وينهم !!؟


 

العراقيون أصحاب غيرة ونخوة ومروءة كما عهدناهم ، وحينما يجد شخص نفسه بحاجة الى نجدة سريعة وهو في السوق أو الشارع يصرخ بأعلى صوته ..وينهم ، أي أين النشامى والغيارى لينجدوه من ماهو فيه ، عندها يهب الناس اليه من كل حدب وصوب متدافعين من أجل مساعدته وتقديم العون له دون ان تكون لهم معرفة مسبقة به.

ماقادني لذلك وجود بعض الظواهر الإجتماعية السلبية اليوم التي تتنافى مع القيم التي ذكرناها آنفا، من ذلك تخلي بعض العوائل عن بناتها المطلقات أو الأرامل مع أطفالهن مما يدفعهن الحال للبحث عن وظائف أو سبل عيش أخرى ربما تكون غير سليمة ، أو جحود وتخلي الإخوة الأشقاء عن أحدهم وهو يمر بضائقة مادية خانقة حتى قال فيهم الشاعر معاتبا :
الخوة غيرة هلي
وإمضيف للجوعان
الخوة شوكَ وفة اترد
لهفة اللهفان
الخوة گـول وفعل
والحاجة للإخوان
الخوة شيمة وعهد
معروفة للعربان
الخوة ساحة شرف
تنعرف بالفرسان
الخوة گلب عالگلب
لوعازة الخوان
الخوة أصل اليحب
مروة والإحسان

وهناك ظاهرة إقدام الشباب على الزواج من نساء يكبرنهم بعقدين اوثلاثة من السنين وبعد الاستحواذ على مايملكن من عقار ومال ينفصلون عنهن بطرق مختلفة وحجج واهية ، او ظاهرة عدم تعيين الشباب على الرغم من حصولهم على مؤهل عالي الا بعد تقديمهم رشى مالية كبيرة تتعدى أحيانا العشرة الاف دولار ( دفتر) حتى وان كان يعيش فقرا مدقعا ، أو التقصير في الجانب العلاجي ونقص في توفير وتقديم الخدمات الطبية اللازمة بسبب عدم توفر الأجهزة الضرورية ، مثال ذلك عدم توفر أجهزة تخطيط كافية خاصة بتحديد المنطقة التي يجب ان تتعرض للاشعاع بعد العلاج الكيمياوي للمصابين بالأمراض الخبيثة عافاكم الله ، للتاكد من الشفاء ، وتوجد مراكز مختلفة لكن يوجد جهاز واحد فقط في كل مركز حيث يتعامل بدوره مع خمسة مرضى كل 24 ساعة، فتجد طوابير المرضى بالالاف يوميا، وهذا يضطر المريض الى أخذ جرعة اضافية املا في وصول الدور له . وحالات كثيرة لايمكن حصرها كالقتل والتسليب والخطف والإحتيال والاتجار بالمخدرات وحالات الطلاق غير المبررة والآفات الإجتماعية الأخرى والجهل والتجهيل …الخ.

أما حكايتنا اليوم التي شغلتني كثيرا ، فهي حادثة وقعت لأم شابة ( تولد 1983 ) لديها ثلاثة أطفال ذكور وكانت هي وزوجها يتمنيان أن ينجبا طفلة انثى تعيش الى جانب اخوتها الثلاثة ، لكن أمنيتهما إنتهت بفاجعة انسانية تفطر لها قلب كل من عاصرها وشهدها . .

