مع ظلال عدنان في ( انكسار الذاكرة)


 

بعد أن حلّقتْ الأديبةُ ظلال عدنان في مجموعتها القصصية الأولى ( أنثى فوق الغيم ) تأتي لتعاين الذاكرة و تُعينها على التذكر و الإفصاح في مجموعتها القصصية الثانية ( انكسار الذاكرة ) ،فتبدع حين تختار موضوعها ، و حين تختار المفردة المناسبة لتحاور و تجاور مفردة أخرى، لترسم صورة لمشهد واقعي ، أو لمشهد واقعي ينافس الخيال حقيقة و بشاعة ، و تختار فن القصة القصيرة لتختزل المعنى الكبير في القول القليل و القصير .

تبدع ظلال عدنان و هي تنتقل من موضوع إلى آخر ، و هي ترسمه بدمع العين ، و نبض القلب ، و دقة الوصف إحساساً ، وهي تقف وفيةً لمكانها و إنسانها و نباتها و طيرها ، وهي تنشغل بهموم الإنسان حيثما كان ، فتوحي عِباراتُها بما تختزنه عَبَرَاتُها، و تختزل العالم بكلمات ، فتمضي إلى الماضي بحنين و صدق و وفاء ،و تُعاين الحاضر بمنطقه و مفرداته و وسائله الحديثة ، فتوظف التقنيات الحديثة في وسائل الاتصال الاجتماعي ، لتكون موضوعاً محكياً عنه ، و تفكك من خلال موضوعها الإنسان ذاتاً و خُلقاً و عاطفةً و فكراً.

يوحي عنوان المجموعة ( انكسار الذاكرة ) بالانكسار والانهزام ، و هي بذلك تقارب بين الماديِّ و المعنويِّ ، فالذاكرة هي تاجُ الإنسان و هويته ، وبها يتميز

عن بقية الكائنات ، فكيف للذاكرة أن تنكسر ؟!!، والانكسار بفعلِ فاعلٍ يغيب عن مسرح الأحداث ، ويبقى أثره ، و كيف للذاكرة أن تنكسر و يتهشم بعضُ أركانها ، و تتغير معالمها ، و تتحول إلى فتات هنا أو هناك ، وهي تحمل رفة عين ، أو دقة قلب ، أو …. ، أو …..، كيف للذاكرة أن تبقى محافظة على ما

كيف تلتقي المفردة مع مفردة أخرى فارق بينها الزمان و المكان ؟؟، كيف للذاكرة أن تؤآلف بين القول و قائله الحقيقي دون حجاب أو قناع ؟؟

تتهشم الذاكرة و يختلط المتن مع الهامش و المهمش ، ويكون لكلٍّ منهم لسانه و بيانه .

تلك إيحاءات …. و تُبدع ظلال عدنان في أن توحي دون تفصيلٍ مملٍّ أو اقتصاد لغوي مخلٍّ ، وتجعل المتلقي منشغلاً في هذه المعاني المتطايرة أو في ذلك المعنى المسكون في المفردة نفسها ، و ترى الكاتبةً معجبةً باسمها (ظلال) و توظفه ظلالاً هنا أو هناك ، حيث تناسب ظلالُ المعاني انكسارَ الذاكرة ، فتكتب قصة ( من منكم فقد ظله ؟؟!!) بهذا العنوان ، وبهذه الصيغة الخطابية الاستفهامية ، و لكنها تسند القصة في مضمونها لراوٍ يروي الأحداث ، و أكثر ما تتكرر فيها مُفردتا : الظل و الظلال :

تسمر بصراخ يتعالى : أين ظلي ؟؟ص 49

تفقد الجميع ظلالهم ص49

و راقبوا تكون ظلّ رجل .. ظلّ امرأة ….أو حتى ظلّ حجر .. و لا أثر

ظلّ ملك ….و ظلّ غني ..و ظلّ متسلط و ظلّ ظالم …

بقية الشعب عاش أجساداً دون ظلال …. و احتلال ..ص 51

تجذبك هذه المجموعة القصصية بتعدد أجوائها في ثلاث وأربعين قصة ، بعناوين متعددة ، تتخذ في أغلبها صيغة التنكير ، لتفيد التعميم لا التخصيص ، و تتكون العناوين في أغلبها من كلمة واحدة ، وقليلة تلك العناوين التي جاءت جملة فعلية أو اسمية أو شبه جملة ، سواء كانت بصيغة استفهام أو إقرار .

