دول العالم، ما بين الإزدهار و الإنحدار .. أين يقع العرب ..؟؟


 

تسعى دول العالم لرفع مستويات أداءها في كافة المجالات، و تحقيق الأمن و الأمان و الرفاه لمواطنيها، و تتنافس فيما بينها في كافة المجالات، و قد تخصصت العديد من المؤسسات و المنظمات المحلية و الدولية بإجراء الدراسات و البحوث و الإحصاءات في هذه المجالات لمساعدة تلك الحكومات و الدول في التعرف على مستويات أداءها في مختلف المجالات، و جوانب القوة و الضعف لديها، و إمكانية التعديل و التحسين في ممارساتها و إنجازاتها خدمة للمواطن الذي يأتي دائما في المقام الأول ..

و في أحدث دراسة في هذا المجال قامت بها إحدى المنظمات الدولية، وجدت أن نيوزيلاند هي الدولة الأكثر إزدهارا حسب تقديرات و حسابات عام ٢٠١٦، مع تأكيد على عدد من العوامل التي تم قياسها، منها الحرية الفردية، حرية الأسواق، قوة النظام الإجتماعي متعدد الثقافات و الأعراق و الأديان، علما أن نيوزيلاند تعتبر من الدول الصغيرة، و هي تتكون من جزيرتين رئيسيتين، و تعداد سكانها يقل عن الخمس ملايين نسمة، و تقع إلى الجنوب الشرقي للقارة الاسترالية بالقرب من القطب الجنوبي، و هي من دول الكومنويلث و تابعة للتاج البريطاني رغم إنها تعتبر مستقلة بشكل كامل ..

و قد حصلت نيوزيلاند على الترتيب الأول في مستوى الإزدهار الدولي للسنوات الستة الماضية على التوالي، علما أنها عانت في عام ٢٠٠٨ من آثار عدد من الأزمات الإقتصادية، إضافة للزلازل الكبيرة التي دمرت جزء كبير من ثاني أكبر مدينة فيها عام ٢٠١١، و هي كرايسجرج ، كما أنه فقط خلال الأسبوع الماضي حدثت زلازل كبيرة ضربت مدينة أخرى قرب كرايسجرج، كما إنها ضربت مدينة ويلينغتون العاصمة، و قد تسببت هذه الزلالزل في خسائر كبيرة مادية و إقتصادية يخشى أن تنعكس سلبا على الأوضاع الإقتصادية في البلد ..

و يعزى السببب في هذه الإنجازات التي حققتها نيوزيلاند في الفترة الأخيرة إلى نوع من الإستقرار السياسي و التطور في سياسات و برامج العمل الحكومي، الذي إنعكس على الحياة السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية للبلد، بالرغم من أصوات مخالفة و معارضة كثيرة داخل البلد، التي ربما لها آراء أخرى فيما يتعلق بالأداء و السياسات الحكومية، لا مجال للتطرق إليها هنا ..
و لو راجعنا العوامل و العناصر التي خضعت للتقييم للخروج بهذه المحصلة النهائية، لوجدنا أن نيوزيلاند كانت بالترتيب الثاني كأفضل بيئة عمل، و المرتبة الثاني عالميا من حيث مستوى أداء النشاط الحكومي، و المرتبة الأولى في مجال الأداء الإقتصادي ، و المستوى ١٥ في مجال أداء أجهزة و نظام التعليم، و المرتبة ١٢ في مستوى النظام الصحي و العلاجي فيها، و المستوى ١٩ عالميا في مجال الأمن و السلامة و الأمان، و المستوى ٣ في مجال الحريات الشخصية، و الترتيب الأول عالميا في مجال العلاقات و النظم الإجتماعية في البلد، و الترتيب ١٣ في مجال البيئة و الطبيعة ..

و قد أشارت الدراسة إلى أن مستويات الإزدهار العالمي قد شابها بعض الإنحدار و الفتور و الإنخفاض خاصة عامي ٢٠٠٨ و ٢٠٠٩ أبان الأزمة الإقتصادية العالمية، لكن كما يبدو سرعان ما أستعادت معظم دول العالم توازنها لتعوض تلك الفترة و سلبياتها، لتتطور من جديد مستويات الأداء و الإزدهار العالمي، حيث نجد أن المستوى العام قد أرتفع بنسبة ٣٪ عن ما كان عليه الحال عام ٢٠٠٧ ، حيث لوحظ تطور ملموس في مجالات الحريات الفردية بشكل خاص في أوربا و أميركا الوسطى و اللاتينية، كما لوحظت تطورات في مجالات الصحة و التعليم في دول آسيا، و تحسن في مستويات بيئات العمل في منطقة الشرق الأوسط و شمال أفريقيا و شرق أوربا ..

و يشير التقرير إلى أن تزايد أعمال الإرهاب و العنف و النزاعات المسلحة في العديد من دول العالم، خاصة دول الشرق الأوسط قد حجمت من قدراتها و إندفاعها نحو مستويات أعلى و أفضل في مجالات الإزدهار و التطور المختلفة ..

