التشكيلية نعيمة الملكاوي

 

بمناسبة اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة تم عرض لوحات الفنانة التشكيلية المغربية (نعيمة الملكاوي) في شوارع مدينة مو (MEAUX) الفرنسية في إطار التحسيس بهذه الظاهرة، مما يعتبر مكسبا فنيا لتجربة هذه الفنانة المغتربة، واعترافا غربيا بتجربتها القيمة في الفنون التشكيلية في علاقتها بمواضيع تتعلق بواقع المجتمع الغربي. كما أقيم لها في نفس المدينة مؤخرا معرضا تشكيليا تحت عنوان “أنشودة الممكن”، تلامس من خلاله تعايش الأضداد والمتناقضات في بوتقة الطبيعة، ضم منحوتات ولوحات تشكيلية تناولت ملامح وجوه وحالات إنسانية نفسية تجسيدا لفلسفة الاختلاف، والتضاد من منطلق التقابل وليس التنازع. وتتميز معارض الملكاوي بمواضيع الطبيعة الانسانية في جدليتها الثنائية للحياة والموت، والتعبير فنيا عن مواضيع فلسفية للوجود والتعددية والحرية والآخر

19c2b18b-ced9-4fdb-8f82-39e610795345

يشار إلى أن نعيمة الملكاوي تعد من أبرز الفنانين التشكيليين المغاربة، انطلقت في بداية تجربتها من المدرسة الواقعية، مروراً بالطبيعة الميتة ثم التجريدية والتعبيرية فالسريالية، لتلج إلى مجال التجريب في إطار بحثها الدائم عن أفق إبداعي متجدد باستمرار، وكان من تمراته فتح حوار بين النص الشعري والعمل الفني، أفرز حقائب فنية جمعتها بالشاعرة المغربية فتيحة النحو عبر إصدارين.

حظيت الفنانة التشكيلية نعيمة الملكاوي بدرع تكريم بالأوبرا لا كوميدي بمونبولي الفرنسية بمناسبة اليوم العالمي للمرأة الذي نظمته جمعية (سمايلي) تتويجا لمسارها الفني في المغرب وفي فرنسا. وفي نفس اليوم حازت على جائزة في المسابقة الفنية “سيميز” (ِConcours des Cimaises)عام 2014 التي ينظمها غوستاف كوربيه التابع لوزارة الثقافة الفرنسية بمنطقة بالاس بمنبولي سنويا للفنانين الذين عرضوا خلال العام، حيث يشارك كل فنان بلوحة أو لوحتين، وتعرض في الرواق أمام لجنة تتكون من مهنيين وشخصيات لاختيار الفائزين، وكانت الملكاوي المغربية والإفريقية والعربية الوحيدة من بين المشاركين الفائزين.

13422474_10208154240085493_1888832268495099206_o

توحي لوحاتها بحالات الانتفاض ومحاولة التحرر من قماط المجتمع من أجل تكسير قيوده الفكرية والاجتماعية، وترمز إلى الانعتاق من الأساليب النمطية في التشكيل المغربي، وتجسد الواقع على لوحاتها بالانغماس في في أغوار الذات ورسم شرفات بوهيمية تطل على أفق الآخر في علاقة مسكونة بالكمون الثقافي والمشبعة باحتمالات الحياة، وانعطافة الموت في دهاليز فلسفة اللون وانبعاث الفرشاة، تجسد من خلالها الذات الغارقة في وحل التساؤلات، والفكرة المزهرة في حدائق الأمل، والآخر المحاصر بكنه الأشياء وإغراءاتها، ثم العالم الذي تحاصره الفنانة التشكيلية من منطلق تصورها وموقفها داخل إطار اللوحة.

انفتحت نعيمة الملكاوي على الآخر في مجتمعها المغربي في بداية تجربتها الفنية، لتتسع هذه التجربة وتكبر، وتنفتح على الآخر/ الغرب بعد هجرتها إلى فرنسا، حيث استطاعت أن تكسب رهان الانفتاح التشكيلي الحداثي على مجتمع طالما كان ينظر إلى التشكيل المغربي كبطاقات بريدية لأشكال نمطية اعتادوها عند بعض التشكيليين الذين كانوا يصورون الواقع وينقلونه كما هو معتمدين على مواضيع تثير الغرب. لكن الملكاوي استطاعت أن تزحزح هذا المفهوم، وبحكم ثقافتها غيرت نظرة الآخر إلى التشكيل المغربي من خلال لوحاتها التشكيلية الحداثية التعبيرية الملامسة للسوريالية، والأقرب إلى الواقعية، كما استطاعت أن تعرض لوحاتها إلى جانب تشكيليين أوربيين، وتوغلت في صالوناتهم الفنية ومحاورتهم ومناقشتهم في مفاهيم التشكيل، وحصلت بذلك على جائزة………………………………….

