الفنانة جيهان سليمان و ( التناول بين اللون والخط )


 

يأتى التناول كفعل يقع بين الإختيار والإضطرار . وهو فى كلتا الحالتين فعل يهدف إلى غرضية إكتشاف حقيقة الأمور والأفكار والتعامل معها وفق إمكانيات الفاعل والممارس لفعل التناول ذاته ، وذلك للوقوف على ماهيتها وجوهرها بعد إخضاعها لملكات الفكر ومكتسبات التعلم وخبراته التراكمية الهاضمة ، والتى ينتج عنها إستخلاص وجهة النظر المعبرة عن الفاعل الممارس لفعل التناول و العاكسة لنتيجة فعله . وتأتى تجربة الفنانة الجادة د/ جيهان سليمان . واحدة من التجارب المرنة والمحملة بمستخلصات معالجتها لما تتناوله من أطروحات . والتى قد يراها البعض إحدى حالات التعبير التجريدى الثرية لونيا وخاصة فى مراحلها الأولى ، والتى أعقبت فترة دراستها الأكاديمية ، تلك المرحلة التى إنكبت فيها على ممارسة أطروحات للتجريد التعبيرى الفوضوى والذى يهتم بتوظيف اللون بصورة أساسية . ويأتى الخط الحر فيه بمثابة الدروب التى تقطعها فى مسيرة بحثها . وكلاهما معا كونا حالة خاصة بها ومميزة لمشهدها التجريدى المصور ، والذى نشعر معه بجديتها فى ممارسة البحث عن الأصول والماهيات للكثير من المفاهيم والعلاقات التى بدت قريبة من المقاطع العضوية للخلايا الحية . غير أن القارئ لتجربتها بروية وتمهل يجدها من التجارب التى تسير فى سياق ذو علاقة بالتطور فى منجزها والتدرج فى خطواتها ، وكذلك بالتعدد فى أفكارها ووجهة نظرها تجاه المثير الإبداعى لديها . وإن كانت تناولاتها تحمل مسحة من التروى وعدم الإندفاع . إلا أن ذلك التروى يقابل بدرجة من الثبات والرسوخ ، وهى من التجارب التى تسير وفق تناولات تتميز بالجمع بين بهجة اللون وبين أسلوبية الخط الذى تأرجح بين الحرية والإنطلاق فى عفوية مقصودة ، وبين الإلتزام بهندسية محسوبة تعكس القصدية القابلة للتأويل . .

