السياسة الخارجية التركية في فترة مابعد الربيع العربي ،،

 

Turkey’s Post – Arab Spring Foreign Policy
How Ankara Came to Embrace a Policy of a Policy of Selective Engagement
By Galib Dalay
Foreign Affairs , November 24 , 2016

كاتب هذه الدراسة احد اهم المتخصصين بالسياسة التركية في منطقة الشرق الأوسط وقد أسس مركز ” شرق ” لدراسات الشرق الأوسط في المانيا وله العديد من الدراسات في موضوع تخصصه . من اهم الأسباب التي دفعتني لتقديم هذه الدراسة هو حداثتها وبالتالي مواكبتها لآخر التطورات في المنطقة والانخراط التركي فيها اضافة الى كون الكاتب ليس غربياً مما يمنح الدراسة روحاً اكثر أصالة من تلك التي اعتدنا رؤيتها تخرج باقلام غربية .

يختار الكاتب مرحلة تعتبر جديدة في تاريخ السياسة الخارجية التركية من حيث طبيعة الوسائل التي تستخدم في تنفيذها فضلاً عن أهدافها وعوامل صياغتها ؛ دابت تركيا على انتهاج ما اسمي بسياسة ” صفر مشاكل ” في الخارج من خلال نسج علاقات جيرة حسنة مع دول الإقليم وتجنب المشاكل الى حد كبير واللجوء الى تسويتها عندما تنشب بالوسائل السلمية مع التركيز منذ أواخر الثمانينات على تطوير العلاقات التجارية والاقتصادية وهو ما ساعد تركيا عندما شرعت في عهد حزب العدالة والتنمية في بناء اقتصاد متسارع النمو وضعها ضمن مجموعة العشرين الاقتصادية متخطية بسرعة كبيرة دول اخرى في المنطقة تماثلها في الحجم وربما تكون اوفر موارداً منها مثل ايران ومصر .

لم تتمكن تركيا من متابعة هذه السياسة بعد ان اجتاحت ثورات الربيع العربي عدداً من دول الإقليم وأدت الى الإطاحة بانظمة طال بها العهد وشاخت ثم انهارت عند اول هزة ؛ سرعان ماجاءت موجات الثورات المضادة فأعادت في بعض الأقطار ارساء أنظمة قمعية جديدة فيما فشلت في الاخرى فدخلت في مرحلة من الفوضى الشاملة ، وساهمت قوى عالمية واقليمية في زيادة الأوضاع تفاقماً استثماراً للموقف لتحسين أوضاعها الجيو- ستراتيجية . هذه الأوضاع دفعت انقرة الى الانخراط بشكل او باخر في هذه الأوضاع المعقدة التي ولّدت بيئة خطرة اصبحت فيها الثوابت متغيرات وفي مقدمتها الخرائط السياسية وتفتيت الهويات الوطنية واعادة احياء الانتماءات دون الوطنية .هذا الانخراط التركي جاء شاملاً في البداية حتى وجدت تركيا نفسها على وشك التورط والاستنزاف وهو امر اجبرها على اعادة تقييم الموقف ورسم أولويات تقوم على مبدا المحافظة على الامن الوطني ووحدة التراب التركي ؛ تبدو هذه الستراتيجية دفاعية بشكل أساس رغم انها اتخذت شكل الانخراط الإيجابي والفعال في بعض الحالات . تقدم هذه الدراسة رؤية شاملة لهذا الموضوع ، فلنتابع ….

تثير قضية فهم السياسة الخارجية الكثير من الجدل . لقد ساد الاعتقاد خلال فترة ترؤس السيد دَاوُدَ اوغلو للوزراء ان العوامل الاساسية التي صاغت هذه السياسة هي مزيج من الأيديولوجيا والنزعة التوسعية وروح المغامرة الامر الذي أدى الى تصاعد التوتر في علاقات تركيا بدول الإقليم والعالم . هذه السياسة شهدت تحولاً نحو المصالحة في عهد رئيس الوزراء بن علي يلدريم وبتوافق مع الرئيس اردوغان ، وينقل المراقبون عن السيد اردوغان تصريحه الشهير في نيسان ٢٠١٦ الذي أشار فيه الى ان تركيا بحاجة الى أصدقاء اكثر منه الى أعداء ، كذلك يلاحظ المراقبون انعطافات في السياسة فأصبحت تتسم بالحذر والبراغماتية وتجنب المخاطر . بهذا المعنى تم فهم التوجه بالمصالحة نحو اسرائيل وروسيا .