10417471_10205230548835039_6835093373989023623_n

هاجسها الأساسي الاستمرار في التعبير باللون والحركة الموحية للجسد، وأن تظل الفرشاة جسرا إلى عالم الألوان والتخييل التشكيلي الواقعي يحضر الشعر بقوة في عالم نعيمة التخييلي والتجريدي، وكانت معرفتي الأولى بالملكاوي عن طريق الشعر في أحد الملتقيات الشعرية التي كانت تنظم معارض تشكيلية إلى جانب أمسيات الشعر، في نهاية تسعينيات القرن الماضي، بل إنها كانت تنشر صور للوحاتها بالأبيض والأسود إلى جانب قصائد الشعراء في الصفحات الثقافية، واحتكت بتجاربهم، وعلت لوحاتها أغلفة دواوين شعرية عديدة، كما شاركت بصور لوحاتها التشكيلية في إصدار ديوان شعري مع الشاعرة فتيحة النوحو، توجت علاقتها بالشعر والشعراء بإصدار ديوان باللهجة العامية المغربية بعنوان ” لون الظلام ” الصادر حديثا عن دار التوحيدي للنشر والتوزيع، يقول عنه الناقد والشاعر مراد القادري “إنه ديوان كتب من موقع الفنانة التشكيلية التي تحتفي بالألوان، وعبرها تسبرُ غور الصور الفنية والجمالية، لتنقلها إلى كلمات تطرز بها عتمة الظلام. موقعٌ مختلف ومغاير للتجارب الزجلية التي انطلقت سابقا في المشهد الشعري المغربي”.

وعُرف عن الملكاوي بشخصيتها الهادئة في الحوار وتعطشها للحوار وتبادل الفكار حول الفن والأدب والإبداع بصفة عامة، وإلمامها بثقافة الغرب. لقيت تجربتها التشكيلية في الوسط الغربي اهتماما كبيرا بحكم أن جميع فئات المجتمع العمرية يتسمون بثقافة تشكيلية تدفعهم لزيارة المعارض المنظمة في فرنسا، وكانت فرصة لها لفتح نقاشات معهم وتبادل الأفكار وتجيب عن تساؤلاتهم وتصحح نظرتهم إلى الفن التشكيلي المغربي، لنها تعتبر ان الفنان يحيا بالفن، وهذا الفن يموت بمجرد ما يكون الهدف منه هو كسب لقمة العيش، حيث يغدو صنعة وتجارة يخضع للعرض والطلب في السوق.
13340297_10208154238405451_3556875741434884817_o

يتراكم حضور الجسد الأنثوي المتحرك في لوحات الملكاوي حاملا زخما من الدلالات الإجتماعية والدينية المتوترة، وهو جسد متوثب/ متحرك/ راقص غير خامل، وهو كيان معقد تجعله الفرشاة المغمسة في ألوان التجريد ينفلت من رخام الواقع، ويتجسد على سوريالية مرآة التوقع والمراهنة على التحرر، واعتنقت تيمة جسدية خاصة بها. يكفي أن ترى لوحة واحدة لتتعرف على باقي لوحاتها الأخرى من خلال أسلوبها الخاص بها والذي يميزها عن باقي التشكيليين من جيلها، وتقول في إحدى حواراتها:”الجسد كبناء هو الخدعة البصرية في عملي إن صح التعبير، ما يسائلني في العمق هو أصل الكائنات الحية، وطبيعتها سواء كانت آدمية أو نباتية، فالخلق أصله طين، والطين عبارة عن تربة تزاوج بين اللزوجة والصلابة، ويخيل لي التربة كأنثى، لأنها خصبة ومانحة للحياة، لذا أستعير الجسد الأنثوي للإحتفاء بعظمة الخلق المتمثلة في الطبيعة والتي يمثل الإنسان جزءا منها

تميزت بداية تجربتها بأعمال تجسد واقع الناس البسطاء في استكانتهم وانغمارهم في المعيش اليومي، ونقل حالات إنسانية مختلفة تجمع بين الحزن والاستكانة والتأمل وتصوير حالات القهر والحزن، لتتطور تجربتها وتتبلور نظرتها إلى الحياة وتصقل تجربتها التشكيلية وتعتمد الجسد كتيمة أساسية للوحاتها تزرع فيه الروح الأنثوية المنفلتة من واقع ضبابي إلى التجريد المرئي. وفي فترة من تجربتها تمردت تقنيا على إطار اللوحة المستطيل أو المربع، وتنهمك في حصر فضاء تخييلها التشكيلي في لوحات دائرية استلهمتها من آلات موسيقية تقليدية مثل “الدف” لما لهذه الآلات من رمزية ودلالة تراثية في المجتمع المغربي في علاقتها بحركات الجسد الراقصة.

13417407_1063047240436681_3979609944193210045_n

وأجساد نعيمة الملكاوي هي غالبا أنثوية متشعبة ومتفرعة تماهيا مع أغصان الأشجار، وهي إما مقيدة أو مقطوعة الأيدي دلالة على الاستسلام، وإما طويلة دلالة على الانطلاق والانعتاق، وحسب الفنانة التشكيلية فهذا نابع من زيارتها للأضرحة محاولة منها رصد أحاسيس وتعابير الناس الذين يأمونها وينغمسون مع طقوس الرقص والحركات اللاإرادية والخارجة عن تحكم الفرد وهي في حالة تصوف وانتشاء لتستخلص أن هذه الحالة قريبة من حالة الإلهام. والجسد الذي يبدو في حالة تخبط واندفاع دلالة على تحدي ضغوطات ومكبوتات المجتمع المتخبط في ضبابية الجهل. وهي أشكال تحاكي الأسطورة حاولة منها لإعادة تجسيدها بمنظور مغربي.

14520361_1669208270074475_561114174244603068_n

لا تعليقات

اترك رد