في الجذور السيكولوجية والدينية لأقتصاديات الجمعة السوداء والجمعة البيضاء ومثيلاتها !!!


 

لكل مرحلة تاريخية مرت بها البشرية لها اقتصاد خاص بها “قوى انتاج وعلاقات انتاج “, ولها آلهة وأديان تفرزها تلك المرحلة, تلعب دور الحافظ لها والداعم والمدافع عن بقائها, أي بمعنى فردي ان العقل ينتج الدين وان الدين بدوره ينتج عقلا ووعيا ملازما, ويلعب الدين دورا كبيرا في إضفاء القدسية على بعض الانشطة الاقتصادية والطقوسية لإبقاء الدين حاضرا في الحياة حتى ولو شكليا, كما تنشط الآلة الاقتصادية من خلال قدسية الدين في مناسباته ذات الأسراف الشديد والمميز, وخاصة عندما يمر الاقتصاد بأزمات دورية !!!.

وللتعريف في الجمعة السوداء نستعين ببعض المعلومات المتوفرة:
أول استخدام لهذا المصطلح كان في إشارة إلى انهيار سوق الذهب في الولايات المتحدة في عام 1869. وبعد مرور قرن من الزمن، استخدمت شرطة مدينة فيلاديلفيا الأمريكية مصطلح “الجمعة السوداء” لوصف الفوضى والازدحام في شوارع المدينة، بعد إغلاق وسط المدينة بسبب توافد المتسوقين إلى المراكز التجارية لشراء الهدايا. وكره الباعة والتجار هذا المصطلح، لكنهم حاولوا إعادة ابتكاره، بعد أن وجدوا أنه اليوم الذي قفزت فيه أرباحهم من اللون الأحمر، إلى اللون الأسود. وبدأت شُهرة فكرة “الجمعة السوداء” في الثمانينيات والتسعينيات.. واليوم، تُعرف “الجمعة السوداء” بالخصومات والعروض الخاصة، أما الماضي “الأسود” لهذا اليوم، فقد أصبح طي النسيان. وقد انتقلت عدوى هذا اليوم الى العالم الأوربي, بل والى العالم العربي والاسلامي !!!.

والجمعة السوداء ” بلاك فرايدي ” يأتي عادة بعد عيد الشكر في الولايات المتحدة الامريكية, وعادة يكون في نهاية شهر نوفمبر من كل عام, ويعتبر هذا اليوم بداية موسم شراء هدايا عيد الميلاد. في هذا اليوم تقوم أغلب المتاجر بتقديم عروض وخصومات كبيرة، حيث تفتح أبوابها مبكرا لأوقات تصل إلى الساعة الرابعة صباحا. بسبب الخصومات الكبيرة ولأن أغلب هدايا عيد الميلاد تشترى في ذلك اليوم، فإن أعدادا ًكبيرة من المستهلكين يتجمهرون فجر الجمعة خارج المتاجر الكبيرة ينتظرون افتتاحها. وعند الافتتاح تبدأ الجموع بالتقافز والركض كلٌ يرغب بأن يحصل على النصيب الأكبر من البضائع المخفضة الثمن. في يوم الجمعة السوداء تقوم أيضا بعض متاجر الإنترنت بتقديم عروض مغرية.

أما الجمعة البيضاء ” وايت فرايدي ” فهي عبارة عن ردة الفعل العربية والاسلامية على يوم الجمعة الأسود الأمريكي, حيث تقوم بعض مواقع الانترنيت العربية والاسلامية بعروض كبرى وتخفيضات والتي تعتبر الاقوى على مدار العام ويتم خفض باقة كبيرة من المنتجات خصوصا الهواتف الذكية والالكترونيات والساعات والعطور والكثير من البضائع الأخرى, وموعد الجمعة البيضاء يأتي آخر يوم جمعة من شهر نوفمبر من كل عام. ونظرا لخصوصية يوم الجمعة لدى العرب عموما والمسلمين من حيث كونها يوم تكثيف للعبادة مقترنا بولادة نبي الاسلام, فلم يتحمل الأمرإلا بسميتها بالجمعة البيضاء. وقد تباينت الآراء حول جدوى إختيار مناسبة أمريكية لإعادة إستهلاكها عربيا وكان من ضمن الآراء أن يتم اختيار يوم جمعة سابق لشهر رمضان أو عيد الفطر أو عيد الأضحى بحيث يكون مناسب للثقافة العربية والإسلامية بعيدًا عن التقليد الأعمى للغرب !!!.

