لا نضج ولا تقدم ولا فلاح بعيدا عن القراءة

 

نحن لا نقرأ ، وهم يقرأون ، نحن في طريق النمو ، وهم متقدمون ، قرأوا فوصلوا ، وجهلنا ثمار القراءة فتوقف بنا القطار لا نغادر أماكننا ، نقلد غيرنا ، نستهلك ما ينتجه بغض الطرف عن نوعه ونوعيته ، و الفظيع الفظيع أننا نعرف مآل ومصير من لا يقرأ ، ومصير من يقرأ ويعي ما يقرأ.
إن الوطن العربي ما يزال بعيدا عن أسس التقدم والانعتاق لبعده عن الكتاب ، والقراءة ، والكتابة .

ما تزال مدارسنا لا تحث على القراءة بناء على منهجيات حديثة تجعل ما يقرأ علاجا لسلوك ، أو تقويما لنظرة ، أو دافعا نحو التطور البشري . قراءتنا القليلة والمنحصرة في دوائر ضيقة طحن بلا طحين ، وعمل بلا نتيج .

المنتمون إلى الدول المتقدمه تراهم في كل مكان أنيسهم كتاب يبحثون فيه عن مزيد من الاستنارة ، ومزيد من التعمق في النفس البشرية. ومن العجب العجاب أن بعض من نعدهم مثقفين يشيرون بالهمز واللمز إلى من يقبل على اقتناء الكتب و على قراءتها بادِّعاء أن القراءة في عصرنا لا مردود ولا غاية مرجوة من ورائها.
بالأمس سألني أحدهم عن رأيي في مشكله مع زوجته ، وبعد أن حدد حيثيات المشكلة ، وجهته إلى الحل المناسب لمعضلته ، وبعد أسبوع جاء بشوش الوجه وقد تخلص من مشكلته ، وبعد تحيته لي ، عاتبني على مرافقتي للكتب في كل مكان أحل به ، فأجبته باختصار أن الكتب التي أرافقها في كل مكان هي التي أملت علي الحل الذي قدمته له بصدد معضلته التي كادت تدفعه إلى الجنون أو الانتحار.

المشكل الكبير في الوطن العربي أن الناس حتى الآن لم يدركوا بحق أهمية القراءة في تحديد مصائر الناس الحياتية و الاجتماعية ، ومدى مساهمة الابتعاد عن القراءة في انعدام الحصانة النقدية لما يشاهد ولما يقال ولما يستهلك فكريا وماديا .

وفي هذا العصر بالذات ، نجد نسبة كبيرة من الشعوب ـ معظمها في الوطن العربي الإسلامي ـ بعيدة كل البعد عن القراءة .
ولأننا مسلمون ، فالكثير منا يؤاخذ غيره إذا ترك ركنا من أركان الإسلام ، ناسيا كون طلب العلم من مطلوبات وواجبات المسلم ، وبه تصح العبادة وترتقي ، وبه يكتسب مبادئ إنسانية تجعله يتعايش مع المسلمين وغير المسلمين بود وأخوة . و لن يتم طلب العلم بعيدا عن القراءة . والمؤسف أن الأمة الإسلامية التي هي أمة “اقرأ “، وأمة احترام العلم والعلماء في أسفل قائمة الأمم القارئة .

والقرآن الكريم زاخر بآيات تدعو إلى التأمل والقراءة والتعلم .
قال الله تعالى: [اقرأ باسمِ ربِّكَ الَّذي خلَق ، خلَقَ الإنسانَ من علَق ، اقرأ وربُّكَ الأكرم ، الَّذي علَّمَ بالقلَم ، علَّم الإنسانَ ما لم يعلم ،] (العلق) [يرفعِ الله الَّذين آمنوا منكم والَّذين أوتوا العِلمَ درجاتٍ]. (58 المجادلة آية 11).

[إنَّ في خلْقِ السَّمواتِ والأرضِ واختلافِ اللَّيلِ والنَّهارِ لآياتٍ لأولي الألباب الَّذين يَذْكُرونَ الله قياماً وقعوداً وعلى جُنوبهم ويتفَكَّرونَ في خلْقِ السَّـمواتِ والأرضِ ربَّـنـا مـا خـلَقْت هذا باطلاً سـبحانَك فَقِنَا عذابَ النَّار (3 آل عمران آية 190ـ191) [ن والقلمِ وما يَسْطُرون (68 القلم آية 1]. وقل ربِّ زدني علماً (20 طه آية 114).
[أَمَّنْ هو قانتٌ آناءَ اللَّيلِ ساجداً وقائماً يَحذَرُ الآخرةَ ويَرجو رحمةَ ربِّهِ قلْ هل يستوي الَّذين يعلمونَ والَّذين لا يعلمونَ إنَّما يَتَذكَّرُ أولوا الألباب] (39 الزمر آية 9).
[ألم تَرَ أنَّ الله أنزلَ من السَّماء ماءً فأخرجنا به ثمراتٍ مُخْتلفاً ألوانُها ومن الجبالِ جُدَدٌ بيضٌ وحمرٌ مختلفٌ ألوانُها وغرابيبُ سُودٌ ومن النَّاسِ والدَّوابِّ والأنعامِ مُختلفٌ ألوانُهُ كذلك إنَّما يَخشى الله من عبادهِ العلماءُ إنَّ الله عزيزٌ غفور ](35 فاطر آية 27ـ28).

[هوَ الَّذي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِـنِينَ وَالحِسَاب مَا خَلَقَ الله ذلكَ إِلاَّ بِالحقِّ يُفصِّلُ الأياتِ لِقَومٍ يَعْلَمُون (آية 5) يونس {ألم تَرَوْا أنَّ الله سَخَّرَ لكم ما في السَّمواتِ وما في الأرضِ وأسْبَغَ عليكم نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطنَةً ومن النَّاسِ من يُجادِلُ في الله بغيرِ علْمٍ ولا هدىً ولا كتابٍ مُنير] (31 لقمان آية 20).
وهنا نتساءل حول الأسباب التي حدت بنا إلى الابتعاد عن القراءة وطلب العلم باعتباره أساس الدنيا والآخرة.

ولقد بات من السخيف الاعتذار بقصر ذات اليد في إيجاد الكتب وغيرها من التعلات التي لا مبرر لها. وشخصيا أعرف خزانات في مؤسسات تعليمية مكتظة بالكتب التي علاها الغبار لابتعاد الطلبة عن تصفحها . ليظل الكتاب الوحيد المقروء ـ إجباريا ـهو الكتاب المدرسي .

انطلاقا مما سبق ، لا مناص من القراءة المثمرة التي تجعل من الإنسان إنسانا ينفع نفسه ، ويسدي نفعه للآخرين ، فأساس خير الدنيا والآخرة القراءة و البحث والعلم .

لا تعليقات

اترك رد