الحشد الشعبي العراقي .. والقانون !! ج١

 

ليس في نيتي وانا اكتب هذا المقال ان انضم الى فريق من يؤيد وفريق من يعارض القانون ؛ هذا ليس شأني وليس منه ايضاً . ما يعنيني هو محاولة تأسيس مقاربة علمية تحليلية لموضوع الحشد الشعبي كظاهرة وذلك من خلال اخر تطور مهم حصل قبل ايام في الموضوع وهو صدور قانون هيئة الحشد الشعبي ؛ وأود الإشارة منذ البدء الى ان بعض المعطيات التي سأطرحها في ثنايا هذا المقال قد تبدو شائعة ومعروفة ولكنني ادرجها بعد ان ذهلت من قدرة البعض على الالتفاف على حقائق ثابتة ومعروفة عندما يتحرَّج موقفه في النقاش .

اخيراً صدر القانون الخاص بإنشاء ” هيئة الحشد الشعبي والقوات التابعة له ” ، علماً بان الهيئة كانت قائمة بالفعل والقانون الجديد لم يقدم جديداً سوى إقرار ماورد في الامر الديواني الذي اصدره رئيس الوزراء حيدر العبادي بالرقم (٩١ ) في ٢٠١٦/٢/٢٤ مع اضافة الأسباب الموجبة التي يمكن من خلالها تلمس نوايا المشرع وأغراضه من إصدار القانون . السؤال الأهم هو لماذا يصدر هذا القانون في هذا التوقيت بالذات ودون توافق مع القوى السياسية الشريكة في العملية السياسية وتحديداً القوى التي تنتحل صفة تمثيل مايسمى بالسُنّة في العراق رغم ان مبدا التوافق هو السياق الذي أقيمت العملية السياسية عليه منذ تأسيسها من قبل المحتل الامريكي وانخرطت فيها بشكل أساس الاحزاب الدينية الشيعية والحزب الاسلامي الذي انتحل لنفسه صفة تمثيل السنّة ، وهو شظية انشقت عن الاخوان المسلمين بقيادة محسن عبدالحميد وتم تمويل تاسيسه من قبل السعودية في حينها ، اضافة للأحزاب الكردية ؟! لكن قبل ذلك اجد من المهم العودة الى بعض القضايا الاساسية التي لابد منها لتكوين تصور واضح عن القانون الجديد والمولود الذي جاء ليكرس شرعيته والذي يبدو ان مجرد امر ديواني صادر عن رئيس الوزراء بصفته القائد العام للقوات المسلحة لايكفي لتلبية متطلبات رعاته وصانعيه مع مرحلة جديدة يوشك العراق والمنطقة على دخولها بسبب تطورات داخلية على مستوى الإقليم وميدان المواجهة مع تنظيم الدولة الاسلامية اضافة الى قدوم إدارة أمريكية جديدة تبشر بنهج مختلف في التعامل مع هذه التطورات .

من المهم ايضاً ان ندرس قضية الحشد الشعبي ولو بشكل موجز في ضوء النظرية العامة للدولة المعاصرة والتي يتفق علماء الدستور والاجتماع – السياسي على انها المحتكر الوحيد للقوة المسلحة ، وهذه الاخيرة تأخذ أشكال عديدة كالجيوش النظامية والمليشيات باعتبارها رديفاً ومكملاً . فهل حشدنا يقع في إطار المليشيات التي نراها في دول كثيرة وخاصة في العالم المتقدم ام انه شيء اخر ؟! الا يكفي صدور امر ديواني من سلطة شرعية ثم تكريس الامر الديواني بقانون لمنح هذا الكيان مشروعية الوجود مع احتفاظ البلاد بصفة الدولة الحديثة ، دولة كل مواطنيها ؟ .

