عن الوجود، واذا ما اردنا ان نتوقف عن الادعاء ان هناك صراعا حضاريا بيننا وبين الغرب وحداثته، فاننا لن نتمكن من التوقف عن الشعور بحقيقة الصراع بيننا وبين التقدم، والحقيقة القائمة اليوم هي اننا اشبه بحقيبة ثقيلة يجرها مسافر على عجل للوصول الى مبتغاه، وفي نقطة ما ولحظة ما، عليه ان يعيد النظر في حمولته ويلقي بعض الزوائد التي لاحاجة ملحة له فيها والا فانه سيتعثر ويتاخر عن الوصول.. ولكن يجب القول وبألم، ان الشعور باننا مسحوبون من ياقاتنا، وباذلال كبير لتقبل مالم يكن يوما جزءا من ثقافتنا وانه ايضا ثقافة المنتصر هو شعور بغيض، وهذا الشعور يشكل حاجزا كبيرا ومصدا صعبا لتقبل اشياء كثيرة جيدة يمكنها ان تجعل حياتنا اكثر عدلا ورفاهية وسعادة، وهذا الشعور ايضا كان السبب وراء اندفاعنا المفرط بتقديس كل ما من شانه تحقيق الاختلاف مع الاخر، ابتداءا من الاشخاص والرموز التاريخية وانتهاء بالسلوك والتقاليد، غير ان في دواخلنا لهفة للتغيير لم تجد طريقها للظهور بعد، وكل ما يقوم به قادة الراي لدينا، من رجال دين وملوك وامراء وسياسيين موهومين بالسلطة وامراء حروب وعصابات، هو دفعنا نحن البسطاء للوقوف بوجه قطار يسير بسرعة لاحدود لها، يتبجحون بايمانهم بالعقيدة والشريعة الالهية،وبحجة الحفاظ على الهوية والارث، ولكنهم في الحقيقة يعيدون دروسا قديمة للتاريخ للحفاظ على سلطتهم ومكاسبهم، الا انهم سيرضخون في النهاية مثلما رضخوا سابقا، او ان القطار سيزيحهم مع ما سيزيح من تقاليد قديمة..

كلنا سمعنا عن آبائنا او قرأنا في الكتب عن موقف رجال الدين ضد الانتظام في المدارس بداية القرن الماضي، واصدارهم الفتاوى لمنع الاباء والامهات من ارسال اطفالهم للمدارس حفاظا على مصالح الملالي والكتاتيب، ولكنهم  رضخوا امام عجلة التقدم، الذكور اولا ثم البنات ثم الاختلاط الذي مازال يشكل غصة في بلعومهم، ولكنهم في كل الاحوال لم ولن يتمكنوا من الوقوف بوجه العلم والمعرفة، وفي مقال في موقع الصدى نت قراته قبل ايام،  ذكر فيه ان هناك ثورة قامت في بغداد بسبب ان الوالي العثماني اراد فقط احصاء عدد النساء في الولايات فقوبل هذا القرار برفض رجال الدين، ولكن المرأة العراقية والعربية والمسلمة اليوم، طبيبة ومهندسة وموظفة وعاملة وشاعرة وفنانة ووزيرة..  ذات التقاليد وذات الدين، ما الذي جعلنا نتغير بهذا الشكل، وما الذي يمنعنا من ان نتغير غدا؟..

قد يعتقد البعض ان حياة الغرب بما فيها اليوم من انفتاح واسع، ومن تشجيع وحماية لمسالة الحقوق والعدالة خاصة مع المرأة، ومن سلوكيات يراها البعض منافية لتقاليده وثقافته، هي ذات التقاليد منذ ولادة المسيح، او قبل  مئة عام مثلا، والحقيقة ان الشريعة المسيحية لاتختلف كثيرا عن شريعة الاسلام، والمشاكل الطائفية التي نعاني منها اليوم كان قد عانى منها المسيحيون، وتقاتلوا بسببها وكفر بعضهم بعضا، ولم تكن المرأة فيه تعامل بشكل افضل مما عوملت وتعامل فيه الان في بلاد الاسلام، غير ان شيئا قد حدث، نقطة ضوء بزغت في سماء الغرب، انارت لهم طريق الحرية اولا ومن ثم طريق العلم والمعرفة، تلك النقطة هي ( ازالة التقديس) لم يعد لدى الغرب ما هو مقدس اكثر من الانسان نفسه، ولذلك وضعوا كل امكانات العلم والتكنلوجيا، وكل تفاصيل القوانين المنظمة لحياتهم، لخدمة الانسان وارضاء حاجاته وتخفيف معاناته، وضمان حريته وخصوصيته وكرامته ايضا، ولم يعد رجل الدين اكثر من مفصل اجتماعي واجبه المساعدة على تنويع المشاعر عبر روحانيات يحتفظ بها بين اروقة الكنيسة، ولم تعد قوانينهم تجرم من يلحد او يكفر بالله او ينفي وجوده، ولكنها تجرم وتحاسب من يعرض خصوصية الاخرين وحرياتهم للتهديد او الخطر..

