بلوكاج سياسي بالمغرب


 

شكلت الانتخابات التشريعية المغربية في السابع من اكتوبر من هاته السنة لحظة تاريخية مهمة في المشهد السياسي لمغرب ما بعد دستور 2011،وامتحان لما ذا جدية الدولة المغربية في تنزيل مقتضياته خصوصا الفصل السابع والأربعون القاضي بتعيين الوزير الأول من الحزب الفائز في الانتخابات، وبالتالي احترام المنطق الانتخابي واحترام ارادة الشعب، وتكريس المغرب كدولة ناشئة في المجال الديمقراطي في اطار التغيير في ظل الاستقرار بعد ثورات الربيع العربي التي اسقطت أنظمة ديكتاتورية عمرت ردحا من الزمن، لكنه سرعان ما تحول خريفا قضى على الأخضر واليابس والانسان والشجروالحجر، وحول حياة هاته الشعوب التي كانت ترنو الى الحرية والعدالة والديمقراطية جحيما لا يطاق ما بين غياب الأمن والتهجير واللجوء وفقدان الأهل والأحباب.

انتصر المنطق الديمقراطي وفاز حزب العدالة والتنمية بزعامة عبد الآله بنكيران بالانتخابات التشريعية المغربية على غريمه التقليدي حزب الاصالة والمعاصرة, انتصر حزب بنكيران الذي يقود الحكومة المغربية منذ خمس سنوات والذي عرفت فترته مجموعة من القرارات الصعبة,التي اضرت خصوصا بالطبقة المتوسطة للمجتمع وبقدرتها الشرائية. فما الذي جعله ينتصر؟

الذي جعل العدالة والتنمية ينتصر ضعف خصومه السياسين من يمين ويسار و الوجوه السياسية المألوفة والمشروخة,والتي لم تستوعب بعد أن الشعب مل منها ومن سياستها وانتهازيتها،مهما،قامت به من مكياج ورتوشات تجميلية،وعليها اعتزال السياسة وفتح الاحزاب للقوى الشابة في المجتمع القادرة على مواكبة المستجدات الوطنية والدولية،وكذلك الدينامية السريعة التي يقودها الملك محمد السادس داخل المغرب وخارجه مقابل بطء حزبي وحكومي يساهم في هدر الزمن السياسي المغربي.

الذي جعل العدالة والتنمية ينتصرالأغلبية الصامتة،التي فضلت هجر صناديق الاقتراع وقاطعت الانتخابات وغالبيتها من الطبقة المتوسطة المثقفة،التي هجرت السياسة واحزابها التي تفتقد لاستقلالية القرار والتي تخلت عن دورها في تأطير المجتمع،فحدث انفصال وقطيعة بين السياسي والمثقف فغذت معه الأحزاب مجرد حوانيت انتخابية نراها عند كل موعد انتخابي وتختفي مقراتها بانتهائه.

الذي جعل حزب العدالة والتنمية ينتصر ديمقراطيته الداخلية وتنظيمه المحكم وجيشه الالكتروني وثبات مناصرييه، وبالتالي فهو لديه قاعدة انتخابية ثابتة لدعمه وهو ما لاتتوفر عليه الاحزاب المغربية الاخرى,ونهجه سياسة المظلومية رغم أنه هو الذي يسير الشأتالعام,وزعيمه الذي يعتبر ظاهرة سياسية بامتياز لما يتوفر عليه من كاريزما ودهاء سياسي اتعب الخصوم والاخوة على حد سواء,شعبوي يلامس هموم البسطاء ويختلط بهم وهو الذي

خبر العمل الدعوي في اطار الجماعة الاسلامية التي اصبحت الاصلاح والتجديد ثم الاصلاح والتوحيد فيما بعد, كابد وعانى من العمل السري والعلني و يمتاز ببياض اليد رغم تسييره للشأن العام,هاته الصفات التي يمتاز بها عبد الآله بنكيران ويشهد بها الانصار والخصوم هي التي جعلت حزبه يتصدر الانتخابات رغم فشله في حال مشكلات المجتمع المغربي الاقتصادية والاجتماعية طيلة خمس سنوات من الحكم.

