الحسين ..الدرس الاخلاقي الكبير

 

من بين المواقف الكثيرة والكبيرة، التي حفلت بها ثورة الامام الحسين (ع)، موقفه من الجيش الذي جاء ليقتله، اذ كان ينظر بألم الى ما سيؤول اليه مصير هؤلاء بعد ان يقترفوا الجريمة، التي دفعهم اليها حب الدنيا والتضليل الاعلامي الذي مارسته السلطة الحاكمة، وقتذاك، فالحسين ليس سياسيا براغماتيا، ينتهز الفرص ليحصل على مغانم، بل رجل مبدأ وضمير امة، اراد انتشالها من المازق الذي وجدت نفسها فيه، بعد ان انحرف الطغاة بالرسالة وحولوها الى سلطة وصولجان .. تذكر الكتب التي زودتنا بتفاصيل واقعة كربلاء، ان الامام (ع) كان يدرك ان غالبية الجيش الذي امامه من المضللين، او المدفوعين قسرا الى معركة لم يحصدوا منها الاّ العار، وهو ما سيدركه اكثر هؤلاء بعد ان تبينت لهم جليّة الامر، وقاموا بالثورة المضادة ، فيما بعد، والاطاحة بسلطة الكوفة في القصة المعروفة.

الدرس الاخلاقي الكبير المستخلص من هذا الموقف، يضعنا اليوم امام اسئلة كثيرة، وقاسية، لان اصحاب المبادىء لايساومون، لاسيما اذا كان الامر يتعلق بمصائر الناس في دنياهم وآخرتهم، فصاحب المبدا الكبير لايعيش لكي يتنعم بخيرات الحياة او يناضل من اجل ان ينالها، ولم تكن همه الاساس، بل يناضل من اجل الانتصار للقيم العليا، فهي وحدها تحقق السعادتين للانسان، في الدنيا والاخرة،.

لقد ضحي الحسين من اجل ان لا تكون القيم شعارات للتدليس والتضليل كي يفوز هذا السياسي او ذاك، او هذه الدولة او تلك بنصيب من المكاسب التي تأتي عادة على حساب الاخرين، وهو ما يحصل في عالم اليوم، حيث السياسة باتت تستخدم الاعلام للتضليل وبإسم القيم من اجل الوصول الى غاية هي بالضد منها .. وهكذا اصبحنا في عصرنا المنافق هذا، نشاهد كيف ان امما وشعوبا سحقت باسم الدفاع عن الحق والانسانية، بينما كان الهدف الاساس هو المصالح الانانية لهذه الحكومة او هذا الحاكم. وتحت ضغط هذه الثقافة الاعلامية والدعائية المنافقة، اهتزت القيم في نفوس الكثيرين بعد ان حولها المراؤون الكبار الى تجارة. فالانسان اليوم يذبح باسم الدفاع عن حقوق الانسان، والاموال تسرق باسم حرية السوق، والشعوب تضطهد باسم الديمقراطية، والسبب هو غياب القيم العليا في نفوس من صاروا يتحكمون بالعالم، بعد ان امتلكوا اسباب القوة المادية، التي مكنتهم من التلاعب بمصائر مليارات البشر.

ليس غريبا ابدا ان يكون الحسين (ع) في الصورة التي نقلها التاريخ عنه، لانه تربى في كنف الرسالة وتشرب معانيها رضيعا حتى كبر عليها، ولذلك ظلت البشرية الى اليوم حين تتوقف عند الحسين، تشعر بالارتواء المعنوي،، بعد ان ساد العالم اليوم عطش للفضيلة، بفعل الجفاف الاخلاقي الكبير، وصار الانسان يبحث عن الذي يروي عطشه هذا ويشعره بانسانيته. فحين تمادت القوة في فرض القيم المادية، صارت الناس تتوجه بانظارها الى اهل القيم والمبادىء العظيمة، لانهم السواقي الازلية، التي يصعب ايقاف تدفقها ويصعب ايضا ايصال مائها العذب الى الجميع، الاّ بالكفاح، وهكذا نرى اليوم صراع الخير والشر بصورته الحالية، صراع يضعنا امام خندقين، وان علينا ان نختار!

لا تعليقات

اترك رد