سطو


 
لوحة للفنان زياد شابي

في ظهيرة شديدة القيظ من أيام حزيران ، خرجت من منزلي في الرباط ، قاصدة المدرسة ، الشارع طويل موحش يخلو من أي مخلوق ، في وسطه أشجار باسقة تتدلى أغصانها ، كنت أمشي الهوينى ، فما زالت دقائق تفصلني عن موعد بدء الدرس الأول ، والمدرسة على بعد خطوات قصار
في الليل ، في شارع طويل موحش تتوسطه أشجار ، كنا نسير وحيدين ، أنا وأنت يا حبيبي ، كفك حمامة تحط في يدي ، كلماتك غيث ، تتشربه روحي ، وأنا جذ لى أزغرد
– أحببني ، أرجوك
تكبر كفك في يدي ، أمواج من الحنان تحيط بي وتبعث في أعماقي البهجة
– عانقني ، طوقني بساعديك
أحلامي سهلة محبطة ، مهيضة الجناح ، وأنا نشوى ، حديثك عذب يحييني وينقذني من وهدتي ، كلي أذان تصغي لئلا يضيع حرف من حروفك الرائعات
تحدثني عن أمالك والتطلعات ، وأنا أتشبث عل اللحظة تكبر وتستطيل ، أشعر أنني أسير بين النجوم ، أنا بقربك مليكة هذا الكون وأنت مولاي
صوتك ساحر يجعل الأماني تتناسل وتنمو ، تتفرع منها الأغصان ، وتزهر الثمار
لم أستمريء الفرح يا حبيبي ، ولم أعتد البهجة ، فسرعان ما تعاونت مجموعة أياد لتغتال مني الألق وتخنق في نفسي الوهج
أأنت غاضب ؟؟ يعصف بي غضبك هذا وتزداد حيرتي ويشتد قلقي ، لم الغضب ذاك ؟ ولم أجن إثما …. ماذا نقلوا لك ؟ وأي نوع من الآثام اقترفت يداي ، يشلني شعوري بالظلم ، أتصدق كل ما يقولونه عني وتقسو وانت بحر حنان ؟ يستمر غضبك ويتضخم وأنا حيرى ، لم تدع لي مجالا للدفاع عن نفسي ، أمن غير ذنب تعاقبني ؟ تهرب مني وأنا أجري خلفك أناديك أن عد يا حبيبي فلا يخرج صوتي ، لم أعد أرى إلا إياك ، وأنت ضنين علي بالتحية ، غضبك رهيب ، ما أقساه ، يتسلط على نفسي ويفقدني توارني
شيء بارد يقف على رقبتي ، سكين حاد نصلها تقطع حقيبتي اليدوية وهي على كتفي ، صوت قهقهة مكتومة يسخر مني
– بمن تحلمين أيتها العجوز ؟؟
أسمع صوت الدراجة البخارية يبتعد ، ألحظ راكبها من الخلف ، يبدو مجعد الشعر أسوده ، يرتدي الجينز ، لم أستطع تسجيل رقم الدراجة ، كل ما فعلته أنني صرخت :
-أيها اللص ، أعد إلي حقيبتي
أنت جميل في كل الأمور …… في حديثك وسكوتك ، في ابتسامتك
وعبوسك ، أفزعني غضبك ذاك وأيقنت أنني قد فقدتك
أعدو خلف الدراجة ، ولكن عبثا ، تدخل في أحد الفروع الجانبية ،
أبقى لوجدي مرعوبة ، سرقوا أوراقي وهويتي وجنسيتي والمفاتيح
كل شيء سرقوه يا حبيبي
الوطن ، الأهل ، الأصدقاء ، الهوايات ، الاهتمامات ، الشعور بالأمان ، لم يبق لنا ألا الخيال
– كيف تمكنوا منك أيتها البلهاء ؟ يسرقونك في عز النهار ؟
خيالي يكبر ،، أراك في يقظتي والمنام ، أي قدرة لك على الظهور ؟
رؤيتك تبعث في نفسي السرور ، فجأة تنبع لي ، لاشيء قربي ، وإذا بي أراك ، أحالمة أنا ؟ أدعك عيني علني وسنى ، لكنك حقا هنا …..
أهرع لأسلم عليك ، منذ دهور لم تكحل عيني طلعتك ، أمسك نفسي ، وانظر وإذا بك تبتعد ، أما زلت غاضبا مني ؟
– أي شيء فقدت يا آنسة ؟؟؟
– كل شيء
– عفوا ؟؟
– فقدت حقيبتي …
– – هل استطعت رؤية السارق ؟؟؟
– رأيت ظهره فقط
جئت مودعا ، ألحظ طيف ابتسامة على محياك ، أدرك بأنني لن أراك بعد اليوم
تمضي السنون وآنت تظهر لي ثم تختفي ، أحقا أنك تظهر أم يتراءى
لي ؟ كل شيء أصبح بمقدوري أن أصنعه ، وبالخيال ، فما أعظم طاقتي وما أفظع جنوني
-ماذا أضعت ياعانسة ؟
– ضاع عمري كله بنصل السكين

صبيحة شبر

شارك
المقال السابقأراك
المقال التالىالأسلام والأرهاب بين الحقيقة والأفتراء

صبيحة شبر، كاتبة عراقية، بدأت الكتابة في الصحف العراقية عام 1960،أصدرت أربع مجموعات قصص قصيرة:الثمثال من مطبعة الرسالة في الكويت عام،امرأة سيئة السمعة ،لائحة الاتهام تطول ،التابوت ،لست انت صدرت عن دار ضفاف
لها اربع روايات الزمن الحافي رواية مشتركة مع الادبا العراقي سلام نوري ، العرس رواية ص....
المزيد عن الكاتب

1 تعليقك

  1. مرحبا بمبدعتنا صبيحة، سعيد أن ألقاك في هذا البيت، بيتنا…أتمنى أن تكوني والعزيز فراس بألف خير…محبتي

اترك رد