الإعدادية المركزية و(جلاب) طالع


 

لم يكن وهو الفلاح الخصيبي المثابر الذي حفرت المناجل والمساحي و(الفراود) ندوبا وخطوطا في راحتيه…ورسمت شقوقا عميقة في كعب قدميه…. ظلت غائرة زمنا طويلا فيها، ولم تختف نهائيا حتى بعد استقراره في المدينة سنينا والتمتع بحياتها . كان.لا يفرط بواجبه الجديد أو يتراخى بعمله ..فقد تعود حياة الشظف والتعب منذ نعومة إظفاره كما يقولون ..حيث يستيقظ قبل ان تستيقاظ الشمس وقبل ان نتسلق الأفق الشرقي لتوزع نورها على غابات النخل الكثيفة، التي لم تغادرها العتمة إلا بعد أن تقف على طولها وتزحف بشوق الى شط العرب وتتسلق السعف الذي اسلم نفسه للنسيم مهتزا بغنج حتى يفرك عينيه متخلصا من بقايا الوسن …يقوم طالع الذي لا يعرف أحدا..لماذا أسمته عائلته بطالع…هل هي عملية استدراج للفأل الحسن ام هروبا من الطالع السيئ.؟ . حتى أن طالع لم يصرح بذلك لزوجته…ينهض فجرا وهو بركان من الهمة وحب العمل بعد تناوله لفطور بسيط مكون من رغيف خبز لم يزل يتصاعد منه بخار التنور وكوب حليب كبير من بقرتهم الوحيدة التي يدللوها كثيرا… يمسك (المسحاة) ويضع منجله في الخاصرة حيث يشد حزامه الجنب على سطه بقوة….ويشتغل في الأرض حتى صلاة الظهر .. فهو بعد أن كان تعابا (أجيرا) في أراضي احد الملاكين الكبار الذي كان يقتسمون هذه البصرة الفسيحة وهم لا يعدون على أصابع اليدين ..حيث أن مئات الآلاف من الفلاحين في أبي الخصيب والسيبة والفاو لا يملكون سوى مناجلهم ومساحيهم وقوة عملهم فقط …وثلة من العوائل الغنية واذناب الحكومة ..كانوا يملكون كل شيء.. وهم يسموهم (تعابة ).. لأنهم يكدون ويكدحون طوال العام ..ولا يحصلون الا على التعب والفقر والفاقة.. يكدون ويجهدون صيفا وشتاءا في ارض ليست أراضيهم..ولا تمنحهم ما يسد رمقهم.. وطالع واحد منهم….وبعد ان أصيب بمرض القلب فجأة لم يعد يقوى على العمل او بذل الجهد… رموه كسلعة قديمة بائرة انتهت صلاحيتها أو الحاجة إليها…فيمم وجهه شطر المدينة التي خرجت من سباتها وصمتها واكتسبت بعض الحيوية و الضجيج بعد دخول الانكليز اذ توفرت أعمال وفتحت مصالح ومهن جديدة أغرت الكثير من الفلاحين وغيرهم بالهجرة إليها ، وكان في مقدمتهم طالع الذي تقطعت أسباب وجوده بين غابات النخل إذ لم يعد يقوى على أعمال الفلاحة .وبحزن كبير وقلب مكسور خلف النخل والنهران والرطب وهديل الحمام وذكرياته الجميلة خلف ظهره ..توسط له احد أقاربه المتنفذين فحصل على وظيفة حارس في الثانوية الوحيدة في البصرة والتي بنيت توا .. …وجذبت أولاد التجار والذوات والأسر العريقة والموظفين الكبار والشرائح الجديدة الناهضة التي حجزت لها مكانا مرموقا في المجتمع البصري بعد هبوب رياح التغيير والتعرف عما يدور في العالم الخارجي.. إذ أصبح طلب العلم ضرورة وحاجة ماسة ومكملة لمتطلبات الطبقة الجديدة والشرائح الأخرى..حينما حصل على هذا العمل ، شعر أن أبواب السماء فتحت له فأخلص في عمله وهو بالأساس ليس من طبعه أن يتساهل أو يتهاون …فتعاظم إحساسه بالمسؤولية لأنه وعلى بساطة وعيه و معرفته، يعرف أهمية هذا الصرح العلمي الذي كان ذروة التعليم في البصرة ..عرف هذا جيدا وخصوصا بعد أن اشتعل حارسا فيها …ووضعتها الحكومة بذمته ….