الشرق والغرب – ج١


 

(لن ينام الغرب مستريحا، حتى ينهض الشرق).. جملة تختصر الكثير، كتبها الفرانكوفوني (امين معلوف) بين سطور روايته الرائعة ( سمرقند)، التي صدرت عام 1988 اي قبل ظهور الارهاب بنسخته المعروفة حاليا، ولكنها كتبت ابان الحرب العراقية الايرانية التي مثلت صراعا انسانيا لايقاف سموم التخلف والجهل والعنجهية الفارسية التي نشهدها اليوم مترافقة مع الارهاب الدموي الذي نهش الامة ليقودا معا ( سموم فارس والارهاب الوهابي الداعشي ) امة العرب والاسلام الى الحضيض والتردي، والابتعاد عن مسار الحضارة والتقدم، واشغالها بصراعات جانبية لن تنتهي الا بعد ان تستنزف كل طاقاتاتها وامكانياتها..

وقبل صدور هذه الرواية التي لا اريد الحديث عنها هنا رغم اهميتها في تقديم صورة عن صراع الهيمنة على الشرق الاوسط، كانت قد برزت فكرة حوار الحضارات التي اطلقها الفيلسوف الفرنسي روجيه غارودي منتصف السبعينيات، والتي تطورت فيما بعد لتصبح نظرية تتبناها الامم المتحدة لتعلن عام 2001 عاما لحوار الحضارات وعينت مندوبا متخصصا لهذا المنصب، وقبل هذا العام وبعده ايضا عقدت الكثير من المؤتمرات والندوات شارك فيها الكثير من الشخصيات الفكرية والدينية العالمية لوضع اسس لطبيعة الحوار الذي اختص فيما بعد بحوار الاديان، اعتبر الغرب ان انتشار وتبني هذه الافكارالتي تنتقد هيمنته وتعاليه على الامم الاخرى خطرا كبيرا عليه، فالحوار يعني ان هناك طرفين او اكثر بنفس الاهمية والقيمة ويعترف كل منهما بالاخر، وهذا مناف لطبيعة السياسة الاميركية القائمة على روح الهيمنة والقيادة، ولذلك جرى تفريغ الفكرة والجهود من محتواها واهدافها وتحولت فيما بعد الى حوار الطرشان، وقبل عام الحوار ومع انتشار الحديث عن افكار جارودي التي دعا فيها الى التعايش الكوني بين الامم بعدل وانصاف ودون تمييز وظلم، أطلق صمويل هنتغتون نظريته المضادة المسماة ( صراع الحضارت) منتصف التسعينيات لتقاطع افكار جارودي بشكل كامل، فهنتغتون يعتقد بحتمية الصراع بين الحضارات، ويرى ان طبيعة الصراعات المستقبيلية بين الامم هي صراعات ثقافية، وحدد الجهات التي من المحتمل ان تنشا بينها وبين الغرب صراعات مستقبلية ومنها الثقافة الاسلامية( كل الدول الاسلامية)، يعتقد هنتغتون ان الانتماء الثقافي لايمكن استبداله، على عكس الانتماءات الايديولوجية، فبامكان الشيوعي التحول الى ليبرالي ولكن ليس بامكان العربي ان يصبح الماني، وكذلك يمكن لاي فرد ان يحمل جنسيتين مختلفتين معا ولكن لايمكنه ان يكون مسيحي ومسلم في ان واحد، هذه الحقائق المطلقة جعلها اسسا لنظريته التي توقع فيها ان الصراع القادم سيكون بين الغرب والاسلام، وهو ذات الصراع الذي تنبا به فوكوياما في نظريته لنهاية التاريخ مستندا الى حتمية الصراع بين الحداثة والتقليد، وبذلك نسفت من الاساس اية افكار وخطوات للحوار بين الامم..

