الارهاب التركي والتطبيل الخليجي


 

لم يعد الارهاب حكراً على الجماعات الدينية المتطرفة الساعية لبث فوضاها الايديولوجية على حساب المكونات الاخرى فحسب، بل اصبح الارهاب مصطلح يتجاوز في معانيه ودلالاته كل القيم والافكار التي تسبب الخوف الشديد من خطر قابل أو الفزع و الرعب من حاضر.. فضلاً عن كل قديم قد يخرج من عباءته ويثور ليثير براكين من الدم بسبب الفوضى التي تتسبب به، لذا نجد ان الارهاب اليوم قد اصبح الفعل الوحيد الذي ينذر أو يحدث ضرراً شديد الوقع غير مشروع في السياق العام لا سيما السياسي للحياة .

ومن هذا المنطلق اصبحت الحكومات الساعية لتثبيت رؤيتها وايديولوجيتها السياسية والهادفة الى اقصاء الاخرين واستفعال السلطوية ذات المصدر الواحد، والمتحكم الاوحد، تظهر بشكل واخر على الساحة، بالاخص في الشرق الاوسط، المكان الذي لايمكن ان تمر حقبة تاريخية دون سفك المزيد من الدماء لتخصيب تربتها بالجماجم.. فحين ننظر الى المشهد الحالي لهذه المنطقة بالذات سنرى انها تعيش حالة فوضى ممنهجة، فوضى ذات ايقاع منظم، ولانها فوضى ممنهجة ومنظمة فانها كما هي العادة تعيش التناقض الازلي بين الارض والانسان والسماء معاً، لكونها باسم السماء تحرك الانسان ليتحكم بالارض دون ترك اي مجال للمشاركة الفعلية والفعالة للاخرين غير المنتمين لتلك الايديولوجية، ودون اية مراسيم تعطي للانسان الاخر قيمة او حتى دور في الوجود، فالسلطة واحدة، لكون التشريع باسم الواحد، ولكون الغاية واحدة، فان البشرية يجب ان تتعمد من معين واحد، وحين تصبح الايديولوجية السلطوية بهذا التشكيل الوحدوي المتسلطن، لايمكن للاخر الا ان يثور فيدفن في مقابر جماعية وهو حي، او ان يهاجر ويترك الجمل بما حمل لهولاء، او ان يندمج مع التيار السلطوي فيصبح عائقاً لبني جنسه، وقومه، ويصبح شوكة في ظهر القيم الساعية والداعية الى الحريات بصورة عامة.
ولايمكن ان يتجاوز النظر حين ندرك ماهية ما سبق المساعي غير الحميدة التي تبذلها تركيا الاردوغانية لتحكيم هذه الايديولوجية في المنطقة عموماً، وفي تركيا نفسها بشكل خاص، فسياسة اقصاء الاخر جارية منذ تأسيس هذه الدولة والتي استمدت قوامها من السياسة العثمانية التي كانت هي الاخرى تتماشا مع الحكمة الاردوغانية الحالية، ومن ثم محاولتها اخضاع الاخر تحت اغطية مطاطية تخدم مصالحها وتضعف اعدائها، ولأن اعدائها يمتلكون مساحة وجود مقلقة ومضرة وكافية باثارة المزيد من القلاقل والفوضى داخل جغرافيتها، فانها تتعمد في ايجاد حلفاء يطبلون لها، وتركيا لم تجد ولن تجد افضل من اصحاب النفط وعبيد الدولار والجنس كي يقوموا بهذا الدور المشين، وحين نسترجع الصورة الاجمالية للمنطقة سنعرف من هم اصحاب النفط ومن هم الذين تركيا تسعى لاخضاعهم ايديولوجياً.

يحظى الحاكم التركي الحالي اردوغان بشعبية كبيرةعند الاوساط السنية الخليجية بالذات، فتركيا الحالية هي سليلة الخلافة الاسلامية التي كان اصحاب الخليج واغلب العرب يتباهون بها، لكونهم ارادوا احتكار اله الاسلام لانفسهم منذ العهد الاموي، ولكن لان الظروف دائما لاتخدم السلطوي المتحكم والمتسلط، فان الادوار تبادلت حتى انها عاثت بالانفس والارض لقرون متوالية.. ففي حين تسلطنت القوميات في فترة، نافستها قوميات استطاعت ان تغير ملامح التكتل الاثني والديموغرافي للمنطقة اجمعها، ومن ثم تلتها حروب وابادات وهتك للاعراض باسم قوانين لم تكن سائرة الا باسم الدين والتشريع والطموح الشخصي للقوميات والاثنيات الساعية لخلق مجدها على حساب الاخر.. ومن هنا كان الانبعاث السلطوي الاردوغاني دليل على الاستمرارية الفوضوية للمنادين باسم التشريع والدين والله على هذا الخراب الارضي.. وحين تجد الفوضى تلك آذان صاغية، وخزائن مفتوحة، ورغبات لانهاية لها، فانها لاتتحرك وفق نهج ممغنط واحد فحسب، بل انها تعبث بكل الجهات، وهذا ما يعني اقصاء الكل الا من يريد الخضوع للتيار.

هذا التطبيل النفطي الخليجي اعطى للدكتاتورية التركية الان وقبل في التسلطن من جديد، وحين يجد اردوغان بانه السلطان، ندرك جميعاً ان السلاطين عاثوا في الارض فساد وقتل وهتك للحرمات، وهذا بالضبط ما يفعله اردوغان الان، حيث مساعيه الدائمة لتثبيت سلطته واقصاء كل منافس واضح ولايحتاج الى مشاهد مكررة على انظار المتابع للمشهد التركي، ومن ناحية اخرى سياسته في اقصاء الاخرين من حيث الانتماء القومي ايضا امر واضح، فسعيه للفتك بالكورد من جهة، ومحاولة طمس المعالم السياسية الكوردية الساعية لخلق توزان يخدم الدولة والانسان معاً اصبح بنظر السلطان امراً غير مستحب، لانه في الاصل لايعطيه المكانة ولا السلطة التي تجعله الاوحد الواحد الذي لايناقش امره، انما ينفذ فحسب، وهذا ما يسعى اليه منذ توليه الحكم وذلك لتمرير قانون في البرلمان يجعل من سلطته الاقوى في البلاد دون اي معارضة.. وكذلك سعيه الدؤوب في خلق فوضى اخرى داخل المنطقة عبر تدخلاته المستمرة سواء في سوريا والتي باتت اغلب مدنها منكوبة بسبب الدمار والخراب الذي لحق بها جراء القصف والقتل والحرق والموت المجاني الذي يفرض عليها، وكذلك سعيها المستمر في التدخل الاقليمي لاقليم كوردستان العراق وذلك لاستكمال عقدة الاستقصاء الاثني القومي لديها، حيث تحاول بذلك مطاردة الكورد المتواجدين في قنديل وشنكال واغلب المناطق الحدودية مع تركيا.

كل هذا الدمار الذي تخلقه تركيا ” اردوغان” الفوضوية وذلك عبر منهجية منظمة ساعية كما قلنا لاقصاء كل ما يعيق سعيه لتحقيق هدفه الاسمى.. يجد تطبيلاً في اغلب المناطق السنية سواء داخل العراق او الخليجية او المناطق العربية الاخرى التي ترى في اردوغان المنقذ لهيبة الاسلام ولهيبة التشريع ولهيبة الانسان، هذا التطبيل يزيد من وقع الفوضى.. ولانها فوضى منظمة فانها لاتخدم الا اصحاب الفكر الاردوغاني واذنابه ممن يطبل له.. وذلك على حساب الاخر اي كان( الكورد- الارمن – الرافضية كما يقول اهل السنة ” الشيعة.. و .. و ).. لايهم المسميات والاثنيات طالما انها لاتدخل ضمن المنظومة الاردوغانية او المنظومة التطبيلية له.

اردوغان المتسلطن فوق رؤوس اصحاب النفط الان يسعى لخلق جبهة اخرى داخلية، يحاول من خلالها ان ينهي اي حراك معارض له، لاسيما من الكورد وذلك باعتماد خطة فرق تسد، والتي تجد لها آذان صاغية خاضعة باسم التشريع والدين والاسلام، حيث ان اردوغان يسعى لتفعيل دور التيارات الدينية الكوردية داخل تركيا ليستفيد منها في ضرب الكورد بالكورد وليجعلهم درعاً امام تطلعات التيارات الكوردية الاخرى المناهضة لسياسة التتريك الجارية من قرن واكثر، وكأن السلطان الاردوغاني يريد تكرار التجربة العثمانية التي استطاعت وقتها باسم الدين والتشريع والخليفة ان تثير الروح الشعائرية الدينية لدى بعض الكورد فاستغلتهم فيما بعد للتقل وللدمار وللمجازر والابادات الجماعية باسم الخليفة والشريعة.. وها هو يحاول الان استكمال تلك النظرية لاثارة التيارات الدينية الكوردية وتجميعها داخل منظومة واحدة لتكون الوجه السياسي الحالي لكورد تركيا، سعياً منه في طمس معالم التيارات الفعالة السياسية الاخرى.

ان اعادة رسم ملامح السلطوية الاوحدية الاردوغانية لم تعد مخفية على احد، لاسيما انها تجد في بعض السلطويات المتشابهة سواء من حيث الحكم او التشريع دعما واضحاً وتطبيلاً عالياً، لذا لايمكن التغافل عن الخطر المحتمل جراء هذه الساسية الاردوغانية والتي قد تفتح ابواب اخرى من الجحيم الدموي في المنطقة بالاخص من التيارات المناهضة لتلك السياسة.. ففي تركيا لن يتوقف المد الكوردي الساعي للحصول على حقوقه القومية, حتى وان قام السلطان بدس كل رموزه في السجون، وفي حدود المطبلين لابد ان تتغير المعايير وتحدث فوضى اخرى ممنهجة ضد تلك السياسات التي لاتخدم الشعوب الواعية انما فقط الشعوب التي تساق من قبل حكامها دائما.

لا تعليقات

اترك رد