fb_img_1479923272917
وتتمتع تجربة الفنانة / جيهان سليمان ببعض السمات والصفات الخاصة بها والتى تطورت ونمت مع الإسترسال فى الممارسة التشكيلية والمضى فى تأكيد التجربة . والتى أرتكزت على ثلاثة محاور رئيسية . الأول وهو المثير الإبداعى الذى أوجدته وأنتقته من واقعها سواء الزمنى أو المكانى ليكون مادة التناول القابلة لممارسة معالجتها النوعية الخاصة بها . والثانى وهو المحور اللونى و تراكيبه وخامته وأساليب تداخلها وتناغم دراجاتها بما يحقق لها جملتها الخاصة ومفرداتها البارزة ، و الثالث وهو محور الخط وما يعنيه فى تجربة الفنانة / جيهان سليمان من أهمية ودلالة لما يحويه من رسائلها الخاصة للمتلقى . وما توجده من إحداثيات ضرورية تعبر عن جغرافية نصها البصرى المصور . وقد لعب المحوران الثانى والثالث والمتمثلان فى اللون والخط سواء منفلصين أو متدخلان دورا هاما فى إبراز قيمة ودلالة ما فى مفهومها من جوانب متناولة . كما لعبا معا دورا هاما على المستوى التصميمى للمسطح الخاص بها . وإيجاد ما يلزم من حلول تشكيلية تعد بمثابة معابرها الخاصة لتمرير قصديتها فى العمل . كما أكسب أعمالها صفات مميزة وسمات تشير إلى شخصيتها فى التصوير . والمتابع لتدرج خطوات ومرحليات التجربة التشكيلية لدى / جيهان سليمان من خلال تلك المحاور الثلاثة . يستطيع أن يدرك أنها قد تمسكت بتلك المحاور كمقومات فى كامل تجربتها والتى نستطيع أن نقسمها إلى ثلاث محطات رئيسية . وهى مرحلة الفوضاوية ذات الطابع التجريدى التعبيرى . ومرحلة الطبيعة الصامتة من خلال السياق التجريدى الهندسى . ومرحلة التشخيص المقروء من خلال صياغة يختلط فيها التجريد بالتعبير وتأتى الهندسيات تارة مكونة أشكال وتارة محدثة محاور .
وقد خطت الفنانة / جيهان سليمان أولى خطواتها فى تجربتها التشكيلية بتلك البداية المنطقية ، والتى أستطيع وصفها بأنها مرحلة إكتشافها لمظاهر عالم التصوير من وجهة نظرها . وقد حملت تلك المرحلة فى أعمالها جانبا هاما من شخصية / جيهان سليمان المصورة ، وهو ذلك الجانب الذى أظهر جرأتها فى تناول موضوعاتها ، والتى بدت فى بداية الأمر مجرد معالجات لعلاقات عضوية يراها المتلقى تارة تشبه تفصيليات الخلايا العضوية والمقاطع المجهرية الهادفة إلى التمحيص والفحص ، والتى تدلل على إهتمامها لإكتشاف الأصول والماهيات للأمور المتناولة . وقد تميزت هذه المرحلة بتلك الحدة اللونية والزهاء وقد طغت عليها أساليب التلوين التبقيعية الممزوجة فى بعض مساحاتها بالتنقيط . وأستطاعت أن تمزج بين اللون ومعالجات الخطوط والتنفيط الموظفة إيجابيا لخدمة موضوع الطرح لديها ، ولم تقتصر تلك المرحلة على التجريد المبهم والفوضاوى المتعدد التفسير والتأويل والباحث فى أصول المفاهيم والتناولات ، كما لم تكتفى بمسألة التجريد اللونى وتداخلات الخطوط والنقاط ، بل ذهبت / جيهان سليمان إلى توظيف وتطوير منجزها فى تلك المرحلة لتطرح لنا موضوعات ذات علاقة بالتشخيص تارة ، وبالرمزية المعبرة عن واقع الأحداث الحياتية سياسية كانت أو إجتماعية ، وكذلك بأفكار تصدع الكيان العربى سياسيا ومجتمعيا وفكريا وما يحدثه ذلك من إنعكاسات على مجريات الأمور على الساحة الإقليمية والعالمية ، ومدى تأثرنا كمجتمع بتلك التصدعات وتأثيرها على واقعنا بشكل عام ، وفى مجمل تلك المرحلة مكنتها مثيراتها الإبداعية من إيجاد ذلك الزخم الذى حمل أعمالها بذلك الحديث الصاخب والعميق . وهذه التفاصيل الجمة . ولا شك أن تلك المرحلة كانت من الأهمية فى تجربتها بشكل عام ، لما لها من تأثير جيد أسهم فى صقل الأفكار لديها وكذلك فى تراكم الخبرات التقنية وطرق المعالجة سواء تقنيا أو تشكيليا ( على مستوى الخط و اللون وحلول المساحة ) .

fb_img_1479923867652

وتنتقل الفنانة / جيهان سليمان . من مرحلتها الإولى حاملة ألوانها وخطوطها اللتان عبرت من خلالهما عن طاقة الإنطلاق الأولى وما بها من حماس وزخم وشهية فنية ، لتدخل مرحلة الطبيعة الصامتة . والتى تعاملت معها من منظور جديد لونيا وخطيا ( هندسيا ). وقد تخلت فى تلك المرحلة عن ذلك الطابع الفوضاوى التجريدى المعبر ، والذى يعكس تناولاتها المطروحة عن موضوعات على خلفية البحث فى الأصول وكذلك أطروحاتها التى تناولتها على خلفيات تعبر عن الأحداث العامة المحيطة ، وبدأت فى إيجاد مشهد يتسم بالهدوء اللونى والعلاقات الهندسية الحادة لمفرداتها وأشكالها التى تمثل عناصر المشهد .كما بدأت تباينات اللون الواحد والتدرج فى الظهور بتلك المرحلة . وقد بدت تناولاتها لمشاهدها تأخذ منحى الرسوخ مع مرحلة الطبيعة الصامتة والتى أتت مميزة وأكثر لطفا فى قراءتها ، ولكنها حملتها بدلالات ومفردات ومعانى أكثر مرونة ، وتقبل التفسير المتنوع لدى المتلقى رغم وضوحها . فبدت مفردة ثمرة ( التفاح ) الشهيرة تاريخيا فى الظهور ، وكذلك مفرد ( الكرسى ) وما يحمله من دلالات سواء تاريخيا أو إجتماعيا . كما تناولت مشاهد الطبيعة الصامتة المعتادة والتى تحمل نمطية الوضعية . والتى يعكف الغالبية من الفنانين على تناولها . إلا أن أحاطتها بتلك المعالجة اللونية والشكلية ( الخطية / الهندسية ) الخاصة . وبدت تحمل مسحة هندسية حادة رغم هدوء ونعومة ألوانها . وقد أوجدت من خلال تلك المرحلة تضادا مستساغا . لا ترفضه العين وتجد في مطالعته بصريا حالة من الإنتظام الذى ينبثق عن مدارات هندسية .