كان الانقلاب العسكري الفاشل ، وفقاً لرأي بعض المراقبين ، والذي وقع في منتصف تموز الماضي ، مؤشراً على ان تركيا قد بدات مرحلة جديدة ترى فيها تركيا اللامبالاة التي يتعامل بها الغرب مع التحديات التي تواجه البلاد وهكذا اخذت الحوارات الداخلية تدور في اتجاه تأييد إبحار تركيا بعيداً عن الغرب ومع تحالف ، كان له ان يحصل منذ وقت ، مع روسيا . في ذات الوقت شرعت تركيا بتنفيذ عملية درع الفرات في سوريا والهادفة الى ازاحة تنظيم الدولة من المناطق الحدودية ومنع حزب العمال التركي والفرع المرتبط به تحت مسمى قوات الحماية الكردية YPG من فرض السيطرة في المنطقة ؛ تصر تركيا ايضاً على ان يكون لها دور ما في عمليات الموصل ضد تنظيم الدولة . يعتقد المراقبون ان اجمالي هذه المواقف لاتؤشر ميلاً تركياً نحو تقليص دورها في المنطقة ولا تؤشر توجهاً الى الشروع بسياسة ذات طبيعة تصالحية حين يتعلق الامر بمتطلبات بآمن البلاد الوطني ، وقد اكد الرئيس اردوغان هذا التوجه حين أعلن عن ان تركيا ستنتهج سياسة ذات طبيعة استباقية فيما يتصل بالامن الوطني سواء في الداخل او في الخارج .

قد لاتكون جميع هذه التفسيرات دقيقة او شاملة بما يكفي وهي تميل الى نوع من شخصنة السياسة التركية وربطها بداود اوغلو او الرئيس اردوغان ، ولكنها في واقع الحال ترتبط بشكل وثيق بمتطلبات الحقائق الجيوسياسية المستجدة في المنطقة مقترنةً بهموم السياسة الداخلية والتحديات الأمنية ؛ عوامل حاسمة رسمت مجرى السياسة التركية في الفترة الاخيرة .

لقد كان لثورات الربيع العربي ومطالباتها الديمقراطية دوراً مهماً في التأثير على صانع القرار التركي كما كان للتوجه الاسلامي لبعض قيادات هذه الثورات اثره في موقف تركيا الإيجابي منها اعتقاداً من قيادتها بان التغيير الذي تطالب به هذه الثورات هو امر محتم وانها ستصنع بيئة اكثر ملائمةً لمزيد من التعاون الاقليمي يكون لتركيا دوراً قيادياً فيه .

ازاء التطورات اللاحقة اضطرت تركيا لاعادة تقييم الموقف في ضوء الحقائق المستجدة : لقد تحولت الثورة السورية الى حرب أهلية شاملة منذ ٢٠١٢ /٢٠١٣ كما وقع الانقلاب العسكري في مصر ، وكلا الحدثين أثبتا ان الأحداث الثورية التي بدات قد عادت لتاخذ اتجاهات معاكساً ؛ في ذات الوقت فان صعود تنظيم الدولة ١٣-٢٠١٤ في سوريا والعراق قد حوّل الاهتمام الدولي من التركيز على قضية التحول الديمقراطي في المنطقة الى قضية الامن فيها ، كذلك استثمرت أقطار محددة في المنطقة مثل سوريا والسعودية وايران في قضية ظهور تنظيم الدولة بالدفع نحو المزيد من الاستقطاب الطائفي ونزع الشرعية عن تيارات الاسلام السياسي الرئيسية .
لقد قاد تطور الأحداث وتعبئة قوى المنطقة المحلية لمحاربة تنظيم داعش الى ان توسع المنظمات الكردية دوائر سيطرتها على مزيد من الاراضي بعد ان حظيت بتعاطف وشرعية وعون عسكري دولي ؛ هذا الموقف ظهر بأجلى صوره في قضية مدينة كوباني التي قام تنظيم الدولة بمحاصرتها في أيلول ٢٠١٤ ؛ لقد تم وبعون أمريكي ومشاركة البيشمرگة العراقية استرداد المدينة وقد حظيت قوات الحماية الكردية YPG بالاعتراف بها باعتبارها قوة شرعية مقتدرة ، وكان لمعركة دورها الكبير في تاجيج المشاعر القومية الكردية وأخذها شكل فضاء متصل على امتداد المنطقة .

لقد استثمر حزب العمال الكردي PKK في هذا الجو الاقليمي والدولي الجديد واتخذ موقفاً اكثر تصلباً ازاء تركيا التي كانت قد شرعت في وقت سابق بمبادرة للتسوية السياسية مع الاكراد ، لكن الموقف الجديد أعاد قضية الامن الوطني الى صدارة الاولويات .
قام تنظيم الدولة باستهداف تركيا في داخلها وجاء ذلك على شكل توجيه عملياته ضد بعض الحركات الكردية اليسارية في سروك ودياربكر ومحطة قطارات انقرة وفي موجة ثانية تم استهداف منطقة سلطان احمد في شارع الاستقلال ومطار اتاتورك ، وقد استهدفت الهجمات الاخيرة السياحة والأجانب وكان واضحاً انها جاءت رداً على انضمام تركيا للتحالف الدولي ضد تنظيم الدولة . قادت هذه الهجمات الى تشكيل تهديد أمني جدي واجبرت تركيا على اعادة تقييم سياستها الاقليمية .

