الإصلاح والعقد الاجتماعي العربي – ج4


 

لن نغوص كثيرا في مفاهيم وتعريفات الدولة منذ القدم، قد يبدو تعريف هيغل للبعض غير مفهوم وموسوم بالمثالية. تبنى آخرون المفهوم الماركسي كونها أداة قهر طبقية، أو ما جاء به أنكلز في كتابه أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة الذي اعتمد فيه على أنتربولوجيا موركان. تعددت إذن التعريفات منذ العهد الإغريقي حتى عصر النهضة للدولة، لكن سنحاول فهم الدولة العربية المعاصرة من خلال الأنماط الإجتماعية والثقافية والدينية السائدة في المجتمع العربي.

عاش العرب تصورات وهمية عن الدولة الوطنية أو القومية و أنماط أخرى من أشكال الدول. كما أن العجز المزمن عن الإنتقال إلى نظرية صحيحة للدولة والتساؤل عن أصلها وبنيتها ووظيفتها ينم عن جهلها بشكل الدولة المراد تحقيقها، كما ينم أيضا عن نفورنا من شكل الدولة القائم حاليا بسبب ظروف نشأتها وعدم اقتناعنا بها وبمشروعيتها السياسية والأخلاقية، لأنها نتاج مؤامرة استعمارية وتفكيك العالم العربي إلى دويلات قطرية.

نشوء الدولة في العالم العربي أدى إلى إنتاج علاقة تقاطع بين الدولة والمجتمع من خلال إنتاج تنظيمات استبدادية وتوسيع المجال السياسي للدولة وتضييق الخناق على المجتمع المدني وتقليصه حتى يتطابق مع المجال السياسي السلطوي للدولة، بمعنى نزع السياسة من المجتمع ومأسسة القمع وتعميقه بالإحتكار لمصادر السلطة والحكم.

فكرة الدولة الوطنية الحديثة أي دولة جميع المواطنين بكل اختلافاتهم كانت ولا زالت غائبة عن الثقافة التقليدية، وليس في لغتنا وتراثنا لا مفاهيم الدولة ولا نظرياتها ولم نعش يوما تجربة الدولة بمعناها الحقيقي وبمفهومها السياسي المعاصر. نحن نعيش الآن تجربة ما قبل الدولة أوضعية الدولة ما قبل السياسة.

ترتبط الدولة الحديثة مفهوما بالمجتمع المدني على الصعيد الاجتماعي وترتبط بمفهوم الشعب على الصعيد السياسي وأخيرا بمفهوم الأمة على الصعيد الثقافي. كما أن هناك توازي بين المجتمع المدني ونشوء الدولة الوطنية وهما وجهان لعملة واحدة لا يمكن أن يتحقق أي منهما إلا بالأخر.

المجتمع المدني هو مجال التفاعل والصراع والحوار أي حرية الفرد، والدولة هي الغطاء القانوني للممارسة بمعنى آخر هناك علاقة وطيدة بين الحرية والقانون. الأول يعبر عن التنوع والإختلاف أما الدولة فتمثل المركزية. كما نلاحظ أيضا أن المجتمع المدني تسوده المساواة والعدالة الإجتماعية في حين لازال المجتمع العربي يغلب عليه صفات المجتمع العشائري وهو يختلف عن أنماط المجتمع المدني.

تغيب عنا للأسف في فكرنا المعاصر التركيز على مفاهيم الحرية والعدالة والمساواة الإجتماعية وسيادة القانون والمحاسبة وسيادة الشعب والوطن والأمة والمجتمع المدني وكلها مفاهيم تصب في حقل العقلانية، والتي تؤدي لنشوء الدولة الوطنية كمخرج ضروري ووحيد من حالة الإستبداد والفوضى السياسية والأخلاقية. والعمل على الحد من البنيات الإجتماعية والسياسية التي تحمل بذور التسلط والإستبداد والتي تعيد إنتاجه في الزمان والمكان، إذن هي الشرط الوحيد لبداية مرحلة تأسيس فضاء للعمل الديمقراطي.

الدولة الوطنية هي الأخلاق الإنسانية والقانون، إرادة الإتحاد والتعايش بالكل الاجتماعي وتحقيق الحرية والعدالة والحق، إنها قابلة للنمو والتطور بفعل المعرفة والفكر وتطورهما وتحسين الوعي الجماعي لذلك تختلف أشكال الدول باختلاف المجتمع الذي ينتجها. فالدولة تتجلى في القانون كإرادة جماعية متفق عليها، وهي أيضا تعبير عن الوعي الذاتي الفردي الذي يرى في الدولة كيانه وحريته.

10 تعليقات

  1. العقد الأجتماعي ومنظومة الأخلاق وجدت قبل الأديان.. بعد مرحلة الرعي وجمع الحبوب بدأت تتكون المجتمعات الزراعية والقرى وهذا ما أكده أغلب علماء الأثار والحفريات ومن الطبيعي أن تصاغ حزمة من القوانين بين الناس في مرحلة التجمع وهذا ما أطلق عليه جان جاك روسو بالعقد الأجتماعي وهو من أهم ركائز بناء الدولة الحديثة التي أنطلقت في أوربا بعد تحييد دور الكنيسة .. وهنا أتذكر مقولة لا أعرف لمن بالضبط وهي أن أكبر جريمة في التاريخ أن الأديان سرقت الأخلاق وهنا أؤيد ما ذكرته الست جليلة خليفة لا بناء للدولة في ظل سيادة الدين والمقدس … أحسنت أستاذ عبدالله العبادي وجهد يستحق التقدير والأحترام

    • الاخ والشاعر القدير رياض
      شكرا للاضافة القيمة. عاشت المجتمعات العربية حالة من الفوضى السياسية والمفاهيمية مند استقلالها لو تحدثتا فقط عن التاريخ المعاصرو فنحن لم ننتج بعد تصورا ولا بنية الدولة التي يمكن أن تجمع كل أبناء الوطن مهما اختلفت مداهبهم وايديولوجياتهم وو.
      أما بالنسبة للاديان فلا أظن أن المشكلة تكمن في الدين نفسه بل كيف يتصوره معتنقوه وكيف يشوهوه أحيانا.
      أظن أننا بحاجة الى نقاشات وسجالات جادة حول كل الاشكالات العالقة. لاننا احيانا نصدر احكام قيمة مسبقة لبعض الامور التي تحتاج الى دراسة وتمحيص.
      مودتي الخالصة صديقي

    • اخي القدير مصطفى
      شكرا لاهتمامك وتتبعك, رايك ومشاركتك غنى واضافة لنا.
      وفقك الله

  2. موضوع جدير بالبحث والإسهاب ، ربما بحلقات أكثر إطالة لتكريس المفاهيم التي ذكرها الأستاذ عبد الله العبادي وكيفية تجسيدها على أرض الواقع في حالنا الآن، أن نضع أصابعنا على مكمن العلة ومن أين نبدأ ونحن بكل هذا التشتت واللاوعي و تغييب الرأي الآخر، نحتاج لمن يقودنا بخطوات نخطوها كطفل لم يتعلم المشي ويأخذنا الى مدارك لم نكتشفها بعد، تلك مهمة شاقة و رحلة طويلة، جهد مشكور نحتاج له ونتطلع لمزيد من هذه المواضيع.

    • اختي القديرة ايمان
      ممتن لاهتمامك وتفاعلك الايجابي ومشاركتك القيمة. كما تفضلت نحن في مفترق الطرق وبحاجة لبوصلة، نعيش حياة التائه. ما احوجنا الى نظريات ونقاشات جادة وتوحيد خطاب المثقفين حول مستقبل وطننا الكبير حتى يمكن تفعيل ما نتصوره على ارض الواقع من اجل غد افضل ولاجيال قادمة في اوطان تتسع للجميع وتحترم الجميع وخصوصا الاختلاف الفكري.
      كل الاحترام والتقدير اختي

  3. الحقيقة أني لم اعلم أن كان هناك طرح مسبق عن كينونة ” الدولة الوطنية”؟؟؟؟ متعارف عليه أو ما به تتضمن الكثير من التعريفات أن الدولة منظومة بها يقيم الناس و سلطة معينة بها يقر ترتيب حالة بناء الدولة بشكل عام … لكن هذه أمور تكتب على الورق بعيدا عن التنفيذ و العلم بها….. اعتقد قبل أي أطروحة عن شكل الدولة وترتيبها وجب أن ندرس و نقدم مقدرتنا على قتل الجهل وتصحيح الكثير من المفاهيم و التعمق بمنح عمق تفسير الإنسانية ومن ثم نبدأ في تقييم شكل الدولة وتركيبتها… أما أن كان الهدف في تصوير صلاحية الدولة في مجتمعاتنا و نوعية ما يناسب الطبيعة الاجتماعية الجغرافية العامة ومن خلال تجربة ومعايشة الى بعض الدول العلمانية اعتقد أنها من الصحة في جوازية تواجدها في مجتمعات مثل المجتمعات الشرقية التي تحتاج الى نمو العقلية العامة قبل أن نرتب لها سياسة المعايشة و الفهم العلمي في كيان الدولة العامة….. تقييم الموضع طرح عقلاني و تفسير لماهية المفروض في غياب قانونية الدولة في التواجد .. طيب التحيات لك أخي و للجميع….

    • كل الشكر صديقتي العزيزة امال لمرورك الكريم ومشاركتك القيمة
      كما تعلمين نعيش حياة الفوضى مند، زمن لم نبني أي مفهوم للدولة الحديثة، الخراب الحاصل الان يعيدنا الى نقطة الصفر، الصراع الديني والمدهبي والايديولوجي وو، يفرض علينا ان نطرح اكثر من تساؤل حول مستقبل ومشروع الدولة التي يمكن ان نتعايش في ظلها بغض النظر عن اختلافاتنا. نتصور دولة بعيدا عن النمادج الغربية ومشروع يساعد على الخروج من مازق التشتت والتطاحن.
      تقديري واحترامي المتجددين

  4. اخي القدير محمد
    شكرا لتتبعك واهتمامك بالصدى وبما نكتب. ننتظر دوما مرورك ووجودك بيننا.
    تحياتي الخالصة

اترك رد