ومع كل ذلك، وحتى على افتراض العكس فاننا في كل الاحوال لايمكن الا ان نكون كما يقول المؤرخ الفرنسي( مارك بلوخ) (ابناء عصرنا وليس ابناء آبائنا)، وعصرنا يطرح الكثير من التساؤلات حول هذه الامكانية وهذا العناد في مقاومة التحضر والرغبة الجامحة للتمسك بما هو خارج عنه وعن مسار التحديث والتطور؟..

كمسلمين نؤمن بالعدالة وبالمساواة وبالحرية، الم يقل النبي محمد ( الناس سواسية كاسنان المشط) الم يقل عمر بن الخطاب ( متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم احرارا) ونؤمن أيضا بالعلم والمعرفة الم يقل النبي محمد ( اطلب العلم من المهد الى اللحد)، هذه القيم هي في الحقيقة جوهر العصر، مثلما هي جوهر النشاط الانساني عموما، وأهم قيم ومباديء النظام الديمقراطي، بل ان التعليم اصبح حقا انسانيا مصانا، وفرصة الفرد في التعليم اعلى من فرصته في العمل، هذه القيم ايضا هي جوهر الاديان السماوية، فلايوجد دين لايحض ويدعو اليها، بل ان معظم دساتير الدول الاسلامية التي تتخذ من الدين مصدرا وحيدا او رئيسا للتشريع، تحض وتحترم حرية الانسان وتدعو الى العدالة والمساواة واغلبها تؤمن بالديمقراطية وبحرية المرأة وبمساواتها بالرجل، غير ان ذلك كله ليس سوى حبرا على ورق، وكلمات تكتب لاغراض الدعاية والحديث في المؤتمرات الاممية والدولية، اما في الحقيقة وعلى الارض فان ما يقودنا كعرب تحديدا هو تقاليد واعراف متوارثة ومترسخة، اوقفت عقولنا عن التفكير، ولها امكانية اعادة انتاج نفسها وتعزيز قدراتها في ظروف الازمات والانتكاسات، وما المد الطائفي الحالي، وعودة سلطة القبيلة، وازدياد الشعور بالاختلاف والتمايز، إلا دليل على نكوص غير طبيعي في مجرى تاريخ اممي صاعد، وفي مجرى تاريخ امة العرب التي عاشت بعد منتصف القرن الماضي حالة التهيؤ للتغير والاندماج الحضاري، بعدما تخلصت من الكثير مما تعيشه اليوم من تقاليد تصلح لقرون مضت..

