كاسترو في (ربذة) لاتينية!


 

مات كاسترو …..! هكذا امتلأت شاشات الفضائيات بالخبر العاجل يوم السبت 26-11-2016 وبموته انطوت اخر صفحات اليسار الثوري، الذي شغل قلوب وعقول الملايين من اجيال مابعد الحرب العالمية الثانية، وهي المرحلة التي اوصلت فيها ثورة اكتوبر الاشتراكية، رسالتها الى جميع بقاع العالم، وان لم تصل قوى اليسار الممثلة لتلك الثورة او المتاثرة بطروحاتها، الى السلطة، في البلدان التي انبتت بها الثورة بذرتها لتورق احزابا شيوعية واشتراكية، حاكت النموذج السوفيتي وتشبهت بمسمياته! كاسترو كان واحدا من بين الملايين الذين حملوا الاشتراكية في صدورهم، ليصنع نموذجا فريدا وملهما للكثيرين في العالم، لانه زاوج وبشكل غير مسبوق بين الواقعية السياسية والرومانسية الثورية، بطريقة ، يمكن وصفها بالمبهرة، فهو لم يكن راكب موجة كبعض الذين كانوا يسمون انفسهم بالماركسيين او الشيوعيين، ممن دغدغوا مشاعر الفقراء، وركبوا على ظهورهم للوصول الى السلطة، وتخلوا عن افكارهم تلك عندما صار الطريق الى السلطة يستدعي التخلي عنها، وانما كانت الاشتراكية بالنسبة له، مشروعا للعدالة الاجتماعية، التي ظلت ومنذ الازل ديدن البشر، يجترحون لها السبل ويسفحون على طريقها الدماء. انها بالنسبة له شيء يسير في دمائه، لانه ولد حرا وقرر ان يبقى كذلك. وقد كان في سلوكه، طيلة وجوده في السلطة يجسد هذا ..

لقد وصفت احدى الصحف الاوربية، كاسترو بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، كالاسد في الشتاء! وكان الرجل ودولته الاشتراكية، فعلا، في عزلة قاسية فرضتها عليه اميركا لعقود، وكرسها سقوط الحليف السوفيتي والمعسكر الاشتراكي، بطريقة دراماتيكية، فكان وبلده اشبه بالمنفيين! وظن كثيرون ان الرجل سينهار او ينسجم من المعطيات الجديدة، لكنه ظل متمسكا بمشروعه، ليغدو ملهما لدول اميركا اللاتينية، التي صارت تستعيد انفاسها الاشتراكية، واحدة بعد الاخرى، بعد ان غرقت في اوحال الراسمالية اواخر الثمانينيات، لتحرج الجار الاميركي، وتفتح للامل نافذة، بانتظار صبح جديد!

نستطيع القول، انه في توقه لتحقيق العدالة، يشبه الثائر ابو ذر الغفاري، الذي وصفه كثيرون بانه ابرز رواد الاشتراكية في التاريخ، والاقرب الى نهج الامام والزعيم العظيم علي بن ابي طالب (ع)، لانه اراد لدولة لاسلام ان تكون ميدانا للعدالة، فانتهى به المطاف منفيا في صحراء الربذة، لتظل صرخته الانسانية تلك مدوية وآنية على متن التاريخ، بعد ان امتزجت ذرات جسده برمال الصحراء وصارت صرخته تورق في كل حين، لتحكي قصة العدالة التي يجب ان تكون قضية كل عصر وكل جيل.

لقد اقام كاسترو دولة اشتراكية، كل شعبها متعلم وليس فيها اميّ، مع ضمان صحي لكل فرد، وجعل ثروة كوبا القليلة بين ابنائها ومنحهم فرصا متساوية. ولم يكن وقوفه بوجه الراسمالية المتوحشة، نابعا من كونه ضد الديمقراطية، كما صوره خصومه او اعداء الاشتراكية، بل كان يريد ان تكون العدالة اساسا للديمقراطية التي تفقد معناها في ظل الاستلاب وعبث راس المال بمصائر البشر، لاسيما الفقراء الذين يمثلون السواد الاعظم من البشرية التي فيها من الخيرات ما يجعل خمسة او ستة اضعاف سكان العالم يعيشون بكفاية وكرامة، ولما كانت هناك مجاعات وحروب، او ان اسباب الحروب ستنتفي اصلا… هل كان كاسترو طوباويا، لان عجلة الحياة تسير وفقا لقوانين القوة التي يمتلكها ممن يتحكمون بالبشر، وعليه ان يتعامل بواقعية مع هذه الحقيقة؟ نعم كان كذلك الى حد كبير، لكن ماقيمة الحياة حين تخلو من الحالمين الكبار، وتمضي بالناس بلا امل او قضية ينطوي بين جوانحها امل، مهما كان بعيدا، فالاهداف العظيمة تحتاج الى تضحيات كبيرة، والى وقت كثير بالتاكيد..

يقول الشاعر عبدالوهاب البياتي .. (( يجب ان لانشك بايمان ذوي النفوس الكبيرة، الشعراء العظام والقديسين والثوار، لان الانسانية عندما تفقد الاستثناء، تفقد مثلها الاعلى ))، وبالتاكيد كان كاسترو من بين الثوار، اصحاب النفوس الكبيرة، لانه كان صاحب مبدأ ومشروع، قد يتفق معه البعض ويختلف معه البعض الاخر، لكن من الصعب ان يكون ثائر كبير مثله، سطراعابرا في سفر التاريخ ..!

المقال السابقمن أين تؤكل الكتف…!!
المقال التالىفيدل كاسترو و الوفاء الجزائري
عبدالامير المجر : اديب وكاتب سياسي وصحفي من مواليد ميسان - المجر الكبير 1962 .. عضو اتحاد الادباء والكتاب في العراق وعضو نقابة الصحفيين ..صدرت له اربع مجاميع قصصية وروايتان .. عمل في الصحافة العراقية منذ تسعينيات القرن الماضي ويكتب في العديد من المواقع الالكترونية العراقية والعربية .......
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد