عاصفة التنصل

 

كان هذا الجالس علي كرسي الأستهتار, شابا غليظ الجسم ,طويل النفس, متهكما , ضاحكا ,عنفوان التنصل واضح علي محياه ,يستند الي كرسي المحطة وفمه يلدغ ماضيه و حاضره نام نوم المغشي عليه و فاه منفتح علي جميع الاتجاهت , كان يتمتم في حيرة و خبث عن أشياء قد تبعده عن هذا الحال, كانت الاشارات بالنسبة له كلها حمراء, فلم يكن له بد في ان يسلك هذا الاتجاه , ان يعبث قليلا بهذا الواقع و لم يكن يتوقع أنها تجربة مرة قد تخرجه الي عالم جديد كما يمكن لها ان تبعده بعيدا عن لذة البقاء و كان يري فيما يراه النائم بانه علي مشارف جرف عالي يقهقه بكل ما اوتي من قوة, كانت تقلباته توحي بانه لفض اخر انفاس ذاكرته منذ مدة ,لقد اجاز للحاضر التقرب اكثر الي بأرة اجنته دونما رادع و دون محابات لأحد . كانت البؤرة التي تكون فيها هي نفس البؤرة التي تسكع أمامها لأيام و أيام . ثم أرتمي مباشرة علي سفحها باعين مغمضة, سابحا فيها كتدفق شلال أعور في مكب مفتوح علي كل الاحتمالات . ثم تساقطت أطرافها الواحدة بعد الاخري في انسياب متجانس الي اغوار غير محمودة ,الي اعماق مهجورة, علي ارض فاسدة, فساد مخ مخدر بكميات غير منتهية من ادوية الضياع .

هذا الشاب الذي ابتلع ماضيه و حاضره وها هو علي اهبة الاستعداد لابتلاع ما تبقي من عمره . هذا الهيكل المتباكي علي حقبة فاتته أهوارها, هذه البركة المرضعة تبنت غيره لقيادة مستقبله و ما كان له سوي التلويح لها و هي تجره بكل قوة الي مسارات داكنة ,هناك داخل عقله . كان فكره الفطري قد انسحب تماما عن الترشح لعهدة اخري, لان هذا الهيكل المتصدع فوق أيامه لا يمكن له باي حال من الاحوال الصمود أمام تيارات تخرج من بين أنفاسه ,لا يستطيع الأبطاء قليلا ,لا يستطيع الاسراع و لا يستطيع ان يكون يقضا ,لا يستطيع حتي المضغ البسيط لعلكة استقرت بين اسنانه, و تركته حائر بين بصقها او ابتلاعها ,لأن احدي الحركتين قد تفسد عليه نعمة التصلب و التسمر في مكانه .
و كأنها تحاوره بكل بهتان و أنكار و كأنها توبخه علي غمامت قد سيرت أنفاسه الباطنية بكل حذر وما لبثت علي الانتهاء منه حتي بادرته بحصيلة مبهمة لعقل ضاع بين متاهات هو صانعها و خادمها و الوصي الاول و الاخير علي انسدادها  .

لا يستطيع نفض الغبار المتراكم علي سحابة أعينه . لا يستطيع حتي البكاء علي حاله , لكن الدموع أبت الا ان تثور في وجه هذا الحال, بقطرات سحبت معها رذاذ هذا الماكر من فوق غشائه, و في هذه الاثناء استيقض الدب من سباته مشهرا سلاحه لسلخ جلد هذا الحال , لتغذية معدة خاوية نامت فارغة لمدة ليست بيسيرة, أين تدفقت الدماء الي هذا العقل الذي لا يزال واقفا رغم هبوب كل هته الفصول, ثم بدا بتحريك أنامله كعلامة لبدا الاغتسال من هذه المواد التي ارتدته لوقت سحيق, و جعلته فار اختبار لهذا الزمن .
استيقض اخيرا و بخطي حنين عاد قليلا للوراء لتدارك بعض الامور,  تفقد حال خزانه المقفل منذ  وهلة طويلة في ذهنه قسيرة علي الواقع .شحن بطريات أيامه استعدادا للقادم الذي لن يكون سهلا و انغمس قليلا في قراءة اسئلة هذا الزمن . و في غمرة من الاحساس المختلط بنكهة غريبة بدات انامله بخياطة طريق جديد نحو الارتقاء لانه في تلك اللحضات نسي بانه في اسفل البرميل و بانه سبح لمدة طويلة داخله في مسار دائري حتي امتلئت رئتاه بسم هذا الاخير و ما عليه سوي السباحة للاعلي داخل تيارات متفرقة و البحث عن المسار الصحيح للعودة الي الاعلي .

و فجاة و في لحظة ذهول فطرية  غاصت شجاعته بقوة صقر انقض علي سمكة من قعر المحيط, تمسك بها رغم الجراح التي تسببت فيها مخالبه , وهو علي هذا الحال و الالم يعتصر قلبه ,حتي ترائت له ساحة الانطلاق التي تسمر فيها في اول تجربة له في هذه الحياة ,بين مجموعة هائلة من أقرانه و أنقشعت عن أعينه تلك السحابة الداكنة في لحظة طيش استطاع بعدها الرجوع الي مسارات الحياة ,و البدئ في طريق متين بين حيثيات معروفة و بين جموع مؤلوفة و ركب أخيرا القطار لوجهته المقدرة تاركا ورائه هموما ما كان له ان يجربها لو اتخذ وجهته بكل عقلانية …؟

لا تعليقات

اترك رد