من الملفت ان الولايات المتحدة قد تجاهلت مشاعر الخطر الذي استشعرته تركيا والذي تمثله حركات مثل PKK و YPG على الامن التركي واستمرت بتقديم الدعم لها تحت ذريعة انخراطها بالحرب ضد تنظيم الدولة في سوريا ؛ واصلت الولايات المتحدة ايضاً تحالفها ودعمها لقوات سوريا الديمقراطية SDF التي تشكل قوات الحماية الكردية عمودها الفقري وتمكنت هذه القوات من السيطرة على مدينة ” منبج ” التي منحتها موطئ قدم قوية في منطقة غرب الفرات ، وهذا التقدم جعلها على مدى خطوة واحدة من هدفها النهائي وهو السيطرة الكاملة على المتطقة الواقعة بين كوباني وافرين مما يجعلها ربط مناطق سيطرتها في سوريا بشكل اقليم متصل .. هنا سارعت تركيا للتدخل عسكرياً وبشكل عاجل الامر الذي زاد من التباعد بينها وبين الغرب .

في ذات الوقت وجدت تركيا نفسها في مواجهة ايران . حصل الاحتكاك الاول في مناطق شمال العراق وسوريا حيث وجدت الدولتان نفسيهما في تنافس على النفوذ . غير انه في ظل الظروف الراهنة تجد تركيا نفسها في موقف اقل حظاً من ايران . لقد كانت تركيا في وضع أفضل للتعامل مع المستجدات التي ولدتها ثورات الربيع العربي عندما كانت القضية تدور حول مطالب ذات طبيعة سياسية واجتماعية واقتصادية ولكن الموقف قد تبدل بالكامل عندما انتهت الأمور بتحول هذه الثورات الى حروب أهلية ذات ابعاد عرقية وطائفية وهو ما يناسب ايران بشكل اكبر التي كانت لديها مجموعات وكالة ومليشيات طائفية على امتداد المنطقة منذ وقت سابق .
في هذه المرحلة وجدت تركيا نفسها في موقف السعي لاعادة التوازن لمواجهة النفوذ الايراني الممتد عبر مليشياتها وحلفائها الطائفيين ؛ في الساحة السورية قامت انقرة بدعم القوات المعادية لبشار الأسد وايران ، وفي اقليم كردستان بذلت المساعي لتوثيق علاقاتها مع حكومة الإقليم بقيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني والقوى السنية العربية . وفي هذا الاتجاه تنصب جهود تركيا الحالية على ان يكون لها دوراً في معركة الموصل وذلك من اجل الحيلولة دون وقوع عمليات تطهير عرقي او طائفي ولمنع حزب العمال الكردي المتواجد في المنطقة من استثمار الوضع وما قد يتولد عنه من فوضى . وعلى المستوى الاقليمي بدا تنسيق سعودي – تركي لمواجهة توسع النفوذ الايراني ، ومن هنا جاء التأييد التركي لموقف السعودية ازاء تطورات الموقف في اليمن والعملية العسكرية السعودية هناك كما وجهت الدعوة لايران للانسحاب من هذا البلد العربي وعرضت مساعداتها اللوجستية على السعوديين كما يتم التنسيق بين الطرفين حول الوضع في سوريا .
من الواضح ان تركيا تواصل انتهاج وتطوير سياسة اقليمية تستند في أولوياتها الى التحديات الأمنية ويتم تنفيذ هذه السياسة على أساس “كل قضية بحد ذاتها ” و ” تحالفات مؤقتة ” . على المستوى المؤسساتي لم يصل الامر لحد اللحظة الى إدارة الظهر لحلف الناتو او الانحراف الكامل عن التوجه غرباً . ان التوقعات التي ولدتها موجة الربيع العربي قد تبددت ولايبدو ان هذه الثورات قد أدت الى ولادة نظام إقليمي جديد يتوائم مع التطلعات التركية ؛ من هنا اصبحت السياسة التركية تنصب على معالجة المشاكل بطريقة انية عند ظهورها ومواجهة التحديات الأمنية باعتبارها الهدف المباشر للسياسة الخارجية في الإقليم ، ولذلك يبدو انها ستنتهج ، في المستقبل المنظور ، سياسة انخراط انتقائية في مشاكل هذا الإقليم .
من المتوقع اذن ان نشهد احجاماً تركياً عن الزج بنفسها في مناطق ذات أهمية ثانوية مقابل استثمار بالمال والوقت والدماء فيما تعتبره انقرة تهديداً لأمنها الوطني .

لا تعليقات

اترك رد