لقد ساهم سلوك رجال الدين كثيرا في ايقاف عقول الاجيال المسلمة عن العمل، بل والتأثير السلبي على منحى حياتهم منذ مراحل الاسلام الاولى التي تم الاعتماد فيها على من يرسلهم الخليفة او الوالي لنشر الدين وتفسير الايات والاحاديث، وكانت تلك هي الوسيلة الوحيدة المتاحة آنذاك، واصبح الاعتماد عليهم سلوكا جمعيا الى يومنا هذا، وتوقف العقل عن السؤال والتفكير،  فنحن مازلنا وبعد الف ونصف من السنين ومع انتشار التعليم والقراءة والكتابة ومع الانترنيت وابوابه المفتوحة، نستفتي المراجع الدينية العظام عن كيفية دخولنا الحمام، ومازال المواطن يسال خطيب الجامع عن الوضوء وحتى عن علاقته بزوجته دون ان يجهد نفسه قليلا للبحث والتقصي ومعرفة الاصول والتفسيرات المختلفة او ايضا لمعرفة اذا ماكان راي الشيخ صحيحا يتقبله العقل قياسا الى معطيات العصر ام لا؟.. هذا السلوك جعلنا تابعين لاهواء الاخرين من سياسيين ورجال دين وقادة رأي، فترانا نردد ما بالسنتهم دون الولوج الى دواخلهم ومعرفة نواياهم واهدافهم ومصالحهم، بل دفعنا هذا السلوك الى التنازل شيئا فشيئا عن حقوقنا وحرياتنا لصالحهم باسم المذهب او الطائفة او القومية وباسم الشريعة والحق ومخافة الله وطلبا لجنته، ولعل في ظاهرة الانتحاريين الذين يفجرون انفسهم لقتل من يعتقدونهم كفارا ومشركين، دليل واضح على طبيعة الطاعة العمياء، دون تشغيل العقل والتفكير والسؤال عما اذا كان ذلك يطابق او ينافي الشريعة التي اختلف في تفسيرها الكثير..

ومازلنا نخاف الحداثة والتطور، لاننا نردد مايقولونه لنا من انها كفر والحاد وعمل من رجس الشيطان، وان تقاليد الغرب تخالف الشريعة وانها لاتتناسب واخلاقنا؟..
اخلاقنا تلك التي دعا الامام علي بن ابي طالب وهو اول الداعين الى الحداثة عبر التاريخ الى عدم نقلها الى اجيالنا حين قال ( لا تعلموا اولادكم على عاداتكم فانهم مخلوقون لزمان غير زمانكم)..

5 تعليقات

  1. احسنتم اخي الاستاذ حسن
    تشخيص سليم للواقع العربي المتردي..وادانة حق لبعض رجال الدين الذين اساءوا استثمار النصوص الدينية البناءة ، واخفوا النصوص والتعاليم الداعية للعلم والتطور وتنشئة الاجيال بما يتناسب وظروف كل عصر ، بل درج بعضهم على توظيف الدين لتجهيل الناس كي يسهل انقيادهم لتنفيذ ما يأمرهم به لتحقيق منافع شخصية .

  2. استاذ حسن مساؤك نور .. اعتقد أن هؤلاء سواء البعض من رجال الدين او الناعقين وراء كل ناعق سواء اعلام او اقلام السلطة السياسية والدينية لايدركون حجم سذاجتهم في نظر العلم والثقافة والحضارة وحتى التأريخ هؤلاء يحاربون انفسهم في جبهة عريضة وطويلة لاطاقة لهم على امتلاك خياراتهم فيها رغم امتلاكهم لمقومات حربهم هذه وحتى كوادرهم البشرية من تابيعهم هم قلوبهم معهم وسيوفهم عليهم لأن مسألة التقدم والتطور ومواكبة الحضارة والثقافة اصبخت غريزة جينية كما في صميم الذات الانسانية المتحررة كذلك في صميم ذواتهم ولذلك فالعجلة تسير ولم ولن يعود الزمن الى الوراء .. مقال دسم ويجب التوقف عنده مطولا دمت ودام عطاؤك وابداعك

  3. نعم سيدتي الرائعة Salha Hayouni نحن عالقون فعلا، وانا ذكرت ان ما يحركنا ويقودنا هو الاعراف والتقاليد الاجتماعية التي تسحبنا دائما الى الوراء وتمنع علينا الالتحاق بركب التقدم، وهو فعلا مأزق كبير كما تفضلت.. شكرا لاهتمامك ومرورك وتفاعلك الجميل.. تحياتي

  4. نعم اخي العزيز استاذ عواد العجلة تسير ولكنها في عالمنا العربي المنهك تسير ببطء شديد وهناك ايضا انتكاسات، ونحن شئنا ام ابينا سندور مع عجلة الحضارة والتقدم ولكن عناد رجال الدين الممزوج بجهل البسطاء الغالبية سيؤخر التحاقنا بركب الحضارة الا اذا ما تغيرت اشياء ليست في حسابات الواقع اليوم.. تحياتي وشكرا لمرورك الجميل

  5. عم اخي العزيز استاذ حميد الموسوي، استثمر رجال الدين النصوص لما يخدم مصالحهم.. شكرا لمرورك الجميل

اترك رد