نعرف ان قوات الحشد الشعبي هي مجموعات مسلحة ترتبط بأحزاب سياسية او مرجعيات دينية او عشائرية ؛ شكلت بضعة مجموعات قلب الكتلة الصلبة التي بدات بالتصدع بمرور الوقت حتى بدات تنشق عنها فصائل فرعية صغيرة ثم تتحد مع بعضها لتشكل مجموعة جديدة وهذ العملية مستمرة منذ ان دخلت المجموعات الشيعية المسلحة الى العراق بعد الاحتلال الامريكي قادمة من ايران بشكل رئيسي حيث كانت قد نشأت أصلاً كما تأسست مجاميع اخرى بعد الاحتلال وانخرط قسم منها في عمليات عسكرية ضد قواته اتضح فيما بعد انها كانت جزءاً من الستراتيجية الايرانية لدفع الأمريكان الى سرعة مغادرة العراق رغم ان دخولهم له قد جرى بتنسيق مع ايران وفق ما يذكره اكثر من مسؤول أمريكي وفي مقدمتهم السيد زلماي خليل زاد في مذكراته The Envoy ؛ ولابد هنا من استعراض اهم المنظمات المسلحة التي اصبحت القوة الاساسية للحشد الشعبي لنرى انها كانت موجودة أصلاً وان جميع الإجراءات الرسمية التي صدرت عن الحكومة او المرجعية الدينية لم تكن سوى عملية شرعنة ، حكومية ودينية ، متدرجة لما كان قائم فعلاً ، رغم تعارضه تعارضاً لالبس فيه لنص الدستور ونص القوانين السائدة ولروح التوافق الوطني الذي تم اعتماده كأساس للعمل السياسي ، كل ذلك تمهيداً للوصول الى القانون الأخير مع كل ما يعنيه كما سنوضح لاحقاً .

اهم تنظيمات الحشد الشعبي المسلحة ، وفق مصادر عدة متطابقة ، هي :

١- سرايا السلام ونواتها جيش المهدي الذي تشكل بعد الاحتلال الامريكي مباشرة وتم تجميده عام ٢٠٠٧ ثم أعيد تفعيل نشاطه بعد اعلان اسمه الجديد في ١١ حزيران / يونيو ٢٠١٤ ، اي قبل صدور فتوى السيد السيستاني بالجهاد الكفائي بيومين فقط ؛ هذه السرايا هي اكبر تنظيمات الحشد الشعبي عدداً وأكثرها انضباطاً وولاءاً لقيادتها . تحظى السرايا بتمويل ودعم محلي واسع النطاق اضافة للدعم الايراني الذي ظهر واضحاً في الاستعراض العسكري الذي نفذته السرايا بعد الإعلان عنها والذي عرضت خلاله صواريخ وأسلحة حديثة من مصادر إيرانية ؛ وتقتصر نشاطات السرايا على المناطق المحيطة او القريبة من المراقد المقدسة والتشارك عادة في معارك الحشد الرئيسية .

٢- منظمة بدر : تأسست تحت مسمى فيلق بدر في ايران عام ١٩٨١ من قبل المجلس الأعلى للثورة الاسلامية في العراق ( المجلس الاسلامي الأعلى حالياً ) وكان الفيلق يتلقى الدعم التسليحي والمالي والسياسي من ايران كما شارك في الحرب العراقية الايرانية الى جانب القوات الايرانية التي بدات عدوانها على العراق اوائل سبتمبر / أيلول عام ١٩٨٠ ويقود الفيلق الذي تحول الى منظمة بدر هادي العامري .انشقت بدر عن المجلس الاسلامي الأعلى وانضمت الى كتلة المالكي بعد انتخابات ٢٠١٠ لاغراض التحالف مع كتلة المالكي .

يقدر تعداد أفراد المنظمة بعشرات الآلاف وقد انضم الكثير من الشباب اليها تحت ذريعة الدفاع عن المذهب الشيعي ، وقد شاركت منذ وقت مبكّر في المعارك ضد تنظيم الدولة لكونها تتمتع بخبرة قتالية وجاهزية جيدة وتحوز كميات كبيرة من التسليح الثقيل ، وتعمل أحياناً كوسيط بين بعض فصائل الحشد الشعبي وفيلق القدس الايراني لاغراض تأمين توزيع الدعم الايراني على هذه الفصائل ؛ ويرتبط قائدها العامري بعلاقات قريبة مع قيادات الحرس الايراني وخاصة الجنرال قاسم سليماني اضافة الى ان العامري يعتبر من المقربين من المرشد خامنئي .
ينسب للمنظمة قيامها بعمليات تصفية واسعة لضباط الجيش العراقي السابق وخاصة القادة الذين شاركوا في الحرب العراقية الايرانية والطيارين العسكريين والعلماء وقيادات حزب البعث العربي الاشتراكي .
٣- عصائب أهل الحق : تأسست عام ٢٠٠٧ اثر انشقاق مؤسسيها الشيخ قيس الخزعلي والشيخ أكرم الكعبي بعد قرار الصدر تجميد نشاط جيش المهدي الذي رفضه المذكوران وأصبحت كياناً مستقلاً منذ ذلك التاريخ ؛ يبلغ تعداد العصائب ايضاً بضعة عشرات الآلاف وتعد ثاني اكبر تنظيم في الحشد بعد سرايا السلام . تمتلك العصائب تنظيم عسكري جيد ولديها خبرة قتالية اكتسبتها من العمليات التي شنتها لبعض الوقت ضد القوات الامريكية ، وقد شاركت العصائب في اغلب معارك الحشد المهمة ضد تنظيم الدولة في امرلي وبلد وجرف الصخر وتسليحها من النوع الخفيف والمتوسط والقليل من التسلّح الثقيل .

اتهم الصدر العصائب بكونها ترتكب جرائم طائفية ؛ والواقع انها تتلقى التمويل من ايران ويعرف عنها التشدد المذهبي والطائفي وكانت ضالعة بشكل كبير في العنف الطائفي الذي نشب في الأعوام ٦-٢٠٠٧ ، وتنسب لها عمليات تطهير طائفي في مناطق حزام بغداد وديالى كما تتهم بتنفيذ إعدامات خارج القانون بحق أهل السنة في مناطق تواجدها ؛ يرتبط قائدها الخزعلي بعلاقة وثيقة مع المالكي .

٤- حركة حزب الله النجباء : وتسمى ايضاً المقاومة الاسلامية وهي شظية انشقت عن عصائب أهل الحق عام ٢٠١٣ ويقودها الشيخ أكرم الكعبي ، شريك الخزعلي سابقاً في العصائب ، ولها قوة مقاتلة في سوريا باسم لواء عمار بن ياسر . تعرف بالتشدد المذهبي وولائها الشديد للمرشد الايراني الخامنئي . تسليحها جيد ومصدره إيراني .

٥- كتائب سيد الشهداء : انشقت عن كتائب حزب الله بالتزامن مع فتوى الجهاد الكفائي للسيد السيستاني ويبلغ عديدها ثلاثة الى اربعة الآف مقاتل ومناطق تواجدها في العمارة والناصرية والكاظمية .

٦- سرايا الجهاد والبناء تشكلت مع صدور فتوى السيستاني وترتبط تنظيمياً بحركة الجهاد والبناء التي ولدت اثر اندماج حركة حزب الله العراق مع حركة سيد الشهداء وحزب نهضة العراق اوائل عام ٢٠١١ ، وتدين السرايا بالولاء للسيد الخامنئي وقائدها هو حسن الساري احد قيادات المجلس الاسلامي الأعلى ولذلك يعتبرها البعض البديل العسكري لمنظمة بدر بالنسبة للمجلس الأعلى رغم تنوع ارتباطاتها السياسية السابقة كما لاحظنا ؛ يبلغ تعدادها حوالى ثلاثة آلاف مقاتل وقد شاركت في العديد من معارك الحشد ضد تنظيم الدولة .