fb_img_1479925377448
أما المرحلة الثالثة والتى نلمح فيها إمتدادا وتطويرا لأسلوبها فى الطبيعة الصامتة . فقد أضفت إلى المشهد حالات الحياة بإدخال العنصر البشرى والتشخيص من خلال تناول حالات تصويرية لشخوص منفردين أو مجتمعين . وكذلك ثنائيات تنوعت بين رجل وإمرأة ، أو إثنان من النساء أو من الرجال . وأتت الطبيعة الصامتة كمفردة مكملة فى المشهد . وأصبح الشخوص هم من يحتلون صدارة المشهد وبطولته . وأكثر ما يميز تلك المرحلة هى تلك الحلول الهندسية التى إستعاضت بها عن رؤوس الأشخاص لديها . والتى أراها كمتلقى وتقع فى فهمى على أن الشكل الهندسى المستعاض به عن رأس الشخص يحمل دلالة الصفات لهذا الشخص . وكذلك الالوان التى إستخدمت درجاتها بنفس الزهاء والوضوح أتت معبرة عن ما يقابل اللون من صفات لدى الشخوص . وأتت الخطوط تارة فى إسترسال وتارة فى تقطع معبرة عن تلك المحاور الحياتية لشخوص أبطالها ودروب إتصالهم والخطوط الفاصلة بينهم . وربما تكون تلك الحلول الذكية لدى الفنانة المجدة والمجتهدة د/ جيهان سليمان تأتى بقصدية مغايرة لما وقع فى فهمى كمتلقى ، ولكنها بكل تأكيد تصدر وتعكس أمورا حياتية ونفسية وإجتماعيا خاصة بشخوصها . وليست أبدا مجرد حلول بغرضية ظاهرية لإيجاد المغايرة فى الأسلوب عن غيرها من المصورين . والمرحلة فى حد ذاتها تعد أرضا خصبة لجيهان سليمان تستطيع من خلالها طرح قضايا متعددة والتعبير عن وجهات نظرها فى العديد من الأمورات الحياتية سواء الخاصة بها وبفكرها ووجهة نظرها ، أو أمورا عامة تخص محيطها من أحداث ومتغيرات مؤثرة فيها كفرد فى هذا الواقع المجتمعى ، أو مؤثرة فى أقرانها من أفراد المجتمع .

fb_img_1479925227447
إن تجربة الفنانة الكبيرة / جيهان سليمان . إحدى تلك التجارب التى تعكس جهدا وكدا على خلفية شخصيتها المثابرة فنيا ، والتى تسعى إلى إيجاد مساحة لأعمالها ومنجزها فى التشكيل المصرى من خلال إنكبابها على إنتاج عمل مميز بصريا ولا يخلو من قيمة فكرية محملة به . وهى من التجارب التى دائما ما يحمل جديدها مغايرة وتطويرا على مستويات عناصرها اللونية والخطية ، وكذلك على مستوى طرحها للأفكار والمعالجات التشكيلية بشكل عام . وهى من التجارب التى قطعت أشواطا قد تبدو بطيئة وهادئة نوعا ما . إلا أنها تحمل تلك الصفة الناجحة والمتطورة فى تناولاتها ، وذلك من خلال المثير والمحفز الإبداعى ، والذى أوقعته بتناوله بين الخط واللون ، لتنتج منه منجزا يحمل بصمة وخصوصية لا تخطئهما العين .

fb_img_1479925257564

لا تعليقات

اترك رد