وعلى العموم فأن الاحتفالات والأعياد الدينية وغير الدينية هي ممارسات نمطية تحتوي على ممارسات شعائرية وجوانب اجتماعية وأخرى ثقافية ويشارك فيها شرائح اجتماعية دينية وثقافية واثنية واسعة, وتسودها أنشطة اقتصادية تستهلك فيها شتى أنواع المنتجات, من أكل وشرب وملبس. ويمكن هنا تقسيم الاحتفالات إلى أنواع: الاحتفالات المرتبطة بعادات دورة الحياة, من ميلاد, وزواج ووفاة؛ والاحتفالات الرسمية كالقومية والوطنية المختلفة؛ والاحتفالات الدينية, والتي يمكن تصنيفها إلى: الاحتفالات الدينية العامة, على سبيل المثال الاحتفالات بعيد الفطر وعيد الأضحى وولادة النبي, وأول العام الهجري وليلة الإسراء والمعراج وليلة النصف من شعبان, وما يقابل ذلك طبعا في مختلف الديانات, والاحتفالات الدينية الخاصة, على سبيل المثال الاحتفالات الخاصة بولادة الأولياء كالإمام علي والحسن والحسين ومولد السيدة زينب وأول رجب ونصفه وأول شعبان ونصفه, وما يقابل ذلك في مختلف الأديان والطوائف والفرق المذهبية من أعياد خاصة !!!.

وهنا يجب التأكيد بأن نشأة الاحتفالات الشعبية والأعياد الدينية ليست مرتبطة أصلا بنشوء الدول القومية أو الأديان التوحيدية وغير التوحيدية, بل هي تضرب بجذورها في عمق التاريخ ومنذ نشأة الإنسان البدائي ولها دلالتها السيكولوجية المكثفة في حياة الإنسان عبر التاريخ. وانطلاقا من الفكرة إن المجتمع هو مصدر الدين بمختلف مستويات تنظيمه الاجتماعية فأن الطوطمية ” وهي نسق ديني تعتبر فيه بعض الأشياء خاصة الحيوانات والنباتات مقدسة, وترمز للعشيرة ” هي الشكل الأكثر بدائية وبساطة للدين والتي يوازيها شكل بدائي من التنظيم الاجتماعي هو العشيرة. ويشكل الطوطم الضمير الجمعي للعشيرة, وهو التمثيل المادي للقوى غير المادية فيها. فالطوطمية دين ليست بتلك الحيوانات أو بتصورات الناس, وإنما بتلك القوى المجهولة وغير الشخصية, موجودة في كل تلك الكيانات لكنها ليست ممتزجة بأي منهما. الأفراد يموتون والأجيال تذهب ويأتي غيرها لكن هذه القوى تبقى دائما حية كما هي. أنها تنفخ الحياة في أجيال اليوم مثلما فعلت بأجيال الأمس وكما ستفعل بأجيال الغد.

والضمير الجمعي وما يرافقه من انفعالات جمعية عبر التاريخ هي مصدر الأديان في مسيرة البشرية وانتقالها من مراحل بدائية إلى مراحل أكثر تقدما نسبيا تقابلها أديان مناسبة, وتلك هي مسيرة البشرية من الطوطمية إلى الديانات التوحيدية في البحث عن إجابات للأسئلة الوجود. ويشكل الدين في المجتمعات البدائية أخلاقا جمعية شاملة ويعادل الضمير الجمعي, ولكن تطور المجتمعات وتعقدها ورقيها جعل الدين يحتل مساحة أضيق مما كان عليه في المجتمعات البدائية, وهذا ناتج من أن تطور المجتمعات ارتبط بظهور القوانين والعلوم والمعارف والأفكار والإيديولوجيات وتعقد الثقافة عموما مما سمح لظهور تشكيلات أخرى للعقل الجمعي خارج إطار الدين, وأن الدين أصبح واحد من هذه التشكيلات, وتتفاوت قوة نفوذه استنادا إلى مستوى تطور المجتمعات !!!.

الاحتفالات والأعياد الدينية والشعائر المصاحبة لها والانشطة الاقتصادية التي تقام في المناسبات والطقوس الدينية المختلفة ومنذ الديانات الأولى هي بمثابة إعادة الإنتاج للدين وإبقائه حاضرا في حياة الناس عبر تثبيته كعادات يومية أو دورية بفعل عوامل التعزيز والتكرار والتدعيم. ولولا تلك الطقوس والأعياد والشعائر المختلفة لاختفى الدين من حياة الناس تماما. وقد تحولت الشعائر والاحتفالات الدينية في العالم المتقدم إلى مناسبات وفرص اجتماعية للتواصل العام ولتعزيز العلاقات الاجتماعية, وفرص للتسوق, كما هي الحال في أعياد رأس السنة الميلادية, أو عيد ميلاد النبي المسيح, والكرنفال, وعيد الفصح ” عيد القيامة “, والصوم الكبير, والصوم الصغير, إلى جانب أعياد فرعية أخرى كميلاد مريم العذراء, وعيد ارتفاع الصليب وعيد العنصرة ـ التجلي وغيرها إلى جانب المناسبات ذات الطابع الحزين. وبقى الدين في خطابه الكلاسيكي التقليدي وممارساته العبادية محصورا في أماكنه التقليدية وقلاع نشأته, كالكنيسة والجوامع والمساجد إن وجدت وغيرها.

ومن الناحية الدينية البحتة فأن الشعائر والاحتفالات والأعياد الدينية كما يراها فقهاء الإسلام هي خلاص من اغواءات شياطين الإنس والجن, والرضا بطاعة المولى, والوعد الكريم بالفردوس والنجاة من النار. وينبه فقهاء الدين على أخطاء كبرى يقع فيها المسلمين في الأعياد لأنهم فهموا العيد على ما في نفوسهم وأهوائهم ولم يفهموا العيد على ما أراده الله لهم ” حسب فقهاء الدين “, ومن تلك الأخطاء التي يحذر بها فقهاء الإسلام من ممارستها في أيام الأعياد هي: ما تفعله بعض النساء من التبرج وإظهار المفاتن والزينة … أيها الزوج والأب ذكر ابنتك وزوجتك قول النبي محمد: ( رب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة ), الاختلاط بين الرجال والنساء والاختلاء بين الرجل والمرأة فذلك يفضي إلى الشرور والمفاسد, ـ واللهو واللعب الذي يشغل عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة, والحفلات والمهرجانات الغنائية, والعكوف على مشاهدة الفضائيات الهابطة التي تنشط أيام العيد فتقدم الأفلام والمسرحيات والبرامج المنحلة, والرحلات الجماعية المختلطة, والإسراف والتبذير في المأكل والملبس.

أن هذه الشروط التي يضعها الفقهاء في الدين هي أشبه بوضع المسلم في أيام العيد في عزلة دولية واجتماعية عن ظروف العصر بمختلف انجازاته التقنية والمعلوماتية والاجتماعية, إلى جانب العزلة الاجتماعية الداخلية بمنع الاختلاط والحفلات الجماعية, ومنع الاهتمام بالمظهر الخارجي وخاصة بالنسبة للمرأة وزينتها. وكأن ما كان ما يحصل قبل العيد وعلى مدار السنة حرام في حرام, وكذلك هي استجابة انفعالية غير مدروسة من قبل فقهاء الإسلام للحد من الطبيعية الاستباحية أصلا للأعياد !!!.

أن هذه الممنوعات التي يضعها رجال الدين كشروط لأعياد تستجيب لرضى الخالق برأيهم هي ليست واقعية بمكان لأن الأعياد بطبيعتها استباحية دينية أم غير دينية, وهي عودة على بدأ, فيه عودة إلى الزمن الأول, فكل شيء في الأعياد مفرط وزائد عن الحاجة ولكنه يلبي الحاجة النفسية لاستحضار الزمن الأول, فمن كان يصلي في بيته فقط يخرج الآن بصلاة جماعية أمام الملأ , ومن كان يلبس لباسا متواضعا يوميا يخرج الآن بأجمل ما لديه, ومن كان يسمع أغاني وأناشيد وآيات دينية في بيته , يسمعها الآن ويحيياها بأعلى الأصوات في الكنائس والجوامع ومختلف دور العبادة, ومن كان يأكل أكلا عاديا فهو الآن في الأعياد يأكل أكلا خاصا, وتقام في الأعياد النزهات والسفرات وأنواع مختلفة من الرقص تستجيب لذات الشعائر !!!.

أن الاحتفالات بالأعياد هو هيجان زائد وحماسة جنونية, وبذخ مفرط, وإسراف لا حد له. والأعياد لها لغة خاصة ولباس خاص يختلف عن الأيام العادية, انه قلب مؤقت للعالم. انه عودة إلى القدسية وإقرار التوازن العميق بين الكائنات والأشياء عن طريق فض هذا التوازن مؤقتا. لأن العيد لا يقتصر أمره على الترويح النفسي ولكنه أيضا وبصورة خاصة خلق جديد وبعث ونشأة أخرى, بكل ما في هذه الكلمات من معنى, حتى إن بعض التجمعات والملل والطوائف تبذخ الغالي والرخيص وتذهب في مهب الريح احتفالا بعيد فاخر مترف. ذلك إن العيد ليس برهة عابرة في حياة الجماعة. انه قمة شعورها بذاتها وإفراغها لإمكانياتها وتوكيدها لأسباب وجودها العليا. وإذا كان العيد يعلو بالجماعة فهو يعلو بالفرد أيضا. فلئن كان العيد يمثل الهرج الاجتماعي للخرافة, إلا انه يفرض على كل فرد يشترك فيه مهمة البطل الخرافي. وبتعبير آخر إن العيد يطهر الفرد العادي من الأدناس وينفخ فيه روحا جديدة ويقر مكانه شخصا يحدده وضعه في مجموعة الشعائر ” حسب كاسدوف جورج ” !!!!.

وتفسر شعائر الأعياد طبيعتها الفوضوية الإباحية, فالعيد هو في بعض الأحيان قلب للعالم كما في أعياد زحل عند قدماء الرومان وهي أعياد كان يختل فيها الأمن وتنشط فيها الدعارة وتمارس فيها الحريات كما يشاء, وما الكرنفال إلا صدى لهذه الأعياد وامتداد لها. وفي العيد على كل حال فيه إقبال على المنكر وتحريض على الفسق. وعلى حد تعبير فرويد ” إن العيد هو إفراط مباح, بل مأمور به, هو مقاربة رسمية للحرام. فالناس لا يفسقون فيه لأنهم في مرح مفروض عليهم ولكن الفسق جزء من طبيعة العيد ذاتها “.

ويمكن تلخيص ابرز مظاهر الاستباحة والإسراف في الأعياد والاحتفالات في: هو المغالاة في دروس الوعظ الديني والدروس التعليمية الدينية لتثبيت القيم المستوحاة من هذه المناسبات والتركيز على البعد التلقيني فقط من قبل المتلقي, والبعد الاجتماعي الذي يسعى إلى إيجاد شبكة من العلاقات الاجتماعية من طابع خاص, وكذلك الجانب الاقتصادي من ترويج للبضائع والسلع المختلفة, وإقامة مختلف المواقع الجديدة لتدعيم خدمة تقديم الغذاء إلى مختلف الزائرين وترويج مختلف البضائع والأطعمة. وتنتشر أيضا في هذه المناسبات الكثير من المظاهر أللاجتماعية واللاخلاقية, كالسرقات والنشل والتسول والتحرش الجنسي والبغاء وممارسة القمار والمخدرات, والإسراف في سماع الأغاني والأناشيد الدينية وغير الدينية, وانتشار الألعاب النارية وغير النارية بطريقة يخل بالأمن العام والاستقرار !!!!.

ولعل أكثر مظاهر الاستباحة حضورا اليوم هو ما نلاحظه من طقوس في ممارسة ظاهرة الأضاحي أو القرابين, والتي عرفتها البشرية منذ الأزل, وعرفتها لاحقا الأديان المختلفة بما فيها التوحيدية, اليهودية والمسيحية والإسلام, وتركزت بشكل خاص في الإسلام على مجموعة من العبادات والشعائر على مفهوم التضحية والفداء انطلاقا من الزكاة والصوم ثم نحر أضحية العيد, والتي وصلت إلى حد استنزاف اقتصاديات ثروات كاملة لمختلف البلدان الإسلامية, إلى جانب مجموعة من العادات والتقاليد التي تعتبر تكثيفا رمزيا لمفهوم القربان كالهبات والعطايا للزوايا والأضرحة والأولياء, لتصل إلى مستويات عالية من التطرف عبر التضحية بالجسد عبر المجاهدين والانتحاريين وغيرهم !!!.

