نحن والطوباوية


 

وأنا أصفف بعض الجرائد التي أحافظ عليها، أثار انتباهي مقال نشرته جريدة “لوموند ديبلوماتيك” في أبريل 2000، تحت عنوان: “أضواء على الطوباوية”، لصاحبه ليونيل ريتشارد. لم أعره أي اهتمام آنذاك، لكنه استوقفني هذه المرة. خصصه صاحبه لمعرض أقامته المكتبة الوطنية الفرنسية تحت شعار: “الطوباوية: البحث عن المجتمع المثالي بالغرب”. وطبعا يتعرض هذا المقال لكلمة الطوباوية عبر التاريخ انطلاقا من السؤال: “ما هي الطوباوية؟” يجيب الكاتب بأنها تعني: “أي مكان”، وأن أول من استعملها بهذا المعنى هو طوماس مور سنة 1532، وهو رجل قانون في انجلترا، حيث يصف في كتاب له تحت عنوان :” طوباوية”، جزيرة أي مكان، ويعطي تصوره للمجتمع الإنجليزي الذي كان يحلم به.

وهكذا فقد أسس طوماس مور قبل القرن السادس عشر لجنس أدبي يتجلى في الرواية الطوباوية التي تنبني على الشكل البسيط التالي: تنطلق أحداث الرواية من فضاء جغرافي معين، غالبا ما يكون معزولا عن العالم، يسكنه أناس لهم طريقة عيش مختلفة عّما هي عليه في الواقع في عالم متخيل عوض أن يستغلّ فيه الأغنياء الفقراء، تعم المساواة، ويتم توزيع الخيرات على المواطنين بالعدل.

وتتطور فكرة الطوباوية وتعبر الأزمان، ونجدها عند روسو في القرن الثامن عشر في أسطورته: “الوحش الطيب”. ونجدها في القرن التاسع عشر عند الرومانسيين، ومن بعدهم عند الاشتراكيين وعند البروليتاريا في صراعها من أجل التحرر والانعتاق. وقد اتضح من خلال هذا المعرض أن فكرة الطوباوية التي عبرت عنها الإبداعات الكتابية في البداية، أصبحت كذلك موضوع إبداعات الفنون التشكيلية. وما يمكن استنتاجه أن الإنسان محكوم عليه أن يحلم. فمنذ أن وجد على سطح الأرض، مرورا بأفلاطون إلى يومنا هذا، مازال الإنسان يحلم بمجتمع تسود فيه المساواة، وتصبح الحياة كلها سلسلة من الطوباويات تتحقق في الواقع بعزيمة الإنسان وإرادته القوية لتنتج مجددا طوباويات تعطي الأمل في العيش وتنتظر التحقق. فالديانات والرأسمالية والاشتراكية والحركات الحقوقية إلخ… كلها طوباويات، لكنها تتجسد على أرض الواقع حينما تحضر الإرادة، إرادة الإنسان الحالم لا الإنسان الخنوع، إرادة الإنسان المغامر لا الإنسان المستسلم، الإنسان القوي بإيمانه ومبادئه لا الخاضع ، الإنسان الرافض والصامد لا المهرول الانتهازي.

فإذا كانت فكرة الطوباوية تجد لها صدى في المجتمعات الغربية، بحيث تقام لها المعارض، مثل الذي أشرنا إليه سابقا، والذي يعتبر وقفة تأمل وتقييم لتطور هذه الفكرة، وإبراز مدى تحقق ما حلم به الإنسان عبر الأزمان، وتبين بالملموس أن الطوباوية لم تعد حلما تاريخيا، بل واقعا ملموسا، فهل لدينا طوباوية، وماذا حققنا منها؟ هل لدينا أحلام نصبو إلى تحقيقها؟ الإجابة طبعا، نعم، ما دمنا بشرا نسكن هذا الكوكب كأمثالنا من البشر. لكن، هل نصبو فعلا إلى تحقيق ما نحلم به، أم ترانا نكتفي بالحلم المرتبط أصلا بالنوم؟ لأن الحلم الذي نتحدث عنه هو حلم إنسان غير نائم. حلم المفكر الذي يصارع من أجل تجسيد فكرته على أرض الواقع. مثل الذي حلم بالطيران وتحقق حلمه، والذي حلم بالدواء لمرض معين، وبعناده المستميت وإخلاصه لبني جلدته، حقق حلمه وأنقذ الإنسانية من آفاته. كالذي حلم بالديمقراطية والعدالة وحقق نسبة عالية من حلمه… هكذا يجب أن نحلم ونفكر، وإلا أصبح التفكير/ الحلم بالنسبة إلينا، كما قال ليفي بروهل عمّن أسماهم بشعوب ما قبل المنطق، نوعا من الهم. وهذا ناتج طبعا عن أسباب ذاتية وأخرى موضوعية. أصبحنا نرزح تحت وطأة الكسل، الناتج عن إحباطات وقمع المجتمع متنوع الممنوعات: سياسية، دينية، ثقافية… أي لدينا عدة فرامل تكبح سيرنا… وكلما برز مفكر محاولا الدفع بعجلة التقدم إلى الأمام، إلا وحاصره الجهل وعدم قدرة معاصريه على مسايرة الحركية التفكيرية والفكرية، وبالتالي يتم تهميشه وعزله وكأنه مصاب بمرض معدٍ. إنه مجتمع التقوقع في الواقع، والاستسلام لقانون الاستهلاك والاتكالية بعيدا عن الإبداع والإنتاج. إنه الخوف من المغامرة الفكرية والانبطاح أمام السلفية. وهكذا يصبح هذا الكائن غير المفكر، مفكرا فيه من طرف الغير، ويتم تحريكه مثل كركوز. إنه يشبه الحلزون المتشبت بغصن الدفلى رغم مرورة رحيقها، ظانا أن أحسن العوالم لا يضاهي عالمه المر هذا الذي وجد أجداد أجداده يعيشون فيه، جاهلا أن ما عليه إلا أن يغامر شيئا ما ويدب نحو المياه والخضرة لينتعش من رحيق الأزهار المترامية على ضاف النهر، الحلو، نهر الحياة.

مازال مجتمعنا يحتقر المفكر، ناعتا إياّه بالطوباوية ، في مفهومها السلبي، والمحلق في أعالي السماوات بعيدا عن الأرض، أي الواقع. وما يؤسف له، أنّ هذا النعت يصدر عن أشباه مفكرين وأشباه مثقفبن، استسلموا خانعين لسياسة الواقع وهرولوا نحو امتيازات شخصية، متراجعين عن أحلامهم الصادقة. لكن من يا ترى يكون بعيدا عن الواقع؟ هل هو ذلك الشخص الذي يستهلك ما حوله كالدابة التي تلتهم الشعير دون أن تعرف أصله و دون أن تستطيع أن تحلم بشيء أحسن منه؟ أم هو ذلك الشخص الحالم، الذي يجرؤ على الحلم رغم ما تعترضه من صعاب، وما تزرع في طريقه من أشواك لثنيه عن أحلامه وتيئيسه؟ إنه يقترح عالما يفوق الموجود جودة. أعتقد أن الأسئلة تجيب عن نفسها. فمن صنع الدراجة والسيارة والباخرة والطائرة…؟ إن لم يكن ذلك الإنسان الحالم الطوباوي. والطوباوي هو أيضا ذلك الإنسان السيبرنتيكي في عهد الإلكترونيك، الذي يناضل من أجل مجتمع عالمي ديمقراطي. ألم يكن جيل فيرن (Jules Vernes) طوباويا حينما حلم في روايته بزيارة القمر؟

إنه الحلم! والحلم محرك التفكير، والفكرة هي صانعة الواقع، الواقع المتفتح، ليس الواقع المنغلق المتقوقع المتشبت برحيق الدفلى، الخائف من الشعراء والمفكرين والفنانين الحالمين. والواقع المتفتح هو الذي يثير بدوره الفكرة ويعطيها الأجنحة القوية كي تحلق في الأجواء، لأن العلم برهن على أن خيرات الأرض، حتى تلك الموجودة بباطنها، تبدو جليا من أعلى. وما وجود الأقمار الاصطناعية إلا خير دليل على هذا.

هكذا يتضح أن الحالمين، الطوباويين، يمسكون أحسن بالأشياء بتعاليهم عن الواقع، وهو ما يسمح لهم باحتوائه جيدا. أما الواقعيون المتقوقعون، فإنهم لا يرون أبعد من أنوفهم، لأنهم قابعون في جهالة الظلام.

فطوبى للطوباويين، الحالمين بغد أخضر، وطوبى للمفكرين الذين يعبدون الطريق نحو غد أفضل!

المقال السابقإعلام العار
المقال التالىترامب ينتخب رئيس ايران
محمد العرجوني : - تاريخ الازدباد : 14-4-1951. - حاصل على الإجازة في اللغة الفرنسية وآدابها بالمعادلة بالمدرسة العليا للأساتذة بنيس (فرنسا) الحالة المهنية: - أستاذ اللغة الفرنسية بالثانوي تأهيلي سابقا (متقاعد) النشاط الجمعوي والأدبي: - عضو مؤسس المقهى الأدبي أرابيسك - كاتب عام للشبكة ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد