الرجل السنبــلة


 
(لوجة للفنانة خلود سباعي)

سارَ طويلا في الطريق نصف المظلمة، بانت في بعض زواياها ظلال باهتة، الإنارة خافتة والكثير من لمبات أعمدة الإنارة معطوبة منذ زمن بعيد. سمع صوت خرير ماء رتيب سرعان ما انقطع. لا يوجد ما يدعو للقلق، مجرّد رجل مجهول الهوية يبول بمحاذاة جدار أحد المباني المهجورة. هزّ الغريبُ عضوه بضع مرات قبل أن يخفيه في بنطاله ويرفع السحاب ثمّ يمضي في سبيله على عجل. في البعيد، عربدت المفرقعات والألعاب النارية، ليس بعيدًا عن هنا ما يزالون يحيون طقوس حفلِ زفاف، انحنى قليلا تحسّبًا من الإصابة بشظايا محتملة، واستمرّ في طريقه مطأطئًا رأسه، مستغربًا استمرار حفل العرس لليوم الثالث على التوالي حتى في ساعات الصباح الباكر.

الرجل السنبلة لم يجرُؤ على تقريع الغريب لتبوّله في مكان عام، وسرعان ما ابتعد عن مراسم العرس خوفًا من إصابة محتملة، لكنّه وقبل أن يمضي في طريقه التقليديّ إلى العمل، نظر إلى السماء وشاهد الغيومَ تتكاثرُ بسرعة غير معهودة. أدرك بحدسه أنّ المطر قادمٌ لا محالة. اختبأ في مدخل عمارة، انتظر دقائق طويلة بدء سقوط حبّات المطر دون طائل. ابتعد عن المدخل بحذر وكان على استعداد للعودة على الفور إلى المخبأ المناسب حال بدء حفلة هطول الأمطار.

هبّت ريحٌ قويّة وكان قد وصل إلى منتصف الخواء في الطريق الصباحيّ شبه المظلم، لا حياة في الجوار، مجرّد شارع طويل يمتدّ إلى الأفق، وعند نهاية العدم ينحني الشارع وتبدأ سلسلة من المباني، هو يعمل في إحداها، لكنّ الله وحده يعلم متى يمكن لقدمه أن تطأ مدخل المبنى ليتوجّه إلى مكتبه ويبدأ أخيرًا مشوار العمل ومصارعة الملفات المكتبيّة المتراكمة ككتل متراصّة الأطراف من حوله.

الريح تعصفُ لا ترحم أطرافَه ورقبته المكشوفَة وأرنبَة أنفه. تشتدّ معلنة حربًا شعواء ضدّ كيانه. فكّر مليًا بالطريقة التي تخلّصه من هذا المأزق، أخيرًا اهتدى بحكمة إلى مخرج سهل وعاجل، استلقى على الأرض وترك العاصفة تمرّ من فوقه دون احتجاج، وضع يديه على رأسه لحمايته من الرمال والأجسام المتطايرة، وبقي على حاله هذه حتّى بعد أن مضت العاصفة وانتهى أثرُها.

وقف على قدميه ومضى في الطريق، لم يبقَ سوى القليل كي يصل إلى المبنى الذي يعمل في أحد مكاتبه. نظر إلى الساعة، دقائق فقط تفصله عن موعد بدء العمل وهو الذي تعوّد دومًا تدوين اسمه في دفتر الحضور قبل الثامنة بدقيقة أو دقيقتين.
“سنبلة” سجّل اسمه في الثامنة تمامًا قبل أن تدقّ الساعة معلنة انتهاء مهلة الحضور في الموعد المحدّد، وبدء احتساب فترة التأخير وحسم جزء من الراتب لكلّ دقيقة وساعة عدا عن الإنذارات والتهديد بالفصل. نفث حزمة من هواء ثقيل احتبس في صدره ليروّح عن نفسه، أخرج منديلا ومسح جبينه، سوّى ثيابه وأزال ما علق عليها من غبار ومضى مبتسمًا إلى مكتبه في الطابق الثالث.

كعادته طلب القهوة وفتح الصحيفة اليومية، يدرك سنبلة جيّدًا عدد الدقائق التي يمكن سرقتها من أوقات العمل، والتي تطول وتقصر حسب الظروف والمناخ العام ومزاج الزملاء ورئيس القسم.
لم يحادث زملاءه وغالبًا ما يبتعد عن الاجتماعات العامة في غرفهم إلا ما ندر، يفضّل الانزواء وانتظار التعليمات الجديدة، ثمّ يباشر عمله بتدقيق الملفّات الماليّة المتراكمة. يترك أحيانًا ملفًا ويقدّم الأفضلية لآخر إذا طلب مدير القسم منه ذلك، دون الاستفتسار عن الأسباب ودون التبرّم ويكتفي بكلمة “حاضر”، ينطق بها وينكبّ على العمل، حتّى الساعة الواحدة بعد الظهر، موعد الاستراحة والغداء.