تتأرجح القصص بين طول و قصر ، من أربع صفحات إلى قصة من سطر واحد ، بلغة فصيحة متمكنة ، تتفنن في التصريح أو الإيحاء ، و في كلٍّ لا تُخطىء بلاغتها البلوغ إلى المتلقي ، وتُصيب المعنى حين تصوب القراءة و التلقي .

في ( انكسار الذاكرة ) يجد القارىءُ الكاتبةَ ظلال عدنان طفلةً كما يجدها امرأةً لها أطفال ، و ما بينهما كان لتلك الذاكرة بوحها و نوحها وفرحها و ترحها ، و يجد القارىءُ تلك الطفلةَ التي تبحث عن أبيها و لمّا تزلْ ، و تبدع ظلال حين تربط بين ديمومة الطفولة بوجود الأب ، ففي قصة ( أين ) تقول : ( تلك الطفلة .. رفضت أن تكبر حتى يعود والدها … و شاخت و هي ما تزال طفلة ..!!!) ص 83

لذا يجد القارىءُ صورةَ الأب ماثلة في هذه المجموعة القصصية ، ويجد فيها تطابقاً بين السيرة الذاتية للكاتبة و قصصها ، ونجد علاقةً قويةً بين عتبة الإهداء و مضمون بعض القصص التي تتحدث عن الأب ، ففي عتبة الإهداء جاء قولها :

(عدنان أينما ذهبت ستبقى أنت عدنان

فلله درك ماذا أقول لك : شيخي .. معلمي ..ملهمي ..أم أبي ؟!!

فأنت جميعها و هذي كلماتي بين يديك لعلها بقربها منك تزيد سعادتي ..)ص5

وهنا نجد مفردة الأب من أكثر المفردات تكراراً و توظيفاً في أجواء متعددة متابينة :

( أمزق يومي الأول الذي يتكرر على طفلة أدمنت النظر إلى الباب ترقب طيف أبيها المعتقل لعله يبسم لها …. فتكبر …) ص57

( و تتقافز فرحة تقول : هذه الطيارة فيها أبي ) ص 55

( فلا تجد البنت أحن من أب أو ظلِّ أب أو حتى قميصه ..) ص 89

و تتكرر المفردة أبي في صفحات ( 29 ، 39 ، 73 ، 79 ، 85 ، 89 ) ، بل تجد قصة تحمل عنوان ( أن تكون أبا ) .

هذه ظِلالٌ منْ ظِلال عدنان في مجموعتها القصصية ( انكسار الذاكرة ) فمن واقعها الخاص تُحاور و تُحاكم الواقع العام ، تناقش جدلية الحضور والغياب ، و تحاور الأبوة كقيمة و معنى ، متجسدةً في مشاعر لا تموت ، و هي تبحث عن الأب والوطن ، عن الذات و هي تتشظى و تتلاشى ، و هي تقارب الحقيقة و تقولها و تُدوّنها قبل أن تُنسى و تُنسى أحداثها و يُنسى أبطالها ، تُرمم ما تبقى من ذاكرة ، تلكم ظِلالٌ مِنْ ظِلالٍ ، والظلُّ أكبرُ و أطولُ و أبلغُ و أجملُ ، و أنّى لمقالةٍ أن تقتنص تلك المعاني و أنْ تُقاربَ ذلك الظلَّ الذي يُحاذينا و يَحدونا ، نُسابقه دوماً ولا نَسبقهُ ….

لا تعليقات

اترك رد