استقراء لقطعة من قصيدة ” المتكردّة ” من ديوان “غرانيق الأمس” فائز الحداد


 

يا أنتِ : الزهرة والرصاصة …. أي امرأة هذه التي تطل علينا من وراء حجاب مكنون ؟ امرأة ما عهدناها في سجلات الغزل ..قُدت من الأضداد ..من معان هاربة .. ولن تكون غير امرأة حدّادية خلقت من سديم المعنى ..من خفايا اللغة .. او لعلّها سليلة لغة مازالت قابعة في لوحها المحفوظ ..ليقتحم غمارها شاعرنا ويفتح فيها فتحا مبينا..المرأة-الزهرة-الرصاصة هي السم والخمرة وهي الرعشة والخوف ..هي مهد القبل الموقوتة .. إنها قدرة شاعرنا على توظيف سجل الحرب مع السجل الغزلي لينشئ من وقع الرصاص وهدير القنابل نغما سيمفونيا رائعا تطرب له النفس وتنتشي .. فتنشأ علاقات سياقية جديدة تنزو بعنفوان التجلّي ولوعة الصّادي ..إنه عاشق يطرب لسحر حبيبته يُبلْسِمُها بأمنياته الهاربة.. بصرح تتهاوى تحته كل الصروح .. صروح اللغة حين تفرّ من قوانين الخليل وقواعد الفراهيدي ومنطق دي سوسير .. هو عنفوان راهس مؤمن بخلود جنّتها .. حين يجوب تضاريس أنثى كي يثبت تضاريسها ..وحين يبلسم جروحها بجروحه ويقُدّ سفوحها بتعوّذات الجسد الجاحم .. بعشقها يهجو كل التحايا والقُبَل الموقوتة .. يا أنتَ ..يا العاشق المتبرئ من ذمم الحب …الشاعر المعربد بمألوف اللغة ..بنظم القوافي ..أيقظتَ فينا شهوة الاثم للكفر بقواعد النظم حين فتحتَ للشعر فتحا أيها القيصر ..إنه عالمك تبرقعه بالضّياء فيزهو فيه عشق ليس كالعشق ..عشق صارخ ..معربد ..يدجّج عَبَق الليل بأبجدية نازفة من أعماق تُسفر من غير دليل ، بين تضاريسها ونواصيها ..إنه الشوق المعلن بإمضاء الكبرياء ..تقارع الصمتَ بالرصاصة ، وتغني للأمل بالزهرة ..فتتأسّى لتنشد ما اندثر من بقايا لوعة عشق تحارب في حربه باللغة في اللغة .. وتبتدع حبيبة من وجعٍ ، هي مليكتك وأنت مليكها .. ولكنّك تتوارى بظلال القصائد ..فأي عشق هذا الذي تسربلَ بالخمر والسمّ ، وتضوضأ بالرعشة والخوف ..وتأبّد بالزهر والرّصاص ؟ أي عشق هذا الذي تبْصمُ على فوهة سعيره تراتيل عشق وثنيّ ..؟ أي أنثى تخلقُها من ضلوعك أيها المعربد في جنوح الليل ؟ أهو عشق عشقك المتلبّد بغيوم القصائد ؟ أم عشق لغتك التي احتضنتَها غضّة ، تتوجها برغيد القواعد وترضعها حليب سُموقك، فتظفر شَعرَها بشوك ياسمينك ..؟ أم هو عشق الوطن ..عشق أرض تعوّذْتَ باحتضاره اللهَ في جسدك الجاحم .. في أحلامك المنسيّة .. في أبعاض قُبَل طائشة غزاها الدهر ، وشيّأها الزّمان الرّاهس ، وحْلا آسنا على عتبات قُبلتِها القاتلة ونهدِها الجريح …؟ هل هي الحاضر الغائب أم الغائب الحاضر ؟ ..لعلّها المعادلة الوحيدة التي تحضر في زمن الانكسارات يبغيها فتبغيه ويبقى الطلل لحبيبة مرتقبة ، هي القصيدة والقصيدة هي ..تضارع الليل ..وتترتّق صورتها بالفواجع والمواجع ..فلم يعد الحلم بها حلما بل صقيعا ورصاص..يتوارى في غياهب الهذيان ..على سفوح امرأة زئبقية .

النّص:
يا أنت ِ : الزهرة والرصاصة
الخمرة والسم.. المتعة والدين
الرعشة والخوف
فلا أقدسُ .. من خمرةِ الوجود ِ وعزلةِ
المكانْ
غير امرأة ظفرت شعرها بشوك الياسمين
وقد تعوذت الله في جسدي الجاحم..
فشتمت والهلاهل وقابلتي المأفونة
وهجوت التحايا والقبل الموقوتة
ورحى التعاضد والتجانس المراق !!
فما زال وحل المكان زمانا يشيئني..
ضبابا على جبل امرأةٍ زئبقية.. ؟
وقد تسلقتها بكل عنفوان الراهس
المؤمن بخلود جنتها الوسطى
وقبلتها القاتلة ونهدها الجريح !!

* جزء من نص لا يقرأ
من قصيدة “المتكرّدة ” .. “ديوان غرانيق الأمس “

1 تعليقك

  1. قراءة وتحليل مثالي الفهم ورفيع المستوى لناقدة وأديبة راقية جدا .. تحياتي وتقديري للأديبة والناقدة العربية خيرة مباركي .

اترك رد