حول مدى تغيّر السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط خلال رئاسة “دونالد ترامب”


 

من الصعب الوقوف على طبيعة وبِنية السياسات والاستراتيجيات السياسية التي سيتم رسمها وسيسير عليها الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب قبل تشكيل الفريق الوزاري والإداري الذي سيرافق مسيرة الرئيس في موقعه السياسي الأرفع بالعالم.. مع أن المعلومات تقول بأنّ أسماءً تاريخية من الوزن الثقيل (من اليمين المتطرف) ستبدأ محرّكاتها بالإقلاع مع قدومه لاستلام منصبه وتتويجه رسمياً في كانون ثاني المقبل (كبوب غينغريتش وجون بولتون وولفوفيتز..)..!!

لكن بالإطار العام، هناك حالة “مؤسسية معيارية رصينة” ترسم معالم تلك السياسات بالتعاون والاتفاق مع الرئيس نفسه، مع ما للرئيس وطبيعة وعيه السياسي وخلفيته الفكرية والاجتماعية، من تأثيرات على رسمها.. فدونالد ترامب رجل أعمال، ورجل الأعمال دوماً يفكر بعقلية المصلحة، ويغلّب الربح والمنفعة على أي شيء آخر، وحتى تتمكن كرجل أعمال من الربح والانتفاع والاستمرار بالربح، لابد لك من تأمين موطئ قدم قوية، وبناء بيئة مستقرة تحافظ من خلالها على أعمالك واستثماراتك في جو من المنافسة والمناخ الهادئ.. ولهذا سيقوّي “دونالد ترامب” مواقع الاستقرار داخلياً وخارجياً إلا إذا ما اشتعلت أحداث كبرى هدّدت مصالح بلده.
ومن ناحية أخرى، أقول إنّ ترامب ربما سيتجه في منحى تأكيدِ التفوق الأمريكي باعتباره حزبياً جمهورياً، والجمهوريون عموماً ينحون هذا المنحى، منحى إثبات التفوق والفرادة الأمريكية (كقوة مهيمنة وأولى في العالم)، وعلى هذا الطