لماذا فشلت كل تجارب الوحدة العربية ؟


 

في الرابع عشر من شباط عام 1958 أعلنت المملكتان العراقية و الأردنية الهاشمية قيام الإتحاد الهاشمي بينهما و تركتا الباب مفتوحاً لمن يرغب من الدول العربية بالإنضمام إليه ، بعد ذلك بثمانية أيام و في الثاني و العشرين من الشهر نفسه أعلن عن قيام الجمهورية العربية المتحدة بين سوريا و مصر . الإتحاد الهاشمي إنتهى بعد خمسة أشهر بانقلاب عبد الكريم قاسم في العراق فيما انتهت وحدة مصر وسوريا بانقلاب عسكري أيضا في دمشق عام 1961 . توالت بعد ذلك محاولات عديدة في أجزاء مختلفة من بلاد العرب ، وحدة ثلاثية بين مصر و سوريا و العراق و اتحاد الجمهوريات العربية بين مصر و سوريا و ليبيا واتحاد الجمهورية العربية الاسلامية بين تونس و ليبيا و سلسلة طويلة كان آخرها بين العراق و سوريا 1979 ناهيك عن الاتحادات و مجالس التعاون فشلت جميعها باستثناء تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة . تلك المحاولات كانت تعكس حاجة العرب للتقارب بسبب التحديات المشتركة التي تواجهها و لارتباطها بمصير مشترك صنعته عوامل التاريخ و الجغرافيا و اللغة و الأديان ، أما فشل تلك التجارب فلم يكن يوماً بسبب عدم صواب هذا التوجه بل لأسباب عديدة خارجية و داخلية يحتاج المثقف العربي اليوم أن يقف أمامها وقفة تقييمية طويلة ليستنبط العبر و هو يتطلع الى مستقبل يضمن حريته و مستقبل أجياله القادمة

العامل القومي كان اللاعب الرئيس في كثير من الصراعات الكونية و كان إهماله أحد عوامل تفكك الإتحاد السوفياتي إذ ما إن انهار هذا الإتحاد حتى عادت جمهورياته إلى أساسها القومي و تبعه انهيار أنظمة أهملت بشكل أو بآخر هذا العامل حتى يوغسلافيا السابقة التي كانت تضم ست جمهوريات و منطقتي حكم ذاتي في اتحاد فدرالي يختلف عما كان عليه الاتحاد السوفياتي تفككت الى مكوناتها القومية الأساسية و في وسطنا الإقليمي هناك الأمة التركية و الأمة الفارسية اللتان حافظتا على هويتيهما القوميتين بغض النظر عن طبيعة الأنظمة التي تعاقبت على حكمهما ، لكن ومستثنى من كل القوميات التي نشأت على هذه الأرض عبر المراحل التاريخية السحيقة ما إن تفتح ملف القومية العربية حتى يتهموك بالشوفينية و التعصب منكرين على العرب أن يسهموا كقومية بنصيبهم في البناء الانساني بعد ان كان هذا العامل محركا للحروب و النزاعات حول العالم

صراع المصالح و الأجندات في العالم اليوم كما هو على مر الأزمان و غياب معايير الإنصاف و العدل التي يفترض أن تكون الإنسانية قد وصلت إليها بعد كل العصور التي مرت بها على هذا الكوكب و تجارب الحروب الكونية التي خاضها الإنسان ضد نفسه يفرض على العرب الذي كانوا – في الجزء الخاص بهم – أكبر الخاسرين إجراء مراجعة شاملة لتاريخهم الحديث و تحسس نقاط ضعفهم التي أوصلتهم إلى أسوا مرحلة يمكن ان تمر بها أمة كان لها من العناصر ما يؤهلها أن تأخذ دورا ريادياً في تقدم و ازدهار الإنسانية و تصحيح مسارها الذي تحكمه المصالح المخضبة بالدم بدل ان تقبع في قعر سلم الامم فريسة و ضحية لذلك الصراع الذي تحول من صراع كان يكتفي بنهب خيراتها في الحقب الاستعمارية الى التواطؤ و التآمر على وجودها ككل ، هذه ليست نظرية مؤامرة بل مؤامرة حقيقية إذا اخذنا بنظر الإعتبار حجم الدمار البشري و المادي الذي لحق بها منذ بداية هذا القرن .

