وهم المؤامرة والماضي المجيد – ج2


 

إننا نعتقد أن فكرة المؤامرة لا تنمو إلا في تربة المجتمعات المنخورة بآفة الاستبداد والطغيان والفساد الذي تحولت الأوطان بموجبه إلى ما يشبه الحطام التاريخي، بعد أن تحول المواطن ذاته –الذي هو أساس البناء الوطني- إلى مجرد أداة انفعالية بالموقف والحدث توجه من قبل السلطات والجهات الوصائية العليا بلا حس ولا أدنى حرية أو تفكير أو إحساس بالواقع.

كما أن نظرية التآمر الخارجي لا توجد ولا تتطور إلا في المجتمعات المريضة بالتخلف الفكري والثقافي والسياسي، والتي تبدي –نتيجة لتلك الأمراض- استعداداً وقابلية ومرونة عالية لتقبل وهضم فكرة ونظرية التآمر الخارجي، باعتبار أنها مجتمعات منهكة غير منتجة تعتاش على قوت ونتاج غيرها من الحضارات والأمم المتقدمة، ولهذا فنظرية المؤامرة تريحها من العمل والتفكير الإبداعي الذي يحتاج لبذل جهد حقيقي غير متوفر عند مجتمعاتنا للأسف حتى الآن.

إن فكرة المؤامرة هي فكرة مرضية مزروعة في نفوس الأفراد الكسالى المتقاعسين عن العمل، والراغبين أيضاً في إعطاء إجازة طويلة لعقولهم بعيداً عن التفكر والتدبر والعمل المبدع الخلاق.. وهي لا تسري إلا في الدول المتخلفة التعبانة والمنهكة من الاستبداد والفساد كما ذكرنا..

طبعاً هذا لا يعني أن كوكبنا الأرضي نظيف وخال من المؤامرات والمكر والدسائس، ولا يعني أنه لا توجد مؤامرات ومخططات بين الدول والمجتمعات والأفراد والأحزاب، بلى، توجد مؤامرات وصراعات دولية وأطماع واستراتيجيات نفعية مصلحية لهذه الدولة أو تلك القوة الكبرى، ولكن ذلك يكون محكوماً بمنطق المصالح المتبادلة، خاصة في عالم اليوم الذي لا تحترم فيه الدول والقوى إلا بمقدار ما تنتجه وتقدمه وتتفوق به على غيرها من الدول، فلا مكانة ولا احترام للمقصرين والمتخلفين والمتقاعسين من الدول والحضارات حتى لو كانت لها في يوم ما سيادة وألق كبير.. كما أن هناك فرقاً بين أن تلغي أمة بأكملها دورها وفعلها التاريخي المطلوب بناء على احتلال الفكر والعقلية المؤامراتية لكل مواقعها وأدوارها، وبين أن تعمل الأمة -من خلال ما تختزنه من إمكانات وطاقات هائلة- على مواجهة تلك الدسائس والمؤامرات بالعقل النقدي الخلاق المنفتح، القادر على بناء منهجية نقدية واضحة المعالم والرؤى والأهداف، بما يحتم مراجعة الأوضاع دائماً على مستوى الذات والموضوع..

والواضح أن الدول العربية التي تتعيش وتقتات على الفكر الدسائسي والمؤامراتي هي نفسها تتآمر (بغباء طبعاً!) على الآخرين (دول وأحزاب ومجتمعات)، وتؤمن بهذه الفكرة كإستراتيجية ثابتة في سياساتها الخارجية والداخلية، ثم تشتكي منها عندما تشعر بالخسارة والهزيمة، وتبدأ مرحلة الحساب والمساءلة أمام مجتمعاتها..

وقد لاحظنا أن أكثر الدول قناعة بهذه الفكرة، وشكوى منها، أكثرها تخلفاً وفقراً وفساداً واستبداداً.. فلاهي تحترم (أو سبق لها أن احترمت) مواطنيها، بل تعاملها كغرباء عنها وكأعداء لها خاصة عندما يطالبون باستعادة أدوارهم ومصائرهم، أو يجاهرون علناً بأبسط حقوقهم الإنسانية من حرية وكرامة وعدالة، ولا هي تجهز مجتمعها لمواجهة مؤامرات الخارج من خلال إعطاء الناس حقوقهم، وبناء مجتمعات تنموية قوية، وإشعار الناس بوجود كرامة حقيقة لهم..