يبتعدُ عن الزملاء خلال تناول وجبة الغداء كيلا يُجْبر أو يُحرج لدفع الفاتورة، يجهّز القدر المحدّد من المال لدفعه، والرجل السنبلة يعرف جيّدًا أسعار الوجبات بكلّ أنواعها، الحساء والوجبة الرئيسية والحلوى إذا رغب أحيانًا، ثمّ ينضمّ براحة ضمير لزملائه لشرب القهوة، يحمل الفنجان بين يديه ولا يدع غيره يدفع عنه كيلا يضطر لدفع مبلغًا مضاعفًا في اليوم التالي. هكذا يقضي الرجل السنبلة أوقات عمله يومًا بعد يوم.

* * *
في طريق العودة، ارتفعت درجة الحرارة لمعدّلات غير مسبوقة، والرجل السنبلة يرتدي ملابس ثقيلة. لم يجرؤ على الشكوى، استقلّ عربة أجرة، جلس بين رجلين سمينين في المقعد الخلفي، شعر بالاختناق لكن كيف يُظهر امتعاضه وضيقه وقد شهد قبل أيام عملية اعتداء على أحد الركاب لأسباب أقلّ قدرًا وقيمة من هذه. غادر العربة قبل أن يصل إلى وجهته الأخيرة بمسافة ليست قصيرة، حمد الله على السلامة، اشترى بعض حاجيات المنزل ومضى في طريقه يلهث من شدّة التعب. أخيرًا وصل البيت، خلع ثيابه على عجل وكانت رائحة العرق تفوح من كلّ مسامات جسده، سارع إلى الحمام ودلق على جسمه ما توفّر من المياه، وما أن لامس جسده الفراش حتى ارتفع شخيره في أنحاء البيت.
استيقظ بعد ساعات، توضّأ وصلّى المغرب وجلس إلى زوجته وابنتيه وأبنائه الأربعة. ابتسم راضيًا وفرك يديه. قريبًا ستتزوج الكبرى وسيلتحق الابن الأكبر بالعسكرية، سيقبض المهر وسيتخلص من حنجرتين جائعتين لا تتوقفان عن مضغ وابتلاع الطعام. سيتضاءلُ عدد السنابل في البيت، ولن يضطر لتقديم الهدايا والمصروف اليوميّ لهما، بل ربّما سيطلب من السنبل الكبير دعمه ومساعدته في مواجهة متطلبات الحياة.
السنابلُ تجلس حول المائدة، تمضغُ الزيتون والحمّص والفلافل، نظر إلى كومة الخبز التي تتناقص بسرعة مبشّرة بضرورة شراء ربطة خبز جديدة، حمد الله والحكومة الداعمة للطحين، ولولا الدعم الرسمي لاضطرّ لصرف جزء كبير من الراتب لشراء كلّ هذا الخبز، مادّة الاستهلاك الأساسية على موائد السنابل. “تُرى، هل تستهلك العائلات الأخرى كلّ هذه الكمية الكبيرة من الخبز مثلنا؟” تساءل الرجل السنبلة بصمت. لا بدّ أن يسأل زملاءه في الغد، ولكن كيف سيجد السبيل إلى ذلك وهو الذي يتجنّب التواصل معهم طوال الوقت؟ قد ينفتح الحديث بشكل أو بآخر ولن يتوانى عندها عن الاستفسار ليطمئن قلبه.
الرجل السنبلة لم يتوقف عن الابتسام، وهو يرى كيف سيتراجع تعداد أبنائه وستُرفع المسئولية عنه خلال سنوات. البنتُ الأخرى ستنضجُ قريبًا وسيقبل بأوّل المتقدمين للزواج منها ليريح ويرتاح ويبتسم. في الأثناء أصيبت أمّ الأولاد بالحيرة والدهشة، “لم كلّ هذه الابتسامات، هل توجد امرأة أخرى في حياة زوجها؟ يا ويلي، ضرّة في آخر العمر.”
– ما الذي أصابك يا رجل؟ لماذا تبتسم طوال الوقت بحمق كالأبله؟ كانت غاضبة ولا تدري كيف تتغلّب على حيرتها، لم تألفه وديعًا مستسلمًا إلى هذا الحدّ. بدوره لم يمتلك نفسه، أجال بصره بين أبنائه وابتسم، حركاتُ يديه توحي باللامبالاة والسرور. انفرجت شفتاه أخيرًا وقال بعفوية غير معهودة.
– سنابل.

لا تعليقات

اترك رد