الخيال العلمي وتنبؤات المستقبل


 

أدب الخيال العلمي ذاك الفن الذي يمزج بين الأدب و العلم ، الثنائية المركبة التي تمنح القارئ الخيال حتى يستشرف المستقبل من الواقع حماية من خلاله أو هروبا منه لأجل معالجته وتنبيهنا إلى ما يترتب عن سلوكات صنعناها و التي قد تدمر الإنسان كذات و تمنح الفناء للبشرية والمعمورة على السواء؛ في ذات الوقت هو معالجة المستحدث مما تنتجه التقنية والتكنولوجيا و البيولوجيا و كل ما اتصل بالعلم بصفة شاملة. من أشهر كتاب هذا الفن الكاتب الفرنسي جول فيرنو والروائي الانجليزي ه.ج. ويلز وكليهما استشرفا المستقبل من خلال الواقع وتحقق بعضه فالأول من خلال اختراعه لقصة الغواصة النووية والثاني لاختراعه للطاقة الذرية. إن أدب الخيال العلمي نجح بدرجة كبيرة وبقوة في أوروبا فهل هو محل اهتمام الأدباء العرب و المخرجين و القراء حتى؟

إن المجتمع الذي يخلو منه التفكير و لا يشجع فيه الاختراع ويسبق فيه الجاهز على المحضٍّر لا ينتشر و لا يتطور فيه الخيال العلمي ومجتمع فاقد للقراءة لا يمكن أن يزدهر فيه أدبا أصلا فكيف للكاتب أن يغامر في فن يعلم سلفا أنه سيفشل في واقعه؟ خلق عظيم من الشعب يجهل المصطلحات العلمية والتقنية التي قد تستعمل في كتابة الروايات حتى أن الكاتب ذاته قد تنفلت منه هذه الأخيرة، فالعقل هنا لا يحفّز على الابتكار حتى لشخصيات و لرؤى مستقبلية في ظل عبودية للصورة و لنشرات الأخبار ولدعاية منفرة لكل ما هو إبداعي فالكثير من المبدعين يقصون من طباعة أعمالهم الجيدة فكيف إذا كتبوا أدبا راقيا يحفز العقل و يفتح مجالا واسعا و مسافات للمخيلة ويطرح علما وحلولا لما هو قائم من مشكلات أو يفضح ما سينتج من مشكلات؟ إن مجتمعنا محكوم ببيئة الاستيراد والتصدير و بأدب العشيرة والقبيلة والمولاة و بأدب الاستعجال أو بروايات الدم و النار في تاريخنا القديم والحديث وبالروايات الغيبية الفانتازية التي تهرب لا إلى ربط جسر لحل مشكلات أو ابتكارات أو حتى لتحفيز العقل على قبول الواقع العلمي و التكنولوجي و البحث في حيثياته لأجل تطويره بل إلى التستر في حكايات غرائبية متصلة بالتاريخ القديم تقية من المستبد ومن الرقيب.

لقد أخذنا بمنتج الغرب حتى في الثقافة و الأدب والفن وبذلك فنحن قد استنسخنا مصطلحات أدب الخيال العلمي فكيف لنا أن نبدع أدب الخيال العلمي من خلال بيئتنا التي تحجر العقل وتكبح الخيال في ظل انتصار الأدب السياسي وأدب السجون والحروب والتشرد والغرق ، بيئة يهيمن عليها الدليل الديني الخرافي و يدعمه المال العربي. قد يقول قائل التشاؤم يلبس ثياب اعترافنا بغياب شبه كلي لهذا الأدب من الساحة الثقافية و الحقيقة أن القارئ يستهويه كتاب ألف ليلة وليلة وروايات الجن على أن تستهويه رواية رجل آلي يتكلم ويبحث عن الإنسان ويتحاور ويستعد معه لتحرير وإنقاذ الإنسان من نفسه.

لا تعليقات

اترك رد