حول فكرة الدولة وإشْكاليّاتها في عالمنا العربي


 

لم يتمكن العربُ من القبضِ على المعنى العملي لمفردة الدولة الحديثة كظاهرة تاريخية لها تعابيرها المؤسسية المدنية الحقيقية، وشكلها السياسي الحديث القائم على البناء الديمقراطية والحرية الفردية والانتخابات الحرة وتعددية الأحزاب والتداول السلمي للسلطة بما يمنع الاحتكارية السياسية والتفرد بالسلطة والثروة..

هذا الموضوع هو –بطبيعة الحال- موضوع مهم وإشكالي، والدولة المطلوبة لإحداث التنمية المطلوبة، هي بلا شك (حيث ليس مهماً اسمها أو خلفياتها) هي الدولة المدنية المؤسسية، دولة القانون والعدل والمساواة، دولة فصل الديني عن السياسي.. دولة الخدمات والحقوق المصانة… الدولة الواقعية لا المثالية الأيديولوجية.. ومع وجود صعوبات كثيرة جداً في طريق تشكّلها وبنائها في عالمنا العربي، لكن بالإطار العام يمكن القول بأن النخب السياسية العربية –التي استلمت الحكم بعد عهود الاستقلال الشكلي، وكونت دولاً تحديثية قامت على منطق الغلبة وعقلية الهيمنة والاستئثار- لم تتمكن تلك النخب (كما قلنا) من إنجاز تلك الدولة رغم التنظير لها نخبوياً في مشاريع فكرية كثيرة، ولم تتمكن من ولوج طريق الحداثة بمعناه الحقيقي المرتكز على بنى مفاهيمية ثقافية بعد، بالرغم من كثرة ما اشتغلت وما قامت به تلك النخب –ومعظمها ذات امتدادات أمنية أو عسكري بحتة- من محاولات التحديث القسري القشري الفارغ التي أدخلوا فيها مجتمعاتهم وشعوبهم منذ أكثر من سبعين سنة في معسول الكلام والأوهام الوردية، ولم تنجح إلا بتكوين دول متشظية الانتماءات المذهبية والطائفية والجهوية، مغطاةً بحجاب بسيط من علمنة مستبدة فارغة من المضمون الحقيقي لفكرة الدولة المدنية، ولمعناها العملي القائم على الحرية والديمقراطية والتعددية السياسية والتنوع الثقافي..وو..الخ..

طبعاً وجود تلك الانتماءات التاريخية والجهوية والطائفية ليس مشكلة بحد ذاته عندما يتوفر مناخ تفاعلها الطبيعي مع بنى الدولة الحديثة، بل المشكلة تكمن أن تلك الانتماءات بقيت متجذّرة في لا وعي تلكم النخب التي حكمت واستحكمت، حيث سرعان ما كانت تلقي (تلك المجتمعات المقموعة وذات الانتماءات القبلية المتناحرة) حمولتها العفنة، وتتقيأ موروثاتها الفكرية الصراعية عند أي مفصل أو منعطف أو ظرف حرج كانت تمر به تلك المجتمعات، كما ظهرت لنا في المثل العراقي الذي احتلته أمريكا، بعدما قامت بكشف الغطاء (قسرياً لا طوعياً) عن الخصائص والمواصفات والطبائع الحقيقة التي يتقوّم بها وعليها المجتمع العراقي، والتي انفجرت إلى السطح، وتمظهرتْ في خلافات مذهبية وتناحرات وصدامات طائفية، وحالة الحرب الأهلية شبه الدائمة التي كانت تتنقل من مدينة إلى مدينة، ومن حي إلى آخر، ومن مسجد ومعبد وكنيس إلى آخر..

إنّ عدمَ اكتمالِ معايير الحداثة العقليّة في بلداننا هو ما أخّر حداثتها السياسية (كنتيجة للأولى) في بناء نموذجها المؤسسي المدني، خاصةً على مستوى عدم توفير بنية تحتية ثقافية لها، واقتصار الموضوع برمّته على محاولات تجريبية استهلاكية من هنا وهناك لنقل وشراء منتجات الحداثة الغربية ومختلف أدواتها وأشكالها فقط، دون الذهاب بعيداً إلى فهم وإدراك المعطى الثقافي والعمق الفلسفي وجدلية الأفكار التي رافقت التطور الغربي منذ بداياته الأولى، وكذلك دون حدوث أية مساجلات معرفية وشعورية وحفريات نقدية حقيقية جريئة في مجمل التراث الهائل من الأفكار التراثية والآداب والفنون والنصوص والوقائع والأحداث والتواريخ التي لا تزال تتحكم بمصائرنا ووجودنا، ومن دون أن يكون لنا أية مسؤولية أو دور في صنعها وإنتاجها..