بعد أن ساهمت عدد من العوائل البصرية الغنية كبيت النقيب وباشا أعيان والسلمان والبدر والأهالي بمبلغ لا يزيد 30الف روبية وغيرهم من العوائل وكان ذلك بين عامي (1924 و1926)… فكانت أول ثانوية في البصرة بنيت على الطراز الانكليزي إضافة إلى لمسات فنية شرقية تتناغم مع الخصائص المحلية في العمارة، فكانت بحق سجلا للمبدعين والرموز البصرية على مدى ما يقارب من قرن …..كان طالع الخصيبي يحرص على المدرسة حرصا لا يضاهى …فهي بيته وفخره ومصدر رزق.. يبيت فيها ويأكل وينام… وبعد ان يصلي الفجر ينهض كالملسوع يجوب المدرسة شمالا ويمينا ولا يكف عن الدوران ..يتأكد من الأبواب والأقفال ..ويراقب الشبابيك بتمعن وحرص شديدين وخصوصا غرفة الإدارة والمدرسيين ..ويلتقط في طريقه أي ورقة ساقطة أو أي قطعة من مخلفات دوام الأمس ..ينظف الممرات والباب وكل ما يقع تحت عينيه …بعدها ينكث التراب العالق بملابسه البسيطة ويغسل وجه ويديه ..ويرتب يشماغه وعقاله ويجلس كالملك في باب المدرسة التي لم تزل دون سياج والتي اشتملت على ثلاثة صفوف للمراحل الأولى من المتوسطة وبعد ثلاث سنوات أصبحت الدراسة فيها الى الصف الخامس بفرعيه العلمي والأدبي وكان ملاكها التدريسي يضم(17) مدرسا بينهم انجليز وهنود وسوريون، وكانت تسمى ثانوية البصرة…. ثم تغير اسمها بعد إلى الإعدادية المركزية وهو الاسم الذي تحمله حتى الوقت الحاضر…..كان طالع يعرف الطلبة واحدا واحدا وعلى الأغلب يعرف أسرهم ..ويحبهم كأبنائه..وبعضهم كان يبادله نفس العاطفة ..ولكن البعض الآخر ..وخصوصا أبناء البيوتات والأسر الغنية .. والذين لم يتخلصوا من تربيتهم البرجوازية او الارستقراطية يبخلون بالمحبة عليه ..ولكنهم متفقون جميعا على أهميته للمدرسة..بل يراه البعض أيقونتها ..لان الجميع يذهبون ويجيؤون طلبة مدرسين ..وهو الباقي في مكانه …بمرور السنين …وكان عدم وجود سياج للمدرسة من أكثر الأمور إزعاجا وتعبا لفراش وحارس وكل ما تحتاجه المدرسة من خدمات ..إذ يستقتل من اجل أن يمنع أي شخص يدخل او يمر من غير الطلبة سواءا في محيطها او فنائها ..وبعد أن عرف بعض الصبيان والمراهقين بحرصه الشديد على هذا….. راحو يشاكسوه ويقطعون ساحة المدرسة ركضا لغرض اثارته وتحريضه على الركض وراؤهم …فقادته إساءات المراهقين وشغبهم الى التفكير بطريقه تقلل التعب عنه وتعطي للثانوية هيبتها ..فخلص بعد تفكير عميق الى ان يربي كلبا و كلبة ويدربهما تدريبا جيدا في منع اي متطفل من الدخول او العبث بحرم الثانوية ..فكان له ذلك وأصبحا له خير معين وقاما بمهامه من غير جهد …سمى الكلب سرحان والكلبة ورده … فكان هذا الثنائي الذي ذاع صيته يثير الرعب في قلوب المشاغبين الفضوليين … فكانا عند حسن ظنه ….لم يعد بإمكان أي شخص من غير الطلبة بالدخول … وأصبح حرم الثانوية محرما على غير طلبتها فقد كانا يميزان الطالب من غير الطالب من ترتيب ملابسه كما دربهما فاذا كان يرتدي قميصا وبنطلونا أو ما اعتاد الطلبة ارتدائه فباستطاعته المرور ..أما اذا كان العكس ..فعلى من يخرق قانون طالع يتعرض لهجوم عائلة كلابه …وقال محدثي وهو غارقا في موجة من الضحك …تخيل نحن الصبيان المشاكسين وأنا في أولهم طبعا.. من غير الطلبة كنا نخدع الكلاب ونتحايل عليها ..اذ كنا نرفع أطراف دشادشينا ونشدها على الخصر ..لنقنع هذا الكلاب المدربة بأننا لا نرتدي الدشاديش ونوهمها باننا من الطلبة …وكنا ننادي بعضنا حينما نرى الكلاب (اجت جلاب طالع ارفع دشداشتك) وظل هذا الحال حتى الأربعينات من القرن الماضي …حيث احتشد الطلاب في إحدى زيارات الملك فيصل الثاني عام 1946 الى المدرسة وطالبوه بعمل سياج ..