كان عدد دول العالم التي خضعت لهذا التقييم و الدراسة، ١٤٩ دولة، حيث أستخدمت عدد من المحاور و المعايير للوصول إلى النتائج النهائية و ترتيب دول العالم فيما يتعلق بالإزدهار العام في تلك الدول، هذه المحاور هي، مستوى الأداء الإقتصادي، بيئة العمل و التجارة في البلد، مستوى الاداء و النشاط الحكومي، مستويات التعليم، مستويات النظام و الأداء الصحي و العلاجي، الأمن و الأمان، مستوى الحريات الشخصية، مستوى العلاقات الإجتماعية داخل البلد، البيئة و الطبيعة و كيفية التعامل معها و الحفاظ عليها داخل الدولة ..

كانت الدول العشرة في قمة الترتيب العالمي للإزدهار كما يلي، نيوزيلاند أولا، و من ثم النرويج، فنلندا، سويسرا، كندا، أستراليا، هولندا، السويد، الدانمارك، و بريطانيا، و كما تعودنا تأبى معظم الدول العربية بشكل عام و العراق بشكل خاص إلا أن يحجزوا المقاعد الأخيرة في معظم هذه الدراسات و التقارير مع الأسف الشديد، فقد كانت الدول العشرة الأخيرة في ترتيب الإزدهار الدولي كما يأتي، بوروندي، أنغولا، موريتانيا، العراق، تشاد، جمهورية الكونغو الديموقراطية، السودان، جمهورية أفريقيا الوسطى، أفغانستان، و أخيرا اليمن ..

و جاءت إسرائيل في مستوى منخفض نسبيا و بالترتيب ٤٠ تليها مباشرة الإمارات العربية المتحدة في الترتيب ٤١، و هو الترتيب الأول عربيا و يعتبر شيئا متميزا فيما يخص معظم البلاد العربية بشكل عام ..

للأسف فأن معظم البلاد العربية و كما أشرنا قد إنحدرت في ترتيبها إلى مستويات متدنية، رغم إن بعضها يتمتع بمقدرات مالية و إقتصادية كبيرة قياسا بدول أخرى جاءت في مستويات متقدمة، و هذا يؤشر ضرورة العمل على تحسين مستويات الأداء الإقتصادي و الإجتماعي، و مستويات الإستثمار و تحسين بيئة العمل و التجارة، و الحريات العامة في البلد، إلى غير ذلك من الأمور التي طالما أشرت كنقص و عيوب في الأنظمة السياسية و الإقتصادية العربية بشكل عام ..

بعد الأمارات التي جاءت بمستوى متقدم نسبيا قياسا بالدول العربية الأخرى، تأتي قطر تاليا في الترتيب ٤٦ ، و بعدها البحرين في الترتيب ٦٧، و عمان في الترتيب ٧٠، و الكويت في الترتيب ٧١، و هو ما يمكن إعتباره الحد الوسط أو حد الخطر، أما الدول العربية المتبقية فقد كانت نتائجها و ترتيبها في الجانب السلبي المتدني من الترتيب العام، مما يؤشر علامات خطر لابد أن تنتبه إليها تلك الدول و تسعى لمعالجتها و تجاوزها بقدر الإمكان و بالسرعة الممكنة، حيث جاءت السعودية في الترتيب ٨٥، الأردن ٨٩، تونس ٩٣، المغرب ١٠١ ، لبنان ١٠٥، الجزائر ١١١، مصر ١١٧، و ليبيا ١٣٦ ..

لقد مل المواطن العربي من الإنتظار، و هو يرى أن حاله في تدهور و تراجع و إنحدار في حين أن معظم دول العالم تتطور و تتقدم في مجالات مختلفة، و هذا بات يمثل خطرا على الأمن و الأمان و السلام الإجتماعي في تلك الدول، فالعالم اليوم ليس كما هو قبل ٢٠ أو ٣٠ عاما، فهو أصبح قرية مفتوحة، و لا حواجز بين دوله و مواطنيه، و ما يحدث في أقصى أقاصي الأرض يمكن مشاهدته و متابعته فورا و حتما خلال لحظات من خلال التطورات العلمية و التكنلوجية المتتابعة، و لا أعتقد أن المواطن العربي في كثير من الدول العربية التي توقفت بل و تراجعت فيها مستويات النمو و التقدم، إنه لن يقف ساكنا و ساكتا و هو يرى نفسه و عائلته و بلده في خبر كان، في حين تتسابق الدول و المجتمعات من حوله لتحوز على قصب السبق في مجالات شتى ..

ما نتمناه أن تصل مثل هذه التقارير و الدراسات إلى أيدي المسؤولين العرب، و أن يهتموا بدراستها و تحليلها و يسعون للتعرف جديا على جوانب الخلل و التقصير في أداء الشركات و المواطن و الدولة ، و بكافة المستويات، عسى أن يتمكنوا يوما من اللحاق بركب الحضارة و التقدم و المدنية، فالقطار يمر سريعا، و لن ينتظر طويلا عندما يقف في محطات تلك الدول ..

و الله المعين ..

لا تعليقات

اترك رد