عندما تتطاير الأوراق، وتسقط المعرفة


 

في مشهد ليس غريبا على المؤسسات التربوية في تونس، وفي نهاية شهر ماي وبدايات شهر جوان، تمتلئ الشوارع والساحات المحيطة بالمؤسسة التربوية بأوراق تذروها الرياح، إنها بعض كراسات التلاميذ وبعض كتبهم في احتفالية سنوية طقوسها التمزيق تؤذن بنهاية السنة الدراسية، وبانتهاء صلوحية المعرفة. لقد أدت تلك الكراسات وتلك الكتب مهمتها بعد أن أُُخضع التلميذ للاختبارات الجزائية، حدثُ التمزيق إذن، هو الإعلان الرسمي لبداية العطلة .
مشهد الأوراق تتطاير، خاصة إن تم ّ إسقاطها من علٍ، يختزل ذلك التصور النفعي للمعرفة في أذهان التلاميذ، وهو أنّ ما يدرُسونه يصلح فقط للامتحان ،والامتحان قد تم، فلا بقاء إذن لكتب ولا لكرّاسات ..
كم من الليالي سهرها المربّون ينجزون تلك الدروس، يجمعون شتات المعرفة من هنا وهناك ، ويتوسّلون بكتبهم المدرسية ، ومراجعهم ، وبالانترنت أحيانا ليقدموا لأولئك التلاميذ ما يسدّ رمقهم المعرفي ، وما يسهم في بناء شخصياتهم ، وتوسيع نظرتهم للعالم … كم من الليالي انكبّوا على إصلاح أوراقهم ليقيموا تعثراتهم ويمكّنوهم من أداء أفضل، لا ينفعهم في المدرسة فقط، بل في الحياة أيضا. كل ذلك ينتهي مع مشهد التمزيق الذي يختزل إحدى أهم كوارث التربية والتعليم، إنه الهدر، والمعرفة التي تذهب هباء.
فليس الكراس والكتاب معنيــّين في ذاتهما، ولكن مشهد التمزيق يحمل دلالة تجاه المحمول وهو المعرفة، وباعتبار المعرفة تجريدية، يتم تسليط العدوانية عليها من خلال حاملها وهو الكتاب والكراس في تلك الحركة العنيفة، وكأن التلميذ ينتقم لليالي السهر والتعب ومذاكرة الدروس في موادّ هو غالبا عازف عنها ولا يأتيها إلا قسرا.و بعيدا عن رمي الكرة هنا وهناك، وعن المسؤول عن هذه المآلات، أتذكر أن الأجيال السابقة ممن ارتادت المدارس، كانت تحتفظ بركام من كتبها القديمة وحتى كراساتها، ربما لأن العالم الورقي الذي انتمينا إليه سابقا، كان يحفظ المعرفة في الأوراق، ولأننا نخاف أن يضيع شئ منها، نحتفظ بأدواتها وهي الكتب والكراسات، وقد يكون هذا الخوف غير مبرّر بالنسبة إلى الجيل الجديد الذي يعرف جيدا أنه بضغطة زر، ستوفر له الانترنت أي معلومة شاء، فلا موجب إذن للخوف على المعرفة من الضياع . ولكن الأمر أبعد خطرا من أن يكون مجرد فارق بين الجيلين نختصره في العالم الورقي والعالم الافتراضي، الأمر يتعلق بالمعرفة ذاتها، وبمكانتها في النفوس خاصة أن تلك المعرفة المدرّسة تختلف عن نظيراتها على شبكة الأنترنت ولا بديل لها . لقد أُُنجزت بنكهة الفصل،وذكرياته، وعلاقاته الحميمة والمرتبكة على حد سواء بين المدرس والتلاميذ، وبإسهام هذا وذاك .
ومع هذا، وحتى لا نغرق في القتامة ، يمكننا مع بعض التفاؤل أن نستنجد بقولة أنشتاين ” الثقافة هي ما يبقى بعد أن تنسى كل ما تعلمته في المدرسة ” فربما نجد فيها ما يجعلنا نقول أن الثقافة والمعرفة ليستا رهينة الكراسات والكتب والتلقي المدرسي ، لكن واقع الحال ، أن العزوف عنها مرئي ّ ومقيس يتواصل أثره حتى مع الجامعة وما بعدها .
لم َ فقدت المعرفة إذن قدرتها على الاستقطاب وعلى أن تكون مشروعا حياتيا وإنسانياّ يشد التلاميذ إليه ؟
المؤسسة التربوية لا تعيش بمعزل عن الإطار العام الحاضن وهو البلد والدولة، و لا تعيش بمنأى عن العالم ، وتحوّلاته، وتأثيراته .ومهما كانت درجة إخفاق المنظومة التربوية في ” عطف القلوب على القيم ” وجعل التلميذ يحب المعرفة ، فإن روافد العالم الخارجي لها دور كبير في هذا التحول أيضا، هذا العالم الذي تتساقط فيه القيم تباعا، الواحدة تلو الأخرى، تتزاوج فيه السلطة والمال، يحوز فيه رجالاتٌ المناصبَ العليا والثروات الضخمة دون أن يكون لهم أي ّتكوين يــُذكر، ولا كفاءة تــُذكر، ولا تحصيل علمي يــُذكر …في هذا العالم تجد المعرفة صعوبة في تقديم ذاتها مشروعا للحياة . هذا العالم يقدم للتلاميذ المعايير المنحرفة والتي تجعل إقبالهم على الدرس كًرها لا رغبة، ولو وجدوا للحياة مسلكا آخر أشد اختصارا وأشد اختزالا من الدراسة لسلكوه ، بدليل أن بعضهم في تونس ممن تنقطع بهم سبل الدراسة ، يقذفون بأنفسهم في البحر في رحلات نحو المجهول ، قد تفضي بهم إلى شواطئ أخرى وقد لا تفضي .
والمؤسسة التربوية مع هذا المشهد، باكتظاظ الصفوف فيها، وبمحدودية مواردها ، وبمشاكلها الداخلية ،وببعض برامجها التي تقادمت واستــُهلكت وتحولت إلى ما يشبه الجثة الهامدة ، تجهــَد لــتحيا ،و لتخرّج جيلا تأبى كل رياح العالم إلا أن تقذف به هنا وهناك.
لن ألوم هذا الجيل كدأب الكبار دوما، فالمسألة أعقد من أن أجعلها مجرد اختلاف في النظرة بين جيلين، ولكنني عندما أفكر في أمر التربية يحضرني قول نزار قباني مع اختلاف السياق ” من أين أدخل في القصيدة يا ترى ؟ ” هل نصلح التربية ليصلح العالم، أو علينا أن نبدأ في إصلاح العالم لتصلح التربية .
وللحديث تتمّة …..

لا تعليقات

اترك رد