وكثيراً ما نجد أن دعاة التيار الإسلامي بالذات يتعيشون على تلك الفكرة، إلى جانب دعاة القومية العربية كما ذكرنا، حيث نجد أن هؤلاء لا يزالون يصارعون الغرب، ويتهمونه بأنه مسؤول مباشرة عن فساد ودمار وتأخر هذه الأمة العربية والإسلامية (العظيمة!)، وأنه (أي الغرب) هو العقبة الكأداء الباقية أمام تطورها وعودتها لإسلامها ومجدها الديني العظيم، وأنه (أي الغرب) شيطان أكبر (الشيعة يقولون عن أميركا بأنها شيطان أكبر) متآمر زرع إسرائيل في قلب الوطن العربي كأداة متقدمة له للحفاظ على مصالحه ومطامعه ومكاسبه الخاصة، ولزيادة النهب من ثرواتنا ومواردنا وخيراتنا (التي سرقها ونهبها أهل البيت الداخلي من الحكام والمافيات قبل أن ينهبها الغرباء الآخرون!)، ومنع أي محاولة واعية للنهوض والتقدم والنمو، ومواجهة أية إمكانية لإقامة وحدة عربية أو إسلامية فيما بين شعوب المنطقة.

ويزداد غضب الدعاة الإسلاميين على الغرب وكل ما أفرزه وأبدعه خاصة العولمة ويصفها كثير من هؤلاء بأنها مؤامرة خبيثة يراد منها غزو شبابنا وشعوبنا وإلهاءهم عن دينهم وثقافتهم والتزاماتهم وواجباتهم.

وبالعودة تاريخياً إلى الوراء نلاحظ أن لهذا النمط التفكيري التآمري جذوراً قديمة منذ أيام الإسلام الباكر الذي نقرأ فيه عن قصة الرجل اليهودي ابن سبأ، الذي لا يزال يحمّل –كما حمل سابقاً- مسؤولية الفتنة الكبرى التي وقعت آنذاك، حيث أن قسماً كبيراً من عالم الإسلام والمسلمين لا يزال يؤمن ويعتقد بصحة هذه الفكرة، وبصحة ما يسمى بـ”بروتوكولات حكماء صهيون”.. كما يذكر الدكتور محمد جابر الأنصاري في أحد كتبه..

إذاً، هذا الخطاب الديني المتوتر والمتشنج يحاول بهذه الطريقة كسب المؤيدين له، واستمداد شرعيته من زرع مثل هذه الأفكار الوهمية في عقول الناشئة الباحثة عن معنى لوجودها في ساحة الحياة خاصة بعد فشل السلطات القائمة في إيجاد حلول عملية لمشاكلها من بطالة وعطالة.. وغيرها..
وهذا الخطاب للأسف يعيش على الفوضى ومنطق الأزمات، ومناخات التناقض، ويقتات على فكرة المؤامرة ونظرية التآمر الخارجي مثل نظيره التيار القومي (العلماني!)، يتقوى بها ليشد من عضده في مواجهة ضعفه وعدم قدرته على تقديم حلول عملية لمشاكل الشباب العربي المعاصر كما أسلفنا.. كما لم نلاحظ -إلا فيما ندر- من أتباع هذا الخط ومن داخل هذه التيارات الدينية بالذات، وجود عقلية إصلاحية نقدية تهتم بدراسة حالة الذات والداخل قبل تحليل حالة الموضوع والخارج.. بحيث تعترف –تلك العقلية النقدية في حال وجدت- بوجود أخطاء وقصور، وتحاول أن تحمل جزءاً من مسؤولية الفشل في إدارة وتدبير شؤون الناس والشباب على عاتق الفكر الديني ذاته قبل تحميل الغرب المسؤولية عنه.. مع أننا عندما نقرأ القرآن الكريم نلاحظ أنه يوجه نقداً شديداً لأمثال هؤلاء الدعاة أصحاب العقول المؤامراتية، كما في قوله: “كل نفس بما كسبت رهينة”.. وقوله: “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”.. وقوله: “وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم”.. أي أنكم أنتم –القائمون بالأمر السياسي وغير السياسي- تتحملون مسؤولية الفشل والخسارة والمصائب التي تحيط بكم بسبب سوء وعيكم بها وإدارتكم للأزمة، وليس بسبب وجود مؤامرات عليكم، مع أنها قد تكون موجودة، ولكن أساس المشكلة عندكم قبل الآخر..

وربطاً بفكرة المؤامرة هناك فكرة أخرى لا تزال تهيمن على ساحتنا الثقافية والسياسية وهي أننا كعرب ومسلمين أصحاب ماضي حضاري زاهر لابد من العودة إليه، ومحاولة نقله إلى الحاضر، أو على الأقل إبرازه دوماً والتغني به، بما يعطينا فكرة عن أن هناك قسماً كبيراً من أبناء مجتمعاتنا لا يزال أسيراً لهذا النمط التفكيري من الوعي الزائف القائم على وجود فكرة تقول بإمكانية العيش في الماضي أو نقل تجربة الماضي –بعد تنقيحها!- إلى الزمن المعاصر..