٧- كتائب التيار الرسالي : تأسست بعد فتوى السيستاني وامينها العام هو النائب عدنان الشحماني الذي سبق له العمل في صفوف حزب الدعوة ثم التيار الصدري وجيش المهدي ثم انشق مؤسسات الكتائب ولديها حوالي ألفي مقاتل ؛ مرجعيتها الدينية هو السيد كاظم الحائري .

٨- سرايا الخراساني :تشكلت عام ٢٠١٣ كجناح عسكري لحزب الطليعة الاسلامي ويقدر عدد مقاتليها بثلاثة آلاف مقاتل وشاركت في العديد من المعارك وولائها للسيد الخامنئي .
٩- سرايا عاشوراء : تشكلت اثر فتوى السيستاني وتضم حوالى خمسة آلاف مقاتل . واغلب قياداتها من العناصر السابقة لمنظمة بدر .

١٠- سرايا العتبات : تشكلت بعد فتوى السيستاني تكرس نفسها أساساً لخدمة المقامات الدينية وحراستها ويبلغ تعدادها حوالى خمسة آلاف عنصر .

١١- جيش المختار : ويتزعمه الشيخ واثق البطاط وهو من اكثر فصائل الحشد اثارة للجدل بسبب العنف الطائفي الذي ينسب اليه وقد تأسس عام ٢٠١٠ وولاءه المعلن هو لخامنئي وصرح زعيمها بانه سيقاتل الى جانب ايران لو نشبت حرب بينها وبين العراق .وقد حاول هذا الفصيل التحرش بالمملكة العربية السعودية من خلال القصف الصاروخي للمخافر حدودية سعودية في شهر نوڤمبر/ ت٢ عام ٢٠١٣ . لايعرف عدد مقاتليه وقد أوصله البعض الى عشرات الآلاف .

١٢- كتائب حزب الله العراق : وهي كتائب سرية التشكيل وقيادتها غير معروفة ولاتنسق الا مع الايرانيين . تأسست عام ٢٠٠٧ ولديها عدد كبير من الأعضاء ولها بنية تنظيمية جيدة وقد شاركت في العديد من معارك الحشد ضد تنظيم الدولة . تعتمد بشكل كامل على الايرانيين في التمويل والتسليح .

١٣- لواء ابو فضل العباس : تنظيم تأسس عام ٢٠١١ اثر اندلاع الثورة السورية ويتزعمه الشيخ قاسم الطائفي ويقود فصيله الذي يقاتل في سوريا الشيخ علاء الكعبي ويبدو ان مصادر اللواء البشرية هي تنظيمات اخرى مثل عصائب أهل الحق وحزب الله العراق والتيار الصدري وبالتالي يمكن اعتبار هذا اللواء بنية تنظيمية تحالفية اكثر منه تنظيماً مستقلاً .

١٤- هنالك العديد من الفصائل الاخرى الصغيرة التي تبلغ العشرات وهي قليلة التأثير ازاء التنظيمات الرئيسية التي ذكرناها ، وبقدر ماتيسر من معلومات ، ومنها فيلق الوعد الصادق ولواء أسد الله الغالب وكتائب أنصار الحجة ولواء القارعة وسرايا الزهراء وسرايا أنصار العقيدة وكتائب الغضب وحركة الأبدال وكتائب درع الشيعة وحزب الله الثائرون ؛ توجد كذلك مجموعة كبيرة من التنظيمات المسلحة التي لاتحظى بموافقة الحكومة وقد أعلن العبادي انها تبلغ حوالى مائة تنظيم تجري ملاحقتها وإغلاق مقراتها .
لو صحت هذه المعلومات التي تيسرت لنا عن طريق المصادر المنشورة ، واغلب الظن انها صحيحة على الأقل من ناحية الصورة العامة وتحديد الأوزان ومصادر التمويل والتسليح .. مالذي يمكن استنتاجه في ضوء الحدث الاوسع الذي شكل عنوان هذه المقالة …..
(يتبع )

لا تعليقات

اترك رد