قراءة بين سطور قانون الحشد


 

أُقر قانون الحشد الشعبي على قاعدة التغالب بين الفرقاء السياسيين ليثبت أزمة الثقة المزمنة بينهم منذ تأسيس العملية السياسية والى هذا اليوم ، وليؤكدوا ان المصالح الفئوية والحزبية هي التي تحكم عملية الشراكة السلطوية  وليس مصلحة المكونات  او الوطن، فقد اتفق الجميع معارضون ومؤيدون  على القانون من حيث المبدأ  ولكنهم اختلفوا عليه من حيث  الشكل ، ولم يرفض القانون بالأصل ، فكل بيانات الكتل المعترضة أقرت بجدوى إقراره  لحفظ حقوق المقاتلين والشهداء والجرحى والمعوقين المضحين وهذه ابسط الحقوق التي يجب ان تحفظ لهم ، الا انهم اختلفوا في نسب التمثيل  والمناصب ، ففي الاجتماع الأخير  لاتحاد القوى  الذي سبق إقرار القانون  في بيت السيد محمود المشهداني  حددت نسب المشاركة التي اقترحوها   40%  للسُنة و60% للشيعة  وان يكون نائب رئيس الهيئة سُني والرئيس شيعي وقائد الأركان سُني ونائبه شيعي   بالاضافة الى ان هناك عشرة هيئات. سته للشيعة وأربعة للسنه، وربط القانون وقبوله بمبادرة التسوية ، وهنا يظهر لنا طريقة المساومة والمقايضة البعيدة عن الوطن، فقد كشف إقرار القانون ان مفردات التسوية والمصالحة والشراكة الوطنية مصطلحات لا مصداقية لها في اجواء التغالب السياسي وغياب المصلحة الوطنية وحسن النية بالحد الأدنى  ، وكأنهم يطبقون قاعدة انت متهم حتى تثبت العكس ، ورغم تصويت 209 نائب على القانون من أصل 239 نائب حاضر وهي نسبة كبيرة تقارب الإجماع في التصويت الا ان القاعدة ظلت سارية المفعول ، يعكس هذا الجو ان هناك خلل كبير في البناء البنيوي في العقل السياسي العراقي، وان سقوف الاختلاف غير محددة بمحددات وطنية،الكل يشيد بـ تضحيات الحشد وإنجازاته البطولية ووقوفه بوجه داعش كمعادل موضوعي قوي الا انه محل خلاف في بعض النقاط أهمها اتهامه بانه  من لون  طائفي واحد أي شيعي، ورغم ان الحشد يضم 39 فصيل سني ويمثل ما مجموعه  30000 مقاتل حسب تصريحات مسؤولون عن هذه المجاميع . وكذلك يضم فصيل بابلون المسيحي وفصيل للتركمان والكرد الفيلية وغيرهم

ويوجه للحشد بانه مدعوم إيرانيا ً ،  فلا احد ينكر بان بعض المجاميع المنضوية تحت لواء الحشد مدعومة من ايران وهذه الفصائل موجودة قبل تشكيل الحشد الشعبي ، ثم انضمت بعد اعلان تشكيل الحشد، اي لم تكن تسمى بمسمى الحشد و ولم تأخذ صيغتها التي هي عليها الان الا بعد اعلان الفتوى ، فليس  من الموضوعية  ان يوصم الحشد بانه  إيراني كما يوصف بانه شيعي فقط ، وما صرح بذلك  الكولونيل كريس غارفر المتحدث باسم الجيش الامريكي  في العراق يؤكد هذه الرؤية حيث قال ان هناك الكثير من المقاتلين الذين لا يرتبطون الا بالحكومة العراقية ، فعلى صحة القائلين بالدعم الإيراني فهل من المنطقي ان يترك الحشد أو ام تجهض هذه التجربة   ونظلم مجاميع كبيره منه بهذه الحجة .  والأكثر غرابة بأن المعترضين عليه كاتحاد القوى والقائمة العراقية وكتلة الحل وبعض أعضاء  الحزب الديمقراطي الكردستاني لم يذكروا هذه النقطة بل ركزوا على نقاط اخرى ، وبعد إقراره بدأت هذه التصريحات واختزلت كل الإيجابيات بالدعم الإيراني  .

  نقطة اخرى الحشد يقاتل داعش فليس هناك منطقة وسطى بين الحشد وداعش لذا اضطر البعض بان يجامل  ويشيد بالحشد رغم عدم قناعته به وهذا نفاق سياسي واضح يراد من ورائه مصالح  شخصية وفئوية ، ولان نهاية معركة الموصل على الأبواب وبات النصر محسومات للوطن  تغيرت كل التصريحات والبيانات فبمراجعة بسيطة لخطاب بعض الفضائيات المحسوبة على المعترضين و لتصريحات من أشاد بالحشد  قبل إقرار القانون وأثناء فترة المناقشة يتبين ان الرفض  والاعتراض سياسي. وليس  مبدأي، والغرض منه الصعود بالقاطرة الاخيرة  كي لا يرحل القطار.
الحشد منجز عراقي ومقاتلوه عراقيون ويضم في صفوفه كل الوان الطيف العراقي وهذا المنجز جاء نتيجة التضحيات والدماء والمعاناة ، لماذا يحاول البعض ان يسلخ عنه الوطنية ، وهو تجربة فتية  تكتنفها بعض الأخطاء والهفوات وهذا طبيعي بكل عمل وخصوصا ان الظروف التي نشأ بها لم تكن طبيعية ،  
ومن ناحية أخرى وبقراءة موضوعية  للقانون  يظهر ومن خلال مواده ان هناك نقطة مهمة وإيجابية وهي حظر العمل السياسي على قادة ومقاتلي الحشد ، وارتباطه بالقائد العام للقوات المسلحة حدد من صلاحيات الفصائل ، كما وحد تسمياتهم وهذه نقطة تقطع الطريق على الفوضى التي عمت مرحلة التأسيس.  ولابد من الإشارة ان  الحشد الشعبي واقع حال ويجب ان يعامل كأمر واقع  ففصائل  الحشد كثيرة  كل  فصيل يتبع لقائده وهذه نقطة  سلبية وخطرة في مرحلة ما بعد المعركة والانتهاء من داعش ،  ربما ستحدث تقاطعات  تؤدي الى صدام مسلح نفقد معها أرواح وممتلكات ، فمثلما حصل بين حزب الله وحركة امل في العام 1988م وهناك أمثلة كثيرة على ذلك، كان لابد من تدارك الامر وتوحيد الحشد كهيئة تتبع للحكومة وتأتينا وفقاً لأوامرها.   
يبقى ان نقول ان لا ضمانات لتطبيق هذا القانون والالتزام ببنوده ومن حق المعترضين ان يتخوفوا ، في ظل انعدام الثقة التي تحدثنا عنها ، وعلى المؤيدين للقانون. ان يثبتوا حسن النوايا وان يطمئنوا جمهور المعترضين اما بشأن الاخوة الكرد ( مجموعة البرزاني )  الذين عارضوا القانون فلهم رؤيتهم الخاصة والتي لا علاقة لها برؤية اتحاد القوى والقوى الاخرى ، فـ اعتراضهم جاء بناء على ظهور قوة جديدة توازي قوات البيشمرگة وتشكل خطرا عليها كما صرحوا بذلك مراراً ، ولعل بعض التصريحات التي خرجت من الجانبين إبان أزمة طوزخرماتو توضح ذلك .

فنحن بحاجة الى لخلاف احيانا لمعرفة ما يخفيه الآخرون في قلوبهم قد تجد ما يجعلك في ذهول وقد تجد ما تنحني له احتراما ….( شكسبير)  

لا تعليقات

اترك رد