تجارب الوحدة العربية التي جاءت كرد فعل على واقع التجزئة التي فرضها الإستعمار الإنكليزي و الفرنسي و الإيطالي و من ثم احتلال فلسطين فشلت لأسباب عديدة و التفكير بإعادة إنتاج ” وحدة عربية ” بالقياسات القديمة رغم انه ليس متاحاً أو مطروحا في الوقت الحالي يعني إعادة إنتاج فشل جديد . و من أهم عوامل فشل تلك التجارب :
1- إهمال الخصوصية المحلية لكل بلد و الذي لا يقل خطراً عن إهمال الخصوصية القومية في التجربة السوفييتية . بمعنى أن أية وحدة بين أي بلدين عربيين لا تعني بالضرورة إلغاء بلدين بتاريخهما الطويل من أجل إنشاء بلد جديد
2- محاولات الهيمنة و تجيير ثمار الوحدة لصالح بلد عربي على حساب الآخر كما حدث في تجربة الجمهورية العربية المتحدة الأولى بين مصر وسوريا إذ اشترط عبد الناصر إلغاء التعددية السياسية في سوريا كشرط للوحدة إضافة لهيمنة مصر على قطاع الجيش و بقية القطاعات في البلدين
3- قصور النظر لإصلاح الاقتصاد العربي انطلاقا من تقييم الواقع الاقتصادي المحلي لكل بلد على حدة وصولا الى التكامل بين هذه البلدان ، تكامل يفضي الى ما يمكن تسميته ب ” سوق عربية مشتركة ” تدعم التكامل السياسي . أوربا قارة متعددة القوميات لكنها وجدت مصلحة مشتركة في إتحاد يضمها ، قرار إنشاء الإتحاد كان سياسياً لكن الدوافع كانت بالأساس اقتصادية .
4- نرجسية بعض القادة العرب و ولعهم بالألقاب و عبادة الكرسي و الشعور بالعظمة ، حب الزعامات و النظر بدونية للآخرين .. باختصار انعكاس شخصية القائد على تصرفه ، بما أنه في الغالب الوحيد صاحب القرار، ساهم بإنتاج وحدات فورية اندماجية غير مدروسة و انفصال فوري أيضاً
5- اختلاف الأنظمة السياسية كان عاملاً في عرقلة التقارب العربي . الملكيون للملكيين و الجمهوريون للجمهوريين ، هذا يفسر ما حدث في شباط عام 1958 ، إذ ساد شعور لدى الملكيين أن الأنظمة الملكية ستسقط تباعا بعد قيام النظام الجمهوري في مصر و التقارب المصري السوري إن لم تبادر لتقوية بعضها ببعض فسارعت لإعلان الإتحاد و يبدو أنه شعور في محله إذ أن تغيير الأنظمة من ملكية الى جمهورية كان هدفا مركزيا لعسكرتاريا الجمهوريات الفتية كشرط لأي تقارب في حين كان من الممكن أن يترك خيار أن يكون البلد ملكياً او جمهورياً لشعب ذلك البلد فطبيعة النظام لا تلغي المشتركات بين الشعوب
6- العوامل الخارجية المتمثلة بتضرر مصالح الغرب و” إسرائيل ” من أي تقارب عربي – عربي دفعت هذه القوى لممارسة لعبتها في حياكة المؤامرات ، الأمربالنسبة لهم في حقبة قريبة من استقلالات هذه الدول لم يكن لعبة صعبة بل مجرد هواية

في الأثناء كان الجميع يتحدث عن مصالح مشتركة لكن الشعوب لم تلمس غير نظريات سياسية و منطلقات أيديولوجية كانت موضع خلاف حتى بين دعاتها من زعماء القومية العربية في تفاصيل تبدو أحياناً لا أهمية لها لدرجة أن البعث السوري إختلف مع الإتحاد الإشتراكي العربي حول ما إذا كان على العرب أن تكون اولوياتهم مرتبة على شكل وحدة – حرية – إشتراكية أم حرية – اشتراكية – وحدة ! و هي خلافات لو كان فرسانها يعرفون ما ستؤول اليه أحوالنا بعد خمسين سنة بسببها لتركوها و انشغلوا بما هو اهم

لقد أضاع القادة العرب في مرحلة ما بعد الإستقلال فرصاً تاريخية لن يجود الزمان بمثلها أطاحت بآمال العرب بالإتفاق على مشتركات بحدود دنيا تنمو تباعاً مع تنامي الوعي و نضوج التجارب و تحمى بسواعد أبنائها ، اليوم و نحن نخوض حروبنا ضد بعضنا على أسس طائفية و عرقية يعبث الإرهاب بمدننا بأسلحة دفعت أثمانها من اموالنا و تقصف طائرات الشرق و الغرب أهلنا و هي تتزود بوقودها من نفطنا ، المقتولون من جميع الاطراف سواء كانوا شهداء أم مغرر بهم هم من أبنائنا ، المهجرون و النازحون هم أطفالنا و امهاتنا ، صار لزاما علينا اكثر من أي وقت مضى ان نبحث في مشتركات بعضها ولدت معنا كالإنتماء لأمة عظيمة هي أهل للفخر و أهل لأن تنهض من جديد و بعضها افرزه الواقع الجديد في تجزئة أجزائنا الى اصغر و اصغر كما تتجزأ القنبلة العنقودية ، لعلنا في عملية البحث هذه نعثر كالآخرين على صندوقنا الأسود

شارك
المقال السابقالانهيار الأخلاقي في مصر
المقال التالىالإعدادية المركزية و(جلاب) طالع
عماد عبود عباس كاتب عراقي عضو عامل في نقابة الصحفيين العراقيين 1974 وعضو اتحاد الصحفيين العرب و الاتحاد الدولي للصحافة İFJ اكمل دراسته في جامعة سراييفو في يوغسلافيا السابقة عمل في مجال الاعلام مدير تحرير و مذيعا و منتج برامج، يكتب العمود الصحفي و المقالة في عدد من الصحف و المواقع الالكترونية....
المزيد عن الكاتب

1 تعليقك

  1. تحياتي …استاذ عماد …حقا نحن بامس الحاجة اليوم الى مثل هذه الافكار …واحسدك على جرأتك وانت تكتب وسط الغام طائفية محصنة بمعسكراتها وميليشياتها ورافعة اسلحتها وكما نوهت في مقالك الموسوم الاتهامات جاهزة ولربما ابرزها النظام السابق وفلول الشوفينية والعغنصرية وما الى ذلك..تحيتي ومحبتي …وامنياتي بالتواصل مع الفكر القومي الاصيل الذي نحن بامس الحاجة له هذه الايام …

اترك رد