وظاهرة الأضاحي والقرابين وجدت لها تفسيراتها السيكولوجية والاقتصادية والاجتماعية. ففي السيكولوجية, وعلى سبيل المثال لا الحصر الفرويدية حيث ربطتها بظهور الطوطم, حيث وظف فرويد الدلالات الرمزية الأسطورية لتفسير النشأة الأولى للنظام الأخلاقي, انطلاقا من حيزين أسطوريين, الأول من خلال أسطورة ” قتل الأب وأكله ” بطابعها الانثروبولوجي, وحيز آخر يتمثل في أسطورة أوديب بتجلياتها السيكولوجية. فحسب أسطورة ” الوليمة الطوطمية ” قرر الأبناء التنازل عن إشباع غرائزهم المتوحشة لصالح النظام الاجتماعي, وقد شكل هذا التنازل أساس النظام والعدالة الاجتماعية والقانون والقيم الأخلاقية في المجتمعات الإنسانية القديمة, لتشكل بذلك مهد الحضارة ومنطلقها الإنساني في التأسيس للمقدس والمدنس, وذلك لان الحضارة لا تقوم إلا على مبدأ الإيثار ونكران الذات وتنظيم إشباع الدوافع الغريزية . وحسب أسطورة عقدة اوديب, جريمة قتل الأب, يتشكل لدى الفرد شعور بالذنب بلا ذنب, فتلك الخطيئة المزدوجة لقتل الأب وإتيان المحرم تقوده إلى أعظم الندم وضياعا في الأرض تكفيرا عن الإثم والذنب ليظهر الطوطم كبديل مقدس عن الأب تعبيرا عن الندم, وبالتالي تكون القرابين تقريبا إلى الأب المقتول.

وفي تفسيرات سيكولوجية أخرى ترى إن تقديم القرابين للآلهة هي خطة محكمة البناء من اللاشعور الجمعي تقتضي صب فائض العنف المنتشر في المجموعة على” كبش ” , وبهذا يكون سلوك التضحية مخرجا لتصريف النزوع البشري إلى العنف اتجاه الذات والآخر. وهكذا تنتقل وظيفة القربان إلى شرعنة للعنف في زمان ومكان واتجاه موضوع محدد. أنه شكل من إشكال التنفيس عن العنف الجوهري في سيكولوجيا الإنسان الذي تغذيه غريزة الموت والقتل والدمار !!!!.

أما التفسير الاقتصادي فهو يرى مثلا عيد الأضحى يأتي تاريخيا لخلق التوازن الاقتصادي في منظومة النظام الاقتصاد الإسلامي بين مجتمعين متصارعين, مجتمع رعوي ومجتمع زراعي, فبعد عيد الفطر الذي تزدهر فيه تجارة مجتمع الزراعة لابد من طقس يأتي لترويج تجارة مجتمع الرعي !!!.

وبغض النظر عن ما يرد من تفسيرات سيكولوجية اجتماعية فأن المجتمعات اليوم وبعد مسيرة قرون, وفي ظروف الإحساس بالحاجة إلى التخطيط وعقلنه استخدام الموارد لازالت تمارس الاستباحة في طقوسها واستنزاف موارده في الثروة الحيوانية, والبشرية عبر استنزاف عقول أبنائها في مختلف الشعائر والطقوس المفرطة واللاعقلانية. وإذا كانت هذه الاحتفالات والأعياد الدينية هي مجرد عدة مرات في السنة فأنها تعني الكثير على مستوى عرقلة خلق الوعي المجتمعي اللازم لعقلنه جهد الإنسان والاقتصاد في إمكانياته الروحية والثقافية والاقتصادية ورسم ملامح مستقبل أفضل, وخاصة في بلدان الفقر والعوز والفاقة التي تستنزف فيها الثروات في تلك المناسبات. وأذا كانت الجمعة الامريكية السوداء هي مناسبة لإعادة تشغيل الاقتصاد وبعثه من جديد في ظل مستويات من الدخل الفردي ومستوى لابأس به من العيش العام, فأن الجمعة العربية والاسلامية البيضاء وفي ظل اقتصاديات الركود والبطالة وتدني مستوى العيش, فهي مناسبة لإستنزاف ما تبقى من الدخول الفردية ووضع الكثير على حافة الفقر !!!.

لا تعليقات

اترك رد