السيدة الضحية (ز) مصابة بداء السكري وخلال عملية الحمل الجديد حصلت لديها مضاعفات نتيجة اعطائها حقن أنسولين مع أدوية كثيرة ومتنوعة فأدى ذلك الى اصابتها بتليف الكبد نتيجة الإهمال. تم نقلها الى أحد المستشفيات لكن دون جدوى ، وفي الأخير نصحوا زوجها باصطحابها للعلاج في لبنان او مصر . لم يكن الزوج مقتدرا ماديا على معالجتها في الخارج فاضطر لبيع سيارته التي يعتاش عليها ، وكان بحاجة لاصدار جواز سفر له لمصاحبتها ، وبالفعل راجع دائرة الجوازات وفوجىء باجراءات تحتم عليه الانتظار اياما وأياما، حاول افهام العاملين في تلك الدائرة بان زوجته في حال خطير وهي بين الحياة والموت ولايمكن الانتظار طويلا ، لكن محاولاته باءت بالفشل ، طلب مقابلة مدير الدائرة وقدم له التقارير الطبية ، وأيضا لم تفلح مساعيه وبقي على هذا الحال اياما وصحة زوجته تتدهور أمام انظار الجميع . ثم وقفت التأشيرة هي الأخرى عائقا مضافا أمام سفرها لجمهورية مصر حيث تحتم عليه شراء التأشيرة الواحدة ( الفيزا) ب 1200 دولار من خلال بعض الشركات الأهلية والسماسرة.
في هذه الأثناء أغمي على الزوجة وتم نقلها مجددا للمستشفى وتحديدا الى مدينة الطب فلم يجدوا كرسيا متحركا ولاحتى جهازا لقياس السكري !!! ( وجمالة اسمها مدينة الطب !!).
يقول أحد أقاربها الناس هنا يدخلون أحياء ويخرجون أمواتا !!.
أخيرا وجدوا أنفسهم مضطرين لنقلها الى مستشفى خاص في منطقة العطيفية بالعاصمة بغداد ، وهناك صدموا بارتفاع أسعار العلاج والرعاية ،. لم يكن باليد حيلة ..أدخلوها.. لكن أغمي عليها ثم إستعادت وعيها ، إلا ان الطبيب المختص أخبرهم انها في دور الإحتضار ومفارقة الحياة ، وعليهم تقبل الأمر و التهيؤ لهذا الأمر الجلل ، حتى ان بعضهم غادر مسرعا لتهيئة الدار وقاموا باخراج الأريكات والكراسي أمام أنظار واستغراب أطفالها الذين تساءلوا..لماذا تخرجون أثاث البيت، فيطمئنهم أحدهم بأن امكم سوف تشفى ويجب توسيع المكان لأن الناس ستحضر لتهنئتها بالسلامة!! .
مضت ساعات كان الأهل والزوج في المستشفى يحيطون بها مذهولين وسط عويلهم الذي تعالى ، هذا يقرا سورا من ايات الذكر الحكيم ، وآخر يقرأ دعاء ليريحها الله من العذاب فتفيض روحها وتستريح ،.. أغمي عليها من جديد ، وبعد وقت قصير فاقت وهي تصرخ بمن حولها بأعلى صوتها..من أنتم ..لاأعرفكم…اني يتيمة الأبوين …لاأريد أن اموت .. أريد أطفالي . وعلى عجل أحضروا اليها أطفالها. سبحان الله موقف عصيب تتجلى فيه قدرة الخالق ..بعد ان جيء لها بصغارها الثلاثة احتضنتهم وهي تبكي بمرارة ثم مدت ذراعيها لتحتضن بشدة الطفل الأصغر كونهامتعلقة به كثيرا وهي تقول له بالحرف الواحد ( سودة على أمك راح تفاركك) والأطفال يبكون حولها … بل بعض العاملات لم يتمالكن أنفسهن وهن المجربات فامتزج نحيبهن مع ذويها ..موقف لايصدق …صراع بين الموت والحياة ، وأمومة تقهر الموت. ثم هزت برأسها وتطلعت بمن حولها وكانها تودعهم ، و.. نطقت الشهادتين وهي تنتحب وذراعاها مازالتا تطوقان صغيرها, لكن الغيبوبة داهمتها مجددا وظلت هكذا بين الحياة والموت حتى ساعة نشر هذا المقال

ياترى كم جهة ساهمت بقتل هذه الأم ؟ ومن المسؤول ؟ هل ماتت قلوب الناس ؟ وأين أصحاب الضمير والحظ والبخت والمروءة؟…وينهم..؟!!.

2 تعليقات

  1. صدقت ورب الكعبة … اين هم النشامة الان بل اين نحن من النخوة … كله راح واندثر في ارض ٍ لم تعد لها وجود … واسفاه

اترك رد