الشهرة ، لأجل الشهرة


 

ولأن الأدب الجيد لا يضيع وسط الركام ، لم تسقط من ذهني يوما تلك الأقصوصة الجميلة للمبدع الألماني غونتر غراس .ففي صفحات قليلة ، شديدة التركيز يصف الكاتب عائلة مكونة من أم وأبناء يتحلقون حول شاشة التلفزة وينتظرون بفارغ الصبر شيئا ما سيُبث ، وبين الحين والآخر ، يدق جرس الباب ، فيفتح أحد الأبناء وينضم جار من الجيران إلى الجلسة وقد حمل كل منهم مختلف الأطاييب ، من فاكهة ، وثمار ، وفواكه …للسهرة … ويتزايد عدد الوافدين في طقس احتفالي والكل يتساءل بلهفة : هل بدأ البرنامج ؟؟؟ ولا يفوت الكاتب أن يصف اللهفة والبهجة على الوجوه دون أن يفصح عن سببها .. ويطول التشويق ، وفي اللحظة الصفر ، يطل البرنامج الموعود ، فإذا هو مشهد إعدام الأب ، في سابقة أولى هي بث عملية إعدام بالكرسي الكهربائي بشكل مباشر وعلى الشاشات . وتنغلق القصة .

بمثل هذه الدراما السوداء ، يطرح غونتر غراس ماذا فعل هوس الشهرة بالناس ، حتى أن مشهد مشاهدة الأب على التلفزة ، تغطي على السبب ، وهو الإعدام .

تلك أقصوصة ، ولكن ليس بعيدا عن ذلك يتخذ هذا السلوك شكلا واقعيا في حياة الناس الحقيقيين ، فليس ذلك محض مبالغة . فالناس اليوم ، ولكي يكونوا في واجهة المشهد ، لا يعنيهم سبب الشهرة ، بل الشهرة ذاتها . ولذلك كان الإنسان في الماضي وإلى زمن قريب يفعل شيئا نوعيا فيفضي به إلى الشهرة ،أما ّ اليوم فقد أصبحت الشهرة مطلبا في ذاتها ومهما كان سببها ، لم تعد نتيجة لفعل ما ، وإنما غاية . ولأجل ذلك نجد الناس يتوافدون مثلا على البرامج الفضائحية المصنفة ب” تلفزيون الواقع ” كبرنامج “ستار أكاديمي “، و”عندي ما نقلك ” في نسختيه التونسية واللبنانية ، و” باشلور” في نسختيه الأجنبية واللبنانية ..والكثير من تلك المصنفات … ولا يجدون حرجا في نشر غسيلهم القذر على الملأ لقنوات تشتغل بقصصهم مادةً ربحيةَ ، ولكن لا يعني ذلك شيئا طالما أنهم سيصبحون في وقت وجيز مشهورين .والأغرب من ذلك أن صناعة ما يسمى بتلفزيون الواقع تتصيد قصدا الشواذ وغريبي الأطوار والمهمشين والمرضى النفسانيين .. تفعل ذلك قصدا لأجل الإثارة ، وتجد مع ذلك من يقصدها ، ملء قدميه .

والناس إذ يفعلون ذلك ، يعبرون عن ضياع للمعايير لم يعد بموجبه الفرد معنيا بصورته لدى الآخر ، ولا بنظرة الناس له ، فيكفيه أنه تحت دائرة الضوء ، وفي هذا من الرسائل ما يكفي للدلالة على عالم ينسحق فيه الفرد ،فيبحث عن موطئ قدم كيفما كان ، فالمهم أن لا يعيش نكرة وأن لا يبقى ” غير مرئي ّ ّ

من نتائج ذلك أن هناك فجوة كبيرة اليوم بين من يقفون في الأضواء بلا سبب ، وبين من يقدمون للعالم شيئا حقيقيا دون أن يعرفهم الناس . نحن لا نعرف مثلا أسماء الجنود الذين يقضَون ، وهم يحرسون الحدود ، ولا نعرف أسماء من يقضُون عمرهم في مخابر البحث العلمي ، ولكننا نعرف كيم كارديشان ، وسفاسف هوليود ، والفنانين الفضائحيين في كل بلاد العالم ، بما فيه العربي ّ .

أمّا الناس النافعون فيتركون أثرا على الأرض ، لكنه اثر صامت ، وبلا ضوضاء ، إنهم أولائك الذين قال عنهم صديق يوما ما ” يقفون في الظلمة المضيئة ” .

لا تعليقات

اترك رد