وفي عام الحوار الاممي ذاك جاءت احداث 11 سبتمبر لتجعل من صمويل هنتغتون نبيا غربيا، واطلق حينها بوش الاب مقولته الشهيرة ( اما معنا او ضدنا) ليصطف العالم الغربي بقوة ضد الشرق المسلم، لتبدأ بعد ذلك عمليات التدمير الممنهجة عبر الحروب والاحتلالات والصراعات المذهبية..
لم تكن الصراعات بين الشرق والغرب وليدة اليوم، بل سبقت الاديان واستمرت مع وبعد ظهورها، ولكنها بعد ظهور الاديان اتخذتها في كثير من الاحيان اسبابا للصراع كالفتوحات الاسلامية والحروب الصليبية وايضا حرب الثلاثين عاما المسيحية الخالصة والهند والباكستان والحرب العراقية الايرانية والبوسنة والهرسك والحرب الامريكية ضد العراق، وحروب داعش وحرب اليمن وغيرها الكثير،

لقد جرى التركيز كثيرا على العداء للاسلام والعرب تحديدا في الخطاب الغربي ، فالحديث الاميركي عن الصين مثلا، يتخذ منحى المنافسة والهيمنة الاقتصادية، مع ان الصين ثقافة قائمة لوحدها رغم الاختلافات الاثنية والدينية التي تحتويها، والحديث عن الروس له طابعا مختلفا يتمركز حول الهيمنة والقيادة، اما الحديث عن العرب فانه حديث حول التخلف والتطور، التراجع والتقدم، التعصب والتسامح، وحول الحداثة والتقليد كما يقولون..

هذا التركيز دفع الدوائر الغربية الى التخطيط المستمر، لتدمير الامة وتجزئتها وزرع بذور الفتنة والاختلاف ، التي نمت وتشعبت، الى الحد الذي ناصب فيه العربي العداء للعربي والمسلم للمسلم، ثم تطورت الى صراعات وحروب كما شهدناها منذ تمانينيات القرن الماضي والى الان، لم يدر بخلد اي مواطن عربي بسيط ان تصل فوضانا حدود الجنون، ليصبح تآمر العرب على العرب مكشوفا وواضحا، والعمالة لاسرائيل واميركا محل فخر واعتزاز، ثم اخذت معاول العرب دورها في التهديم والتخريب والتحطيم واذلال الذات وتمزيق الهوية، حتى وصل بنا الحال ان نساق كالعبيد في سوق السياسة، وهاهو ترامب اخيرا، يعلنها صراحة: عليكم ان تدفعوا الجزية، والا فانتم خارج التغطية..

ولكن قبل الوصول الى قمة التصادم بين الثقافتين حسب توقعات هنتغتون وغيره، هناك الكثير مما يمكنه ان يؤجل هذا الصراع بل وينفي الحاجة اليه اذا ما تمكن الغرب من تدمير الثقافة المنافسة ( الاسلام) كما حصل في سياسة الضرب تحت الحزام التي ابتدأها الرئيس ريغان لتدمير الاتحاد السوفيتي من الداخل دون حرب وصدام وخسائر من كل نوع، وهكذا تم اختلاق الفوضى الخلاقة التي كان من ثمارها ما سمي بالربيع العربي ومن ثم تصنيع داعش لتحول التصادم الموهوم، من تصادم الحضارات الى صراع اثنيات وطوائف ومذاهب، فوضعت الحلبة في ارض العرب، ولكن المشاهدين والمقامرين في كل ارجاء المعمورة وعبر الاقمار الصناعية..

الباعث على الاستغراب، اننا كعرب وكمسلمين لم ولن نتمكن من منافسة الغرب، لا اقتصاديا كالصين، ولا تقنيا وعلميا كاليابان، ولا بقيادة العالم كالروس، واذا ما تغيرت الاحوال وحاولت بعض كياناتنا التواصل مع العلم والتكنلوجيا فانها تبقى في كل الاحوال اسيرة الدول المتقدمة صاحبة الباع الطويل في هذا المجال، وكذلك الارادة الدولية والاممية التي تحدد الحدود وتضع القيود..

اذن : ما هي الاسباب التي تضع المسلمين والعرب تحديدا في باب المنافسة او العداء للغرب ؟..
ومن وجهة نظر مغايرة، ماهي الاسباب التي تدفع الغرب لمعاداة العرب والاسلام؟
ومن وجهة حيادية: ماهي اسباب العداء بين الغرب والعرب؟..
يتبع

لا تعليقات

اترك رد