نعم الفشل الذريع كان حليف نخبنا السياسية العربية في كل محاولاتهم لتطوير المجتمعات العربية وتحديثه عقلاً لا نقلاً، كما جرت الأمور للأسف من خلال تطعيم تلك المجتمعات بشيء من مظاهر الحداثة كما سلف القول.. ومن دون الدخول المباشر إلى جوهر الحقيقة الحداثوية وهو العقل والحرية.. بل بقي عنصر الاستبداد حاضراً بقوة في كل مظاهر وأنماط وأشكال التحديث القسرية التي تبنتها وأقامتها الدولة العربية الحديثة منذ حوالي سبعة عقود.. ومن المعلوم أن الاستبداد كما قال عنه الكواكبي هو أصل كل فساد، إذ يضغط على العقل فيفسده ، يلعب بالدين فيفسده، ويغالب المجد فيفسده، ويقيم مكانه “التمجُّد”.. فكيف لم ننتبه إلى أن الاستبداد أسّ الفساد، وهو الكلمة المفتاح لكل حياتنا العربية في هذه اللحظة..؟!!

واليوم بعد فشل ثورات الربيع العربي ومواجهتنا جميعاً لواقع سياسي واجتماعي عربي تقليدي عادت الناس فيه مرغمةً القهقرى، ولاذت بانتماءاتها ما قبل وطنية، يبدو الأمل ضعيفاً للغاية في المدى المنظور لبناء دول القانون والمؤسسات، دول العدل. دول الحقوق المدنية والتداول السلمي للسلطة..

إننا نعتقد، أنه ولكي نتمكن في داخل مجتمعاتنا العربية المأزومة اليوم (بهيمنة العصائب السياسية والفكرية الموروثة، من خلال تفكيك عراها وتحطيم مكوناتها، وضخ الأمل في نفوس الناس بحدوث تقدم عملي وصناعي مستقبلي لاحق، وليس مجرد قشور حداثية لا تغني ولا تسمن من جوع) فإن الأمر مرهون –ليس فقط بمدى قدرتنا الفكرية والعملية على الاستجابة الفاعلة لتطورات الحياة والزمن- وإنما مرهون أيضاً (وبشكل أساسي) إلى ضرورة إحداث تغييرات هائلة على صعيد الحكم والسلطة والمشاركة والحرية …الخ. لأننا لن نستفيد من أي تطور عملي يمكن أن توفره الحضارة الحديثة إلا إذا ساهمنا وشاركنا في إنتاجه وإبداعه، ومن باب أولى فهمه ووعيه.

ونحن لا يمكن أن نطور العلم وننتج منجزاته الحديثة مع وجود واتساع قاعدة عقلية القبيلة المتحكمة بوجودنا، والتي يعمل أصحابها على تدمير أي فرصة لربط –مجرد ربط- البلاد العربية بتيارات التقدم العلمي والتقني..

إننا نتصور أن غياب السياسة الصحيحة وغياب الإدارة السياسية الملتزمة هما تعبيران عن غياب المصلحة في الإصلاح لا غياب القدرة أو الإمكانية عليه. ومصدر ذلك هو أن المنطق المحرك لهذه النظم ليس النفع العام، ولكن الحفاظ على النظام، وعلى المصالح الخاصة التي تقف وراءه.

إننا نعتقد أنه عندما تفشل الدولة العربية الحديثة في كسب ثقة (ورضا وود) أفرادها ومواطنيها، ومدّ جسور التعاون معهم، والعمل المستمر على تحقيق مصالحهم وطموحاتهم وتطلعاتهم من خلال اعتماد مشروع استنهاض سياسي واجتماعي يعبر عن آمالهم وعن نسيجهم الحضاري، بما يحفزهم للمشاركة الشاملة في عملية التنمية الفردية والجماعية.. أقول: إن عدم تحقيق كل تلك الآمال التي تتناقض مع مصالح النخبة السياسية الحاكمة العامة على أهداف ذاتية معاكسة تماماً لأهداف الجماهير سيُحَوِّلُ هذه الدولة العربية (وقد تحولّت فعلياً) –عندما تعمل على ترسيخ شعاراتها ووجودها السلطوي العنفي العاري المغطّى بقناعات أيديولوجية دينية وعلمانية– إلى مجموعة إقطاعات ومزارع خاصة لها أفرادها وأزلامها الدائرين في فلكها، وسيبدد طاقات أبنائها، ويهدر ثرواتها، ويجعل عرضة للتفكك والتفسخ السياسي والاجتماعي..

شارك
المقال السابقأنشودة أخرى للمطر
المقال التالىحفتر والروس.. قصة عشق وتناغم
نبيل علي صالح مفكر سوري من مواليد سوريا/اللاذقية 1969م حاصل على إجازة (بكالوريوس) في هندسة الطاقة الكهربائية.. باحث وكاتب مهتم بشؤون الثقافة العربية والإسلامية، يشتغل على قضايا النقد والمعرفة الإسلامية والفكر الفلسفي، وقضايا التجديد الديني. ينشر مقالاته وبحوثه في كثير من الصحف والمجلات والدوريات ال....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد