الشرق والغرب (2)


 

ليس من السهل تحديد اسباب العداء بين الغرب والعرب من وجهة نظر محايدة، فانا كعربي مستلب اميل دائما الى التظلم، وانا اضع الاسباب كلها في سلة المؤامرات والسيطرة الامبريالية والوجود الصهيوني، وانا محق في هذا، وقد اثبتت الوقائع التاريخية صحته، لكني كعربي ايضا، لم أسال نفسي فيما اذا كان يتوجب على الذئاب مصادقة الحملان في غابة قائمة على مبدأ البقاء للاقوى، ولو كنت غربيا واميريكيا تحديدا لوضعت الاسباب في سلة التشدد والتعصب والتخلف، والارهاب الاسلامي الذي اغلق الابواب التي كانت نصف مشرعة امام تعايش سلمي يمكن الوصول اليه عبر الحوار وعبر التعاون الاممي، غير ان هذا هو نصف الحقيقة، اما نصفها الاخر ففيه ما يتعلق بطبيعة التنافس والصراع بين الامم، وبالتاريخ والدين وفرصة النهضة والثورة الصناعية التي ولدت في الغرب دون اي مكان اخر، ومن ثم مسايرة التطور والامساك بناصية العلم والقوة..

عبر التاريخ، امتلك العرب القوة والعدة والعدد، فكان من نتائج ذلك الفتوحات الاسلامية التي امتدت من الصين الى الاندلس لنشر رسالة الاسلام، وحين امتلكت بريطانيا الاساطيل البحرية غزت العالم حتى اصبحت اكبر امبراطورية في الكوكب، ضمت ربع اراضيه وربع سكانه، وعبر هذا الغزو نشرت دينها وثقافتها ولغتها، حتى اصبحت الانكليزية لغة العلم والتكنلوجيا والتواصل، ثم امتلك الماركسيون الوسائل الكافية لنشر الشيوعية التي عبرت اوروبا لتصل اميركا اللاتينية وقبلها الصين ايضا، والان اميركا تمتلك القوة والوسائل لنشر الديمقراطية والحداثة والعولمة وثقافة العالم الجديد، لماذا اذن نعتبر ان الفتوحات الاسلامية حق لنا، ومرتبط برسالة الهية، ولانعتبر نشر الحداثة والعولمة حقا لاميركا؟.. لو لم يمتلك العرب الايمان والقوة آنذاك، هل كان بامكانهم نشر رسالتهم؟.. الاميركيون يمتلكون اليوم القوة والايمان بفكرهم وعقيدتهم، ويعتقدون ان على العالم ان يسايرهم، وان تلحق خطواته خطواتهم، هكذا يقول بريجينسكي: على العالم ان يلائم مصالحه مع مصالح اميركا، لايتاخر عنها ولايتقدم عليها.

ليس من الصحيح تماما ان نعتقد ان الشعوب التي طالها الفتح الاسلامي كانت مرحبة ومتلهفة لاعتناق الدين الجديد، ولسيطرة العرب عليهم، كانت هناك معارك، وكان هناك السيف الذي فرض الاسلام في بعض الاماكن والاوقات ان لم نقل كلها، والصراع انذاك يشبه الى حد ما (مع الاخذ بالاعتبار الاختلاف الزمني وما يتعلق به من تطور ومصالح وتعقيدات) الصراع الحالي الذي نعيشه الان، فمع سيطرة المسلمين على الاندلس، عاشت اوروبا قلقا لم ينتهي الا با ستعادتها، مثلما قلق الاميركيون من انتشار الشيوعية، ومثلما نقلق اليوم من السيطرة الاميركية على العالم ومنه طبعا الشرق الاوسط، فكل ثقافة وكل فكر جديد عبارة عن دين ياخذ مداه وانتشاره مع القوة اذا صاحبته..

لنتخيل ان الثورة الصناعية التي حصلت في القرن الخامس عشر، حصلت في ارض العرب، وامتلكنا من خلالها العلم والمعرفة والتكنلوجية والقوة العسكرية والاساطيل والثروات الطائلة، كما أوتي للغرب حينها، لنتخيل كيف يكون شكل العالم مع توافر فتاوى الجهاد في سبيل الله ونشر الاسلام، ونتخيل ايضا مبدأ الغنيمة التي تجعل ليس الثروات فقط حقا للمسلمين بل الانسان ذاته، نساء الغرب سبايا توزع على المجاهدين، هذ ا المشهد ليس مشهدا طوباويا، لقد تحقق على ايدي داعش في العراق وسوريا، فاذا كان الاستعمار الغربي بكل اشكاله يطمح للسيطرة ونهب الثروات كما هي بعض الابجديات فان فتوحاتنا لو قدر لها ان تقوم الان لشملت الانسان ايضا ولوجدت الفرنسيات والايطاليات مثلا يبعن في سوق النخاسة في افغانستان والصومال، ومن ثم لنتخيل ايضا، طبيعة الصراعات التي ستنشأ بين طوائفنا ومذاهبنا المتنافرة حينئذ، اعتقد ان استخدام القنابل النووية سيكون بالمجان مادام كل طرف يكفر الاخر ويعتبره اشد خطرا من اليهود على الاسلام، وما دمنا جميعا نجتر الماضي والثارات بين ابناء العمومة القريشيين..
هذه الصورة ليست للكوميديا، بل هي اهم سبب يدعو الاخرين الى القلق من الاسلام عموما ومن العرب خاصة، لاسباب اهمها: ان العرب حاضنة الاسلام، والعرب قريبون جدا الى اوروبا فلا يفصلهم عنها سوى المتوسط وقد عبروه سابقا، ثم ان المشايخ الاسلامية العربية هي الاكثر تشددا وسلفية وجهادية، وايضا يمتلكون الثروات التي تمكنهم من الحصول على ما يطمحون اليه اذا ما ترك الحبل على الغارب.. ولهذا اتخذ الغرب ومنذ عصر النهضة والثورة الصناعية موقف عدم فسح المجال للعرب للحاق بهم ومسك زمام المبادرة بانفسهم، وهذا الكلام لايطلق جزافا، فموقف اوروبا من محمد على باشا والي مصر زمن الدولة العثمانية مثلا، وقلقهم من نجاحاته في تقليد اوروبا ونقل تقنياتها وصناعاتها ومهاراتها الى مصر دفعهم للتآمر كثيرا ضده مع انه (الباني) وليس عربي( وربما هذا هو السبب الذي دفعه الى محاكاة اوروبا) ومن ثم شن حملة عسكرية مشتركة اجبرته على التوقف أخيرا عن مساعيه لبناء دولة صاعدة، وبذلك انتهت فرصة عظيمة للعرب للنهوض والتقدم وبناء دولة عصرية آنذاك، وقد يعتقد البعض ان اسباب الحرب ضد محمد علي باشا كانت ضمن تنافس وصراع القوى القائم حينها، خاصة وانه كان قد ضم السودان والشام والحجاز الى حكمه، الا ان رقعة مملكته لم تكن بحجم ما تبقى من رقعة الامبراطورية العثمانية التي كانت تحكم جزءا من اوروبا، ثم ان بريطانيا والمانيا والنمسا وروسيا تعاهدت جميعا مع السلطان العثماني لضرب تطلعات والي مصر، مع ان العداء كان يفترض ان يكون للدولة العثمانية كلها ولسلطانها الذي خاض حروبا مع اوروبا، الا انها كانت امبراطورية عاجزة وسميت حينها بالرجل المريض، وبريطانيا كانت تريدها عاجزة هكذا حتى يبقى طريق التجارة المختصر مفتوحا مع الهند واسيا عبر المتوسط والبحر الاحمر بدلا من راس الرجاء الصالح، وفي العصر الحديث يمكن المقاربة مع صورتين: الاولى كانت ظهور عبد الناصر، كصورة لحلم العرب في الوحدة والكرامة والتقدم، وهو القائد الوحيد الذي قدم للقومية شحنة لم تشهدها على مدى تاريخها، ورغم اية ملاحظة يسجلها البعض عليه وعلى نظام حكمه، الا انه شكل ظاهرة قومية امتدت تاثيراتها من الخليج الى الاطلسي، مما دعى الغرب واسرائيل الى اعاقة حركته ومن ثم القضاء على الحلم العربي ، والثانية مع الحكم الوطني في العراق قبل الاحتلال الاميركي الاخير، والذي حاول وبتخطيط ومنهجية دقيقة نقل العراق الى مصافي الدول المستقلة والمتقدمة او في الاقل الخروج من عباءة العالم الثالث، وكانت الخطة الانفجارية التي اعدت للفترة من 1980- 1985 كفيلة بذلك لولا الخبث والتآمر الصهيوني الاميركي الفارسي الذي فجر الحرب بين ايران والعراق وماتلاها من احداث متلاحقة لتنهي ايضا فرصة اخرى للعرب كي يضعوا بصمتهم في عالم اليوم..

لم يعد بامكان اية قوة في الكوكب منافسة الغرب الذي تسيد العالم منذ انطلاق الثورة الصناعية، واخذت تاثيرات علومه وثقافته بالانتشار والتوغل في كل مكان، بعضها صادم وبعضها لا يتلائم مع الثقافات الاخرى، غير ان الجميع مجبر على التعامل معها، يتقبل البعض على مضض، في حين يكون البعض الاخر محتم القبول، وما يرفض اليوم يقبل غدا، انها مسألة وقت قد يطول وهذا من سوء الحظ وقد يقصر لتكتمل دائرة الانتماء الكوكبي الذي بدأ الحديث عنه مؤخرا..

لقد غير الغرب منذ القرن الماضي الكثير من تقاليده وجوانب ثقافته ومازال مستمرا في التحديث، وصنع لنفسه دينا مسيحيا جديدا بعد ان علق شرائع الدين القديم على محراب الكنيسة، ليلبس ثوب الحداثة وما بعدها، ومع هذا التجديد، اصبح للصراع وجهان، صراع ديني بين القديم والجديد معا ضد الاسلام، وصراع الحداثة والعلم والانتماء الاممي ضد التخلف والجهل والانتماء القومي او الديني المنغلق على ارث وتقاليد بعضها لم يعد يتناسب مع متطلبات العصر..

صراع الحضارات يشبه الى حد ما صراع الاجيال، ان لم يكن صراع الاجيال هو النسخة المختبرية المصغرة للصراع الكبير.. فلمن سيكون النصر اخيرا؟.

اقرآ ايضا: الشرق والغرب – ج١

1 تعليقك

اترك رد