انتصر العدالة والتنمية ومعه بنكيران في محطة السابع من اكتوبر،واحترم الملك الدستور والمنهج الديمقراطي وعينه وزيرا أولا مكلف بتشكيل حكومة جديدة. كانت المشاورات تسير بشكل طبيعي وايجابي في بداية مهمته ,لكنها تعيش الآن مرحلة بلوكاج سياسي بعد شهر ونصف من بدأها,انطلق معه الحديث عن تأويلات للفصل السابع والأربعون وتعيين وزير أول غير بنكيران,وهل سيعيد التاريخ نفسه ويتكرر سيناريو 2002 بعد تصدر حزب الاتحاد الاشتراكي الانتخابات بزعامة عبد الرحمان اليوسفي والصراع بين الاتحاد وحزب الاستقلال على من سيتولى الوزارة الاولى في اطار ما عرف فيما بعد 'امولا نوبة",ما دفع الملك محمد السادس الى تعيين وزير أول تكنوقراطي هو ادريس جطو لتجاوز الأزمة السياسة .فهل

سيتكرر نفس الأمر؟ في نظرنا الحديث عن بلوكاج سياسي وهدر للزمن السياسي وتعطيل للمؤسسات وأزمة سياسية سابق لاوانه,لان الزمن الذي وصلت اليه المشاورات لتشكيل الحكومة حتى الآن عاد,اذ ما قورن بالحكومات السابقة,فعبد الرحمان اليوسفي عند تشكيله لحكومة التناوب استغرق اربعين
يوما وبنكيران في حكومته الثانية بعد انسحاب حزب الاستقلال استغرق شهرين.

كما أن الحديث عن تكرار سيناريو2002 غيرممكن,لأن خلال تلك السنة لم يكن للمغرب دستور 2011 ،كما أنه مكلف من الناحية السياسية لصورة المغرب سواء في الداخل والخارج لكون ذلك يعد انتكاسة الى الوراء في المجال الديمقراطي بعد ان راكم المغرب تجربة ونموذجا يشيد به الأصدقاء والأعداء،كما أن هناك ارادة ملكية في جعل المغرب نموذج ديمقراطي وسياسي واقتصادي صاعد في دول الجنوب.

كما أن من تسبب في الوضعية الحالية،هو بن بنكيران نفسه بسبب خرجاته الاعلامية وحطه من قيمة الخصوم وشعوره بالاستقواء السياسي، فلو عمل بنكيران بمقولة"اذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب"، لجنب نفسه وحزبه وحكومته الكثير من المعارك الجوفاء،التي من المؤكد لن تفيد البلاد والعباد،ولتجنب الوقوع في هذا المطب السياسي.

كما أن من يعرقل التشكيلة الحكومية الآن،هو حزب التجمع الوطني للاحرار وهو حزب اداري، لا يمكن الحديث معه عن مواقف ثابتة،وهو الذي اجتمع في رمشة عين بعد الانتخابات وانتخب وزير الفلاحة الحالي عزيز اخنوش أمينا عاما بعد تقديم صلاح الدين مزوار لاستقلالته،وبالتالي اعطاءه الضوء الأخضر للمشاركة سيزيل هذا اللغط السياسي الحاصل حاليا،وهاته التجاذبات والتحالفات القائمة في انتظار فشل بنكيران في تشكيل أغلبيته وانتظار سيناريوهات أخرى .

الأكيد الآن أن المؤسسة الملكية جادة في سعيها لبناء مغرب ديمقراطي، تحترم فيه إرادة الشعب وقراره في من يدبر الشأن السياسي للسنوات الخمس القادمة، سواء اختلفنا معه أو اتفقنا فلابد من احترام المنهجية الديمقراطية واي اخلال بمقتضياتها سيؤدي لا محالة الى التساؤل عن جدوى هاته الانتخابات،التي تهدر فيها الأموال اذا لم تحترم ارادة الشعب،وهو ما نظن أن المغرب بعيد عنه بحول الله وان حالة البلوكاج السياسي الحالية سيتم تجاوزها قريبا,وهو ما تباشر به الجولة الثانية من المشاورات خصوصا من خلال التقارب الكبير الذي حدث مع الاتحاد الاشتراكي ما يجعلنا نقول أن ولادة الجكومة المغربية الجديدة قريبة.

لا تعليقات

اترك رد