هل نحن قطط؟

 

حشرنا أنفسنا نحن اللاجئون والمسافرون معا في بطن طائرة أمريكية عملاقة، لتحلق بنا إلى قارة العالم الجديد كما تسمى سابقا وحديثا تسمى بالقوة العظمى المسيطرة على العالم ، أمريكا وتحديدا الولايات المتحدة الأمريكية ، كيف بإمكانها أن تسيطر على العالم أجمعه ؟ وتصنع طائرة مذهلة كهذه؟ ونحن أصحاب الحضارات العريقة لم نتفق بعد على عمر وأبو بكر وعلي.

الركاب بانتظار موعد انطلاق الطائرة ومجيء المضيفة الحسناء التي توجهنا بابتسامتها الرقيقة إلى شد الأحزمة، لكننا لاحظنا أن القادم هو مضيف شاب ولا بأس بذلك ، لابد أن المضيفة الشابة ستأتي بزيها الأنيق لتحملني إلى ذكريات مدرسية حيث كانت معلمتي لدى توقيعها على الواجب المدرسي بعد اجتيازي له بتفوق، تسألني ماذا تحبين أن تكوني في المستقبل عندما تكبرين ؟ أجيبها مضيفة طيران كي أسافر كثيرا !!فتضع إلى جانب التوقيع على الدرجة النهائية جملة (أحسنت يا مضيفة الطيران) ومازالت هذه العبارة مرسومة في ذاكرتي بخط معلمتاي عدوية و باكزة .

لكن أين المضيفة الشابة ؟ تأخرت كثيرا، تبين لنا بعد لحظات أن السيدة الكبيرة أو الجدة التي تتجول بين المقاعد بابتسامتها المرتجفة حول شفاهها المجعدة المرحبة بنا على متن الطائرة وطالبة منا شد الأحزمة ، هي المضيفة..!!
وتأتي أخرى وهي أيضا تجاوزت الخمسين يعني هناك اختلاف في اختيار المضيفات في أمريكا، لكن ألا يشعرون بالتعب من أمراض الكبر من ارتفاع ضغط الدم والسكري وأمراض القلب وغيرها، خاصة وأنهن محلقات في الجو على مدى إحدى عشرة ساعة .

بعد هبوطنا بسلام وتوديع جدتنا المضيفة لنا تبين من خلال تنقلاتنا أن لا مانع في أمريكا من توظيف كبار السن طالما يتمتعون بصحة جيدة وعقل سليم لغرض حثهم على المواصلة والاستمرارية في الحياة، وأن حياتهم مستمرة طالما هم قادرون على الأخذ والعطاء . معلمتي الأمريكية (مايلندا) تبلغ من العمر (73)عاما مخلصة جدا في عملها و بإتقان شديد، تمارس حياتها اليومية بشكل طبيعي وتقود سيارة فارهة سوداء تشبه سيارة الرئيس، محبة متعاونة أنيقة وتهتم بصحتها جدا.

في الصف لدي زميلة من كولومبيا اسمها نوبيا تبلغ من العمر 68 عاما وزوجها 75 عاما وهو يلهث إليها وقت الاستراحة ليطبع قبلة على شفاهها المحمرة ويحثها على المزيد من التعلم، نوبيا وزوجها يهتمان كثيرا بأناقتهما بل إن إحدى العراقيات علقت قائلة على حالة نوبيا (لوكانت هذه المرأة في العراق لوضعت بوشية – غطاء الرأس الأسود – على رأسها وكانت تشكو من أمراض عدة في حين أنها بهذا العمر وتضع أحمر شفاه وتتعلم لغة).

أجل نحن هكذا في قمة شبابنا ينادوننا عجائز، زارعين بذور الإحباط والخيبات في أنفسنا، الفتاة التي تتجاوز 25 سنة ولم تتزوج هي في طريق الخطر حتى إن كانت موظفة، يبدأ العزوف عنها وأعني أنها ستبدأ بسماع كلمة (عانس ) وكذلك الحال للشاب الذي سرعان ما يتملكه اليأس عندما يجد نفسه يتقدم في السن ولا يملك شيئا، وفي حال بلوغ سن الأربعين لكلا الجنسين تتوقف عجلة الحياة نهائيا لندخل في مرحلة التكفير عن ذنوبنا ومعاصينا وكأن كل ما فعلناه هو خطايا وأبشع الجرائم . تختفي كل مواد التجميل النسائية والألوان، أسرة الأزواج تتباعد رويدا رويدا وتختفي معها كلمة حبيبتي وحبيبي هذه إن وجدت أصلا وغيرها من المسميات الشخصية لتحل محلها أسماء شعبية (حجي وحجية وخالة وعمة وعمو ) وكأن الكل في صلة قرابة شديدة لسبب بسيط هو (العيب ) الذي مازال غائبا عن قواميس الأديان السماوية .

كلما طاردتنا الأسئلة الخائبة ، بدون أجوبة مقنعة ، أسأل لماذا العرب مهتمون بسؤالهم عن الأعمار في الحب في الخطبة والزواج في العمل في التعارف وكأن عمر الكائن العربي محدد بمقاييس ثابتة وكأنهم نجوم السينما عمرها يعكس جمالها وأدوارها بعكس أمريكا التي تجعل السؤال عن العمر من العيوب الفظيعة إلا في حال تقديم المساعدة أو الأمور الصحية وينصب اهتمامها بعطاء وصحة الإنسان نفسيا وجسديا وفكريا ومن قلة الأدب سؤال المرأة عن عمرها، فهل نحن قطط ؟

المقال السابققصيدة عاشقة
المقال التالىإحذرها إن تميزت عنهم !
كاتبة عراقية مغتربة في امريكا ..من محافظة الموصل خريجة جامعة الموصل تربية تاريخ تكتب في مجال الصحافة الفنية والثقافية ولديها كتاب مطبوع من قبل دار ثقافة الاطفال العراقية بعنوان حكايات ماما نونو ولديها ديوان شعري قيد الطبع بعنوان لعاب الورد وتكتب ايضا في القضايا الاجتماعية والانسانية..تعمل صحفية لش....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد