صور للوطن


 
(لوحة للفنان سمير السعيدي)

الصورة الأولى: اليقين

أجنحةٌ ترتجفُ تخشى السقوط؛
أغصانٌ تميلُ نحو الأرضِ وجلةً؛
جموعٌ تعصفُ غاضبةً..
والدهاليز طويلة.
يا قناديل السماء البعيدة،
الوطن يحمل عِقداً من أمل،
وأنا أمتطي حلماً لا يموت.
كلُّ المراكب، مراكبِ الحزن،
تبحر صوب الليالي،
والصورة تحكي عن نخيل يتأوّه،
عن جذوع كأعمدة مكتومة الأنفاس
تغادرها الطيور فزعة.
وأنا، التي ينفجر شوقي
براعمَ وارتعاشاتِ حنين،
هل يصير الليل بيتي؟
يتكدّس الهمّ ثقيلاً،
وتنام الأرصفة.
أرى جرحاً ينادي،
رؤوساً تتدحرج،
وأنينَ الصخر يعلو.
يا منائر كربلاء، وبساتين النخيل؛
يا مآذن من أنين،
ويا بيادر من ألم،
زهرتي ضاعت بأرجاء السجون،
وتعالت صرخاتٌ وعويل،
واختفت كلّ الصور.
تصمت الروح، تطوف،
ويغيب الظلّ في وضح النهار،
وتعود أمّي لاهثةْ
وجهها قلقٌ مخيف.
ثم يأتي الموت فجراً
بحبال وقيود،
ويؤوب الفجر وتنكمش الزهور.
يا زهوراً تتشابك،
وأنامل تدنو صوب الياسمين،
منكِ يأتيني اليقين.

الصورة الثانية: إلى أين؟

تنتابُ روحي ترانيم حزينة،
أغرقُ في صمت الذهول،
والحزن يلّفُ ليلي، والمرايا، والصوّر.
أجرجرُ أطراف المدن المسبيّة
ويجيئ الموتُ رحيلاً من جديد.
ظلامٌ، ظلامٌ، ظلام..
وأنا فيه أتيه.
ثمة وجه ينادي من بعيد:
إنّها أميّ
في طينٍ غريني مخيف،
بلهاثها الآدميّ تستغيث.
وأظلّ أبحث عن دليل،
أنثر ما تبقى من فرح
بعد أطول انتظار،
والمسافة لم تزل طويلة
بين أمي والطريق.
يأتي الصبح آثماً،
يعلن الخطيئة باباً للدخول.
أرتعشُ خوفاً إذا الناقوس بكى،
وإذا البؤس اعتلى
جدران روحي.
يا نجمة الصبح، أعينيني.
فأنا الآن أغامر
خلف أسلاك الحدود،
وأعاهد الحبيب والوطن
أني سأحرس الحلم
من متاهات الطريق.

الصورة الثالثة: الحُلم

وأنا موجة هائمة
تحطّ على أجنحة العشق،
تعتلي أحلام الصفاء
عند أبواب السماء.
نظرات حفاة الشاطئ المجنون
ترنو إليها، ثم تمضي.
لا تلوموا موجة تحلم،
ويتيماً يرفض الوالي وصياً؛
لا تلوموا تائهاً يبحث عن دليل،
أو جائعاً يحتمي الجوع ببطنه.
تتوهج أعمدة السماء،
تحتشد الأفواه المفتوحة
كسعة النهرين دهشةً..
استياءٌ وهلع.
وتتوارى خلف أسرار المنايا
ابتهالات امرأة لا تعرف المستحيل.
الجميع يرقص رقصة النزع الأخير،
وتبقى هي تدور مع اشتعال سعف النخيل.

الصورة الرابعة: الرحيل

ألمٌ، وصمتٌ، ووجهٌ حزين.
شرعت شجرات النخيل تروي
قِصة المهجر
والمقتول يحتضن الحياة،
والثكلى تعيد رسم أبنائها.
يلفّني الحلم وأعرف،
إبّان تشرّدي،
بأنني سأعود.
فأنّى توجّهتُ ثمة وجه بغداد الحزين.
سبحانكِ بغداد!
سبحان من يشعل شمعة
في أيقونة العيد،
ويرتّب الأزهار في صحن المواعيد،
ويقبّل وجه الأرض
وحبّات التمر والتين.
بغداد،
يا إرادتي الأولى
وشهوتي الأخيرة،
من أين يأتيني كلّ هذا الحنين؟
سلامٌ عليكِ، بغداد؛
سلامٌ حتى مطلع الميلاد.

لا تعليقات

اترك رد