هل الطبقية في البلاد العربية معطى ثقافي ّ ؟


 

لا يختلف اثنان في أن المجتمعات البشرية في كل زمان ومكان كانت مجتمعات طبقية.ولا يختلف اثنان أيضا في أن الطبقية في كل أنحاء العالم زمانا ومكانا هي إفراز لنظام اقتصادي جائر لا يعدل بين مختلف الفئات ومن هنا تتكدس الثروات في يد البعض وتُمنع عن البعض . ولكن المتتبع لمفهوم الطبقية في البلاد العربية ولجذورها يلحظ سمة أخرى مختلفة تماما ، فالمفهوم مترسّخ في الثقافة العربية منذ نشأتها ، والتفكير الطبقي الذي يُعلي مبدأ التفاضل بين الناس على أساس الثروة وامتلاك المال ، مترسّخ في عاداتهم القديمة وفي أشعارهم منذ الجاهلية ، وفي لهجاتهم الدارجة بما تنطق به من دلالات ، وحتى في ما أقرّه الإسلام وهو الديانة التي تحتكم لها أكثرية العرب . نجد تجليات ذلك في تراتبية المجتمع الجاهلي المنقسم إلى عبيد وأسياد و اللذان يفصل بينهما سد ّ منيع ليس في نمط الحياة فقط ، وإنما حتى في التربية التي يعد ّ كل منهما لها فالسيد معد ّ لفنون القتال والعبد معد ّ للخدمة . بل يصل الفصل بين الاثنين إلى الأسماء التي تــُطلق على كل من العبد والسيد حتى أن بعض الدارسين للأسماء العربية قديما انتهى إلى أن العرب ” يسمّون أبناءهم لأعدائهم ويسمون عبيدهم لأنفسهم ” فابن السيد هو ضرغام وأسد وحنظلة وحسام ومهنّد … .. أما العبد فهو مبروك ومسعود وكافور .. ، كما نرى التفاضل الطبقي في مفاهيم السيادة والحُكم التي تخوّل للرجل أن يرأس القبيلة وهي مفاهيم تستوفي ما هو قيمي كالقوة والفروسية ونبل الطبع والشهامة ، ولكنها تستوفي أيضا ما يختص بامتلاك المال إذ من ملامح السيادة أن يكون الرجل ذا ثراء ومال ، وحتى مع القيم الأخلاقية التي يتفاضل فيها الناس لم تنج بعض القيم من ذلك التمايز فالكرم قيمةًٌ أثيرةُ في الوجدان ولكنها لا تستقيم إلا مع الملكية ّ ، وهي وإن كانت من الفضائل المعنوية ، إلا أنها لا تتهيأ إلا لمن يحوز شيئا يمكن أن يُعطى . نرى النزعة الطبقية أيضا حتى في صورة المرأة التي أجمع الشعر على أنها مدلّلة ، مترفة ، نؤوم الضحى وناعمة اليدين ….وكلّ من يدرس الشعر الجاهلي وحتى ما أعقبه في القرون الهجرية الأولى يلاحظ تكرارا لمعنى الدّلال والترف في صورة المرأة ، ليس مقاربة جمالية فقط ، وإنما انتماء لعلية القوم ويتكرر ذلك في قول الشعراء فيقول امرئ القيس مثلا :
ويــُضحي فتيت المسك فوق فراشها نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل

ويقول شاعر آخر هو مهيار الديلمي وبعد قرون من ذلك :
ساهرة الليل نؤوم الضحى ريّانة والأرض تشكو الظمأ

وبتكرار ذلك في شعرهم تتردد ّ نفس الصورة : امرأة غنيّة بمالها عن خدمة نفسها وعن قيام الصبح .

أما ّ مع الإسلام فقد تجلّى الحضور الطبقي مع مفهومي الزكاة والصدقة ، ولا يستقيم المفهومان إلا بشرعنة الطبقات : فهناك من يملك ، وهناك من يأخذ مِمّن يملك ، نوع من التعاون ، ولكن دون إذابة للطبقات، والمسلم الذي يحتكم إلى دينه مرجعا يؤمن كل الإيمان أن الطبقية هي سنة الله في خلقه . وكذلك الشأن في الأعراف والعادات والتقاليد ، إذ يذهب التقسيم شوطا أبعد نرصده في أفعال الناس وحتى في منطوقهم ، وليس أكثر وضوحا من القول : تزوج فلان ابنة عائلة ، وتزوج ابنة ناس …وابنة ” فاميليا ” وفلان ” ابن عز ” و” ولد دار كبيرة ” مع اختلاف ذلك المنطوق من لهجة دارجة إلى أخرى. ومعنى العائلة والناس هنا ، يعدُل عن معناه الأصلي المضمّن في المعاجم ليصبح مرادفا للحسب ونسب .ولا يستقيم ذلك إلا بالثروة ، وليست اللهجات مجرد حامل للمفاهيم ، وإنما تنبئ بمخزون فكري يتداوله الناس في ألفاظهم وهذا ما هيأها لتكون مبحثا مستقلا بذاته لأنه محمّل بثقافة الناس : ما يتلفظونه ، وما يسكتون عنه .

ولا يعني هذا الخطاب التحامل على هذه الثقافةِ لمجرد أنها طبقيةٌ ، فجلّ المجتمعات الإنسانية كذلك ، كانت ومازالت ، وحتى تلك الأنظمة التي نشدت إنشاء مجتمع إنساني يخلو من التفاوت ، فإنها لم تحقق الحلم تماما ، بل إن بعضها انتهى بها الأمر إلى انتكاسات جسيمة ونخصّ منها ما اصطلح عليه بالاتحاد السوفياتي سابقا أو مجموعة البلدان الواقعة في أوروبا الشرقية ممّا يكشف تعسّر الحلم و إكراهات تحقيقه .. وكل ذلك طبيعي ّ ، ولكن ما ليس طبيعيا ّ ،هو اعتبار الطبقية طبيعية . وهذا المنحى قد استقر بقوة التشريع إما الديني وإما ما استقر عليه الناس في عاداتهم وتقاليدهم وموروثهم ولذلك من السطوة ما لا يخفى . وهذا سبب رئيس في جعل المجتمعات العربية تتشظى ، وفي جعل الفرد لا يشعر بالانتماء بما يكفي عندما يكون فقيرا بل مفقّرا ،مع تنامٍ في روح الكراهية والبغضاء والحسد والنقمة الاجتماعية … وقبل كل ذلك في خطر النظرة للإنسان الذي لا يتحدّد بما هو عليه ، وإنما بالقيم المضافة إليه وهي هنا امتلاك المال . فهل يمكن إذن خلخلة مفهوم استقر ّ بقوة الثقافة وقوة التشريع ؟

1 تعليقك

اترك رد