سينما أطلس

 

أمس، حين مررت من أمام سينما أطلس في شارع السعدون، أحسست أن المكان يفتح ذاكرة شهية تنجذب الى تكثيف صور محمية، ونبض ذكريات يسكن في الخيال، يرفض النسيان رغم اختلاف المعالم أو ضياعها.
المكان يضيع في التساؤل لكنه يعطي دليلا ملموسا على انه مسكون رغم تغير الزمن. أنه مكان الصورة التي لا تبارح على الانزياح طالما كانت هنا حياة يوما ما.

ربما مكان هذه السينما الذي يتوسط شارع السعدون بتلك الواجهة الجميلة واللوحة الخشبية العريضة التي تعرض عليها مانشيتات الأفلام دليل واضح على لهفة اللقاءات بين الأصدقاء، وتحديداً في كازينو “الموعد” الملاصقة لباب السينما التي كانت نقطة دالة للمواعيد والجلوس فيها.

وربما جودة الأفلام التي تعرض على شاشتها، لذلك تعد سينما أطلس من أجمل سينمات بغداد، وذاكرة مدينة، وصرح عمراني باذخ خصوصاً في هندستها على شكل قلعة بجوانب دائرية خلفية على سقف مقوس تتوسطها من الأعلى فوهة على شكل مدخنة لخروج الهواء الساخن من داخل بنايتها الواسعة، والتي تتكون من طابقين ومسقفا بالزجاج الملون ودرجين بمدخلين يحتويان على كافتريا ومطعم وقاعة للانتظار، فضلا عن تميزها بالمقاعد الحمراء مع وجود أمكنة خاصة تسمى “لوج”.

هذا عندما كانت مقدمة السينما مغلقة، لكن التغيير الذي حدث لها في منتصف التسعينات كان في رفع نصف واجهات الأمامية والاستعاضة عنه بفضاء مفتوح على شكل مسقف عريض تتخلله لوحات زجاجية لعرض صور الأفلام مع لوحتين أماميتين لعرض برامج العروض.

افتتحتْ سينما أطلس عام 1967 بالفيلم الهندي “الجسدان” أو ” دوبدن” من تمثيل الممثل”مانوج كومار” و ” أشا باريخ” والممثل الكبير “بران باجان” وقد لاقى الفيلم نجاحاً منقطع النظير، لقصته التي تتحدث عن تضحية المحبوب ومكابدات العاشقة، وروعة الإحساس في أغانيه التي أداها ولحنها مطرب الهند ” محمد رفيع” وأستمر العرض لعدة أشهر.
وأخر فيلم عرض على شاشتها كان بعنوان ” عمارة يعقوبيان” بعدها انتكست السينما كحال باقي السينمات في بغداد، وصارت تعرض أفلام رديئة لم تصل الى مستوى الذوق العام، ولم تفيد كل المغريات في إعادتها الى سابق عهدها حتى في مشاهدة ثلاثة أفلام في بطاقة واحدة، وذلك لعزوف الرواد عن ارتياد دور السينما، فضلا عن الوضع الأمني المتردي، وانقطاع التيار الكهربائي، ورغم محاولات تحويلها الى مسرح يعرض مسرحيات تجارية في مناسبات الأعياد، لكن هذه المحاولة باءت بالفشل أيضاً.
وفي عام 2015 تحولت السينما الى مخازن ومحلات تجارية لبيع مواد الديكور وقطعتْ واجهاتها الأمامية والجانبية فضاعت كل ملامحها.
أمس، ومن أمام سينما أطلس رسمتْ في ذهني صور العوائل التي كانت تلتقي لمشاهدة الأفلام العربية والأجنبية في تقليد عراقي عائلي متميز يوم كانت السينما ثقافة شعبية تشكل حضوراً فاعلاً في الوعي الاجتماعي على نحو إنساني رسم ملمحاً بارزاً في الثقافة العامة، ولم يبق أمامي غير حسرة تجر دمعة على زمن مضى دون رجعة.

1 تعليقك

  1. Avatar جمال حسين مسلم

    كلامك يقطع في احشائي ,كلما قرات سطرا ازددت حزنا على بغداد

اترك رد