لماذا يهرب الجناة والمجرمون في ليبيا؟


 

ارتكاب جريمة في ليبيا والهروب منها أمرًا سهلا جدًا، فقط امتلك مجموعة مسلحة، وغطاء إجتماعي بحماية قبيلة كبيرة، بعدها افعل ما تشاء.. ولا تخشى قانون لأنه غائب ولا أجهزة أمنية تقبض عليك لأنها منقسمة ومخترقة، ولا تخشى حتى القصاص لأن الدولة في إجازة..

في كل يوم في ليبيا، نسمع عن حالات اختطاف ساسة أو رجال دين أو عسكريين أو حتى أطفال.. وتختلف الدوافع حسب الشخصية، فهناك دوافع سياسية بغرض التصفية والتفاوض أو من أجل “تأديب” صاحب الرأي نفسه المخالف لهذه الميليشيا، وبعضها دوافع إنتقامية لمجرد فقط الترويع والتخويف للآخرين، وجزء منها دوافعه “جنائية” كون بعض المجموعات المسلحة أصبحت “سبوبة” للبعض لطلب فدية أو منصب..

قصة المجموعات المسلحة بدأت بعد إعلان التحرير أو قبيله، وبسبب حالة الفراغ الأمني والسياسي التي عاشتها البلاد بعد إزاحة نظام معمر القذافي الغاشم، كل مجموعة قاتلت أو تسلقت بعد ذلك ثورة فبراير، احتفظت بمخزونها من الأسلحة الثقيلة والخفيفة، وخلال الحكومات المتعاقبة “وأغلبها حكومات ضعيفة”، تم الإعلان كثيرًا عن مشروع جمع السلاح وحل هذه الميليشيات وجعل المنظومة الأمنية، الجهة الوحيدة المتحكمة في السلاح والتأمين، لكن فشل هذا المشروع جدا، وأصبح السلاح متاح أكثر من السيولة في المصارف، وتواجد حتى في يد الأطفال.. ومن هنا بدأت المشكلة، كون كل فصيل احتمى بمجموعة، وكل قبيلة أو منطقة دافعت عن وجود ميليشياتها، لأن التناحر القبلي والمناطقي لازال موجود في ليبيا للأسف، ومن ثم فشلت الدولة في حل هذه المجموعات المسلحة.

.. وبوجود مثل هذه المجموعات المسلحة الخارجة عن القانون، تواجدت الجريمة بقوة، وأصبح الخطف والقتل أحد أدوات الترويع وتثبيت السيطرة والتحكم، ولا أحد فوق الخطف أو القتل، فتم اختطاف رئيس الحكومة السابق على زيدان في 10 أكتوبر 2013، كما تعرض رئيس المؤتمر الوطني العام نوري بوسهمين لعملية اختطاف مماثلة، في يناير 2014 ، وهكذا بدأ مسلسل الخطف والترويع.. ومؤخرا وصل الأمر إلى الإخفاء القسري والقتل أحيانًا مثلما حدث للداعية نادر العمراني الأمين العام لهيئة علماء ليبيا، والذي قتل على يد مجموعة تعرف باسم “المداخلة”، وجاري التحقيق لإثبات ذلك.
مهما كانت دوافع هذه الجرائم، إلا أن غياب الدولة والإفلات من العقاب، وعدم محاسبة الجناة أو حتى معرفتهم والقبض عليه، هي الأسباب الحقيقية لانتشار الجريمة.. وفي ظل الاحتقان الدائر وأزمة الثنائيات في ليبيا والانقسام المؤسسي، تظل العدالة غائبة وعاجزة عن محاسبة هؤلاء وردعهم، لأن رجال العدالة أنفسهم كانوا في مرمى النيران (راجع اغتيال النائب العام الليبي السابق، المستشار عبد العزيز الحصادي، بمدينة درنة، في 8 نوفمبر 2014).

أضف للجرائم السابقة، ما فعله الساسة والعسكريون في البلاد، من تدمير وانقسامات وحالة احتقان في الداخل، أشعلت فتيل الحرب الأهلية “الغير معلنة حتى الآن”، وبسبب فشل أغلب التجارب السياسية سواء من مؤسسات تشريعية “المؤتمر الوطني والبرلمان”، أو حكومات كل منهما، وفشل الأحزاب أيضا والكثير من مؤسسات المجتمع المدني والغياب التام لدور القبيلة في رأب الصدع ورفع الغطاء عن المجرمين من أبنائها، ولا ننسى أبدا العسكر وما فعلوه من تدمير في الشرق الليبي، ومحاولات الإنقلاب على المؤسسات المنتخبة، كل هذا المشهد الضبابي جعل ليبيا “شرقا وغربا وجنوبا” مرتعا للقتل والخطف، وجعل كثيرون حانقين على ثورة 17 فبراير ومخرجاتها لأنهم باختصار لم يروا تغييرًا.. والحقيقة هذا ظلم كبير للثورة، فالأخيرة انتهت فعليا بإعلان التحرير ومن ثم فكل شء ارتكب باسمها بعد ذلك هي منه براء..

تفعيل العدالة.. بناء منظومة أمنية موحدة ومتماسكة.. رفع الغطاء الاجتماعي عن المجرمين.. تحقيق مصالحة شاملة.. تمكين الأجهزة التنفيذية والرقابية من أداء عملها.. حل الميليشيات المسلحة الخارجة عن القانون… هذه فقط وسائل عودة ليبيا الدولة والقضاء على ظاهرة المجرمين الهاربين من العدالة والمحاكمة…

حفظ الله ليبيا وثوارها وكل مخلص يسعى لرأب الصدع ودرء الفتن.. من أجل دولة ديمقراطية حرة الإرادة والقرار.

لا تعليقات

اترك رد