شكلية المشاركة بالحكم وانعكاساتها


 

منذ تغيير الوضع السياسي العراقي منتصف 2003 لغاية اليوم، ونحن نسمع أصواتا تطالب بأن تكون إدارة السلطة الجديدة وفق مبدأ (المشاركة)، مما جعلنا نتصور- بفضل هذه الأصوات – أن العمل بهكذا مبدأ سيحلُّ أحجية إدارة الدولة العراقية المستعصية لدى القائمين عليها، رغم الفهم المغلوط لهذا المبدأ من قبل العامة أو من قبل الداعين لتطبيقه، لأن مبدأ المشاركة في ادارة الحكم سلاح ذو حدين ، قد يزيد إغراق البلد اذا طُبِق بصورة شكلية أو قد يكون تطبيقه سبيلا لأنقاذ البلد من الفوضى إذا ماطبق بمعناه الصحيح.

إن الثقة المنعدمة بين المكونات السياسية والمذهبية والقومية كانت ولا تزال سببا رئيسا بجعل مبدأ المشاركة ظرورة حتمية، وما الأصوات التي علت إلا اعترافا منها بعدم ثقة الفرقاء فيما بينهم، حتى تحوّل مبدأ المشاركة من وسيلة لقيادة البلاد إلى غاية بحد ذاته، وهي المشاركة لغرض المشاركة، مما دفع مراكز القوى المتنفذه من استخدام الحد الأول من سلاح المشاركة وتطبيقه (شكليا)، وكما أشير في بداية المقال ما قد يترتب على ذلك من نتائج سلبية، كل ذلك من أجل إظهار صورة مشرقة أمام الرأي العام لسير العملية الديمقراطية حديثة العهد، وهذا بدوره يعكس مدى قوّة الرأي العام برفع شأن القضايا المتعلقة به أو الحط منها، بدءاً من تصرفاتنا الفردية انتهاءً بالقرارات التي تتخذها الحكومات والدول.

وهذا ما لاحظناه مسبقا عندما عملت أمريكا عند دخولها العراق بهكذا مبدأ حين أشركوا أعدادا قليلة من جنود بريطيانيين ويابانيين وإيطاليين وغيرهم بإحتلالهم العراق ليعكسوا صورة للرأي العام الدولي والمحلي بأنهم قوات متعددة الجنسيات جاءت تحرر العراق وليس احتلاله، فقد واجهت حينها اعتراضا دوليا بدخولها العراق، ورغم ضربها لقرار مجلس الأمن عرض الحائط منفذة مسعاها رغما عن الجميع، لكنها لم تغفل أهمية الرأي العام، فألقت صبغة المشاركة في الحرب لتخفيف الضغط الأممي والجماهيري عليها.

في الواقع إن مصطلح (المشاركة) أصبح مستهلكا كالعديد من المصطلحات التي استهلكت وتحولت من قيمتها الجوهرية السامية إلى شعارات تجلب مكاسب شعبية ومادية مثل: (إنقاذ الدين، الدفاع عن المذهب، أمريكا الشيطان الأكبر، إسرائيل عدوة الشعوب، أخواننا السنة، لافرق بين سني وشيعي، الديمقراطية ……) مما جعل أصواتا جديدة تعلوا مشككةً بالمشاركة الحاصلة وشكليتها متهمة السياسيين السنة المشتركين في الحكومة أبان حكم المالكي (بسنة المالكي) مشبهين ذلك (بشيعة صدام) عندما كان الأخير يطعّم مجلس قيادة الثورة بقيادات شيعية وهم بطبيعة الحال شيعة السلطة فقط، حيث لايعكس منصبهم أي فائدة على طائفتهم، كما هو اليوم حين نلاحظ المعاناة من الإهمال وعدم توفر الخدمات وانعدام الأمن والخوف على الوطن وتصدع الدين هي شكوى بإمضاء سني شيعي كردي مسيحي يزيدي رغم أن من يدّعون تمثيلهم مشتركون في إدارة البلد وهي الطامّة!

فهل بعد ذلك نؤمن بالمشاركة والمشاركين؟ التي أ ُنهكت وأ ُنتهكت البلاد في ظلهما، وهل نتحمل صداعا ً من نوع جديد؟ نصاب بها من مصطلحات مستحدثة يطلقها متخبط لا يعرف بنتائجها “كالمصالحة الوطنية أو التسوية السياسية” وكأننا في صالة قمار أو داخل مضيف في قرية ، وليس في دولة من المفترض أن يكون القرار الحاسم فيها هو سيد الموقف، تقلل من بؤس الشعب لا أن تورثه شيئا من تخبطها وتزيد رصيده من البؤس رصيدا جديدا كالتخبط بالحياة والدين والتخلف في السلوك والانحلال بالقيم، ودائرة متكاملة من الفساد لايجرأ ُ أحدٌ على اقتحامها.

إن العراق بحاجة ماسة لنوع خاص من المشاركة، هي المشاركة في بناء الإنسان والقيم وشخصية الفرد العراقي على أساس متين من الثقة ونبذ الكراهية والطمع، والتطلع نحو المستقبل وحب الحياة، بإشراك كفاءات بصورة حقيقية وليست (شكلية) يكون بناء العراق والشخصية العراقية الشغل الشاغل لها بعيدة عن نفس المذهبية والقومية والعرقية ، حينها سوف يخمد كل صوت يدعو للمشاركة المقيتة التي غايتها الهدم والنفعية والتي بسببها مهدت أرضية خصبة لنمو الإرهاب والقتل.

لا تعليقات

اترك رد