ولا شك بأن هذه الفكرة –التي لها جذورها ودعاتها والمدافعون عنها حالياً خاصة من أبناء وأتباع التيارات الإسلامية- نتجت عن هيمنة الثقافة التاريخية الموروثة منذ زمن الحكم والخلافة الإسلامية الأولى، من خلال وجود عادات وتقاليد وقيم ومفاهيم وتصورات فكرية متوارثة لم يتم تجديدها أو نقدها، لا تزال قطاعات واسعة من شعوبنا تتبناها وتتشربها وتشّربها لأجيالنا اللاحقة، بما يفضي إلى هيمنتها علينا وعليهم، ويجعلها تتحكم بمساراتنا ومحدداتنا وممارساتنا العملية في الحياة..

طبعاً هذا لا يعني أنه لا يوجد ضمن تلك الثقافة التاريخية أشياء وأفكار ومواقع إيجابية يجب فهمها ووعيها بما يتناسب مع واقعنا المعاصر، ولكن المشكلة تكمن في تحول تلك العادات والتقاليد الموروثة إلى ما يشبه الدين القائم بحد ذاته إلى جانب الدين الحقيقي الذي تم نسيانه أو تناسيه على حساب نمو تلك الأفكار والقيم التي تم تأويلها لتكون دينية مقدسة أو شبه مقدسة.. وعن مثل هذا التقديس الأعمى لأفكار قيمتها تكمن في قدمها فقط، وليس في فعاليتها التاريخية، قد تنشأ أفكار التعصب للرأي، ويمكن أن تنمو بذور الاستبداد بالمعتقد وادعاء امتلاك الحقيقة المقدسة.. بحيث أن بعضنا يمكن أن يبرر سلوكاً خاطئاً لمجرد أن الشخص الذي قام بهذا السلوك ينتمي لمعتقده الديني.. هذا هو التعصب للمذهب أو الدين، إنه –كما قال أحد الأئمة- أن “العصبية التي يأثم عليها صاحبها هي أن يرى الرجل شرار قومه خيراً من خيار قوم آخرين..”.. أي أن الانفتاح والتسامح وعدم العصبية تكمن هنا في النظر للأمور بموضوعية وحيادية وتجرد ووعي عملي مفيد، خاصة في العلاقات السياسية والاجتماعية، حيث أنه لا قيمة لشخص عديم الفائدة في وجوده لمجرد أنه من قومك أو طائفتك أو مذهبك أو دينك.. وأنه عندما ترى –وتبني على هذا الرأي- أن شخصاً لديه فكرة صحيحة وجميلة صالحة للحياة، وهو ليس من دينك أو معتقدك، وتقوم بتنفيذها وتطبيقها والاستفادة منها، فأنت عندئذ لست متعصباً بل إنسان منفتح على الآخر، ومتوازن في علاقاتك العملية.. القاعدة هنا هي الوعي والموضوعية والفائدة المتوخاة، وليس الدين والطائفة التي هي حالة ما دون مدنية في التعاطي والتعامل ونسج العلاقات بين الناس.. وهذا هو الأمل المتوقع في هذه الثورات العربية التي بدأ كثيرون يتخوفون من إمكانية تحولها إلى ثورات دينية غير مدنية تخفي تحت شعارات الحداثة ما تخفي من أهداف وغابات غير مدنية..

ولهذا يمكننا أن نقرر هنا بأن الثورات لن تنجح في بناء دول ديمقراطية حديثة تُتَداول فيها السلطة بصورة سلمية دورية، ما دامت القناعة بتلك الأوهام أو الأفكار الوهمية معششة في العقول والسلوكيات، وخاصة القناعة الراسخة بفكرة المؤامرة كنظرية ثابتة للأسف في عمق تفكير مجتمعاتنا، وبالتالي فلا أمل كبيراً في حدوث نهضة أو تنمية حقيقية عنوانها الرئيسي، بناء الفرد المواطن صاحب الحقوق الكاملة، ما دام هذا الفكر المؤامراتي يحظى بهذه المكانة العالية لدى تيارات عريضة على مستوى النخب والأحزاب (من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار)، حيث يمكن أن نرى كثيراً من هؤلاء لا يزالون يتبحرون ويستغرقون في حديثهم السلبي عن تلك النظرية من على المنابر الفكرية والعلمية والتعليمية، بالرغم من أن تلك الثورات ذاتها –عندما انفجرت- قد أصابت فكرة المؤامرة في مقتل، وكانت –في أحد معانيها وتعبيراتها- رداً حاسماً على تلك الفكرة، وإعلاناً مدوياً على تهافتها وبالتالي سقوطها.
وطالما أننا بعيدون عن تحمل مسؤولية بناء واقعنا بأنفسنا، من خلال إلقاء مسؤولية فشلنا التاريخي على الآخر، وعدم قيامنا بمراجعة عقلانية نقدية صارمة لمنظومتنا التراثية الفكرية والثقافية بكافة أبعادها وامتداداتها، فسنبقى نلف وندور على أنفسنا أو في حلقات مفرغة، وستحدث عندنا دائماً بين حين وآخر ثورات أخرى، لنبدأ العمل من جديد، مع توقع مزيد من الخسائر والدمار وتأجيل استحقاقات البناء والتطور والتنمية..

لا تعليقات

اترك رد