“مغني ” فلسطين


 

كان أمين الحسيني مفتي القدس في العشرينات من القرن الماضي من أوائل الذين واجهوا الخطط الصهيونية في الاستيطان وسلب الوطن الفلسطيني، إذ قاوم بضراوة وبكل الإشكال هذه الخطط الاستيطانية العدوانية، وهو أول من اشار الى الطريق للكفاح المسلح وشكل مجموعات مسلحة للمقاومة…فضلا عن كونه من أهم الفاعلين على الأرض الفلسطينية وقتها ومن الشخصيات التي برزت على المستوى العربي والإقليمي …وقد تبوأ الحسيني عدة مهام ومناصب منها قيادة لجنة إعادة الأعمار وترميم المسجد الأقصى وقبة الصخرة…وبغياب الأموال تحت يد اللجنة قصد الحسيني العديد من البلدان العربية ، إذ اضطرته هذه الظروف لإطلاق حملة تبرع على مستوى الوطن العربي، فتوجه مع أحد أعوانه إلى العديد من الدول العربية ومنها مدينة الأهواز التي كانت حينها تعد مدينة عربية لها صلات وثيقة بالبصرة والعراق ويحكمها الشيخ خزعل الكعبي …وكان الحسيني يحمل رسالة من البلاط الملكي العراقي …وشاءت الصدف ان يكون سليمان فيضي الذي كان معتمدا ومستشارا لدى الشيخ خزعل في البصرة لقضاء أيام العيد …سأل عنه الحسيني دون جدوى فلما عرف انه في سفر اضطر حينذاك أن يطلب مقابلة الشيخ بنفسه ..ودخل قصر الشيخ وموقع حكومته متأملا مقابلة الشيخ خزعل ..ولكن الشيخ كان يتصرف كالملوك وليس من السهل الدخول عليه مباشرة فوضع عددا من الحجاب والموظفين الذين يديرون أعمال مملكته الصغيرة ..حيث أن تنصيب ملكا على العراق أيقظ نزعة الملوكية لدى العديد من الذين يعتقدون أنهم أجدر بمملكة العراق كطالب النقيب والشيخ خزعل وآل السعدون و الخيون وهو ايضا وغيرهم..وكان الشيخ خزعل من ابرز هؤلاء بسبب سعة نفوذه وسيطرته المطلقة على الاهواز وباقي المدن العربية الواقعة ضمن التاج الشاهنشاهي….وعلى هذا النحو أحاطوا أنفسهم بالكثير من المظاهر التي تعزز مراكزهم وتشير لقوة وسعة ملكهم …وكان من المستحيل أن يرى أي كان ومهما على مركزه الشيخ خزعل دون المرور على احد موظفيه الذي كان بمثابة الحاجب الأول أو مدير المكتب بلغة هذه الأيام ..والذي كان مدمنا على تعاطي الحشيش او الأفيون ..وكان من النادر أو ليس من السهل ان تراه بكامل وعيه وحاضر لياقته ..بادر هذا المفتي بالسؤال عن هويته وقرأها ودسها في جيبه متظاهرا بأنه فهم هوية الرجل تماما..ثم انطلق إلى الشيخ وهو يحاول ترتيب هيئته والمشي بخطى واثقة وبزهو لا يغادره ..وقف أمام الشيخ المهيب كالتمثال وقال بصوت اقرب إلى الهمس
– سيدي هناك رجل جاء من فلسطين ويدعي انه مغني فلسطين يريد مقابلتك

– فقال له الشيخ محتدا بلغ هذا المغني أننا تركنا الطرب وهجرنا المطربات والغانيات منذ زمن بعيد، ثم استدرك اذهب وأدفع له 1000 روبية واعتذر عن المقابلة

رجع الحشاش مستبشرا ولكن بخطى غير واثقة وقال للمفتي خذ هذه 1000 روبية ويقول الشيخ انه هحر الغناء والطرب وكل ما يغضب الله…..فاستشاط المفتي غضبا وألقى بالمبلغ على الأرض وهو يسب ويشتم وبالكاد سيطر على غضبه قائلا أيها القوم ما جئنا متسولين.

وغادر القصر مع رفيقه مسرعين يتعثران بغضبهما وخيبة أملهما ..وقد خلفت هذه الزيارة في روح الشيخ جرحا غائرا ..لم يستطع سليمان فيضي أن يمسح بعض آثاره حينما التقيا في البصرة بعد حين.. ظل الشيخ منزعجا ومتبرما ينام ويصحو مع جرح كرامته ..وسلم مظروفا الى سليمان فيضي وكان مذيلا بتوقيع رستم حيدر رئيس الديوان الملكي ..ولما فتحه وجد كتابا من الملك فيصل موجه الى الشيخ خزعل يرجو فيه أن يحظى مفتي فلسطين ومن معه بمعونته وعطفه …فشعر فيضي بضيق شديد وتعاطف بلا حدود مع المفتي …وحاول تطييب خاطره بدفق من الكلام الجميل والثناء العطر …وقال لنفسه أكيد أن هناك سوء فهم ولو عرف الشيخ بشخصيته الحقيقية وعرف مكانته لكان الأمر مختلفا بل لاحتفى بمقدمه وأكرمه…وأكد ثانية – أكيد ان في الأمر التباس وانه لا يعدو سوء فهم …وعاد سليمان فيضي إلى الأهواز وقدم للشيخ رسالة الملك فيصل وأبدى فيضي استغرابه من تلك المقابلة
فتألم الشيخ خزعل جدا وراح يكيل اللوم ويتوعد الموظف المدمن ..وقال وهو يصفق اليد بالأخرى أسفا

– هل تصدق اني اقابل هذا الرجل المحترم الكبير بهذا القدر المشين من الاستخفاف والإهمال لو كنت عالما بحقيقته…لعن الله الحشيش والأفيون وكل ما يذهب بالعقل ويدخل الإنسان في غياهب اللاوعي ..وتدارك الشيخ الأمر وأعطى فيضي 9000 آلاف روبية لإرسالها إلى المفتي ..فضلا عن ذلك كلفه بكتابة رسالة اعتذار عن لسانه وكتابا وديا للملك وآخر إلى الشيخ مبارك الصباح شيخ الكويت يحثه فيها على مساعدة المفتي الذي ضنه مغنيا بسبب حاجبه المسطول

لا تعليقات

اترك رد