فاستجاب لذلك وكان السياج موجود بالفعل بعد شهر ..فاستراح طالع وكلابه سرحان ووردة وصارت المدرسة أكثر إحكاما وأمنا، كانت هذه المدرسة من أهم ملامح النهضة في البصرة بعد الانتعاش الاقتصادي وهبوب رياح الحداثة ودخول التكنولوجيا والأفكار الجديدة ووسائل العيش الحديثة من صناعة وتجارة وتعليم وسياسة و التي أثرت تأثيرا عميقا في المجتمع البصري أولا والذي كان دائما بوابة التغيير لكل المدن العراقية ارتباطا بجغرافيته وموانئه وثرواته، وكانت تتصدر قياده هذه النشاطات بعض العوائل البصرية المعروفة التي تسكن المدينة وتتحكم بإيقاعها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي كبيت باش أعيان وبيت الخضيري وبيت النقيب وبيت المنديل وبيت الشمخاني والنجادة من الزبير وبيت الرديني وبيت العطية والكثير من العوائل المسيحية واليهودية في البصرة ، فراحت تساهم مساهمة فعالة في ترسيخ أسس المجتمع البصري الجديد…..فكانت الاعدادية المركزية وليدا معافى لهذه المقدمات….انخرط فيها أبناء المدينة والموسرين من أهالي الريف ..ودرست و تخرجت من هذه الإعدادية شخصيات كبيرة مثل الشاعر المعروف بدر شاكر السياب الذي تخرج عام 1943م والدكتور فيصل السامر مؤلف كتاب ثورة الزنج ووزير الصحة خضير عباس الاديب ومحمود عبد الوهاب والشاعر خالد الشواف ومحيي الدين إسماعيل والقاص الكبير محمد خضير وآخرين غيرهم.
كانت هذه الاعدادية مسرحاً لكثير من الأحداث السياسية والأدبية والرياضية المهمة، فعلى الرغم من اغلب طلبتها من البرجوازية البصرية الناهضة والتي تلتقي مصالحها مع الاستعمار والحكومات المرتبطة به ..لكن الكثير من طلبتها ساهموا مساهمة فعالة في الأحداث الوطنية والقومية عام 1941م وهجموا على القشلة البحرية لاحتلالها، وفي عام 1948م صارت مركزا لوثبة الجماهير في البصرة وفي عام 1956م خرج المتظاهرون منها ضد العدوان الثلاثي على مصر، وعلى قاعتها الشهيرة أقيمت الكثير من النشاطات الأدبية والفنية والاجتماعية منذ بنائها حتى اليوم. لا يمر أحدا اليوم بباب هذه الثانوية الذي لم يزل يعبق برائحة الذكرى والتاريخ الحافل ولا يسترعي انتباهه بقوة هذا العمران الهجين على بساطته.. .. إلا ويسرح بذاكرته إلى الوراء مسترجعا كل الأحداث الرائعة التي قام بها الطلبة وأساتذتهم …ولا يستطيع أن يتجافى عن فضلها في المساهمة بصنع أكثر رموز البصرة وهجا وإشعاعا كبدر والبريكان ومحمود ومهدي عيسى الصقر ومحمد خضير وسعدي يوسف ومحمد علي إسماعيل وغيرهم ….ولعل للفلاح الخصيبي طالع وكلابه سرحان ووردة ركنا أثيرا

في ذاكرة من عاصروه من الطلبة او المدرسين …ولا يمنعون ابتساماتهم من الارتسام على الشفاه وهم ينادون بعضهم (ولك ارفع دشداشتك اجتك جلاب طالع )

شارك
المقال السابقلماذا فشلت كل تجارب الوحدة العربية ؟
المقال التالىعادل امام في أمريكا

علي ابو عراق من مواليد البصرة 1951، شاعر وصحفي . صدر لهما يقترحه الغياب ، من …؟ ، نهير الليل ، باكرا ايها الغروب كتب اخرى ، مقامات الماء ، مقامات النخل ، ذاكرة البصرة ، مرويات شفاهية بجزئين، حوارات مع محمود عبد الوهاب
عضو الهيئة الادارية لاتحاد ادباؤ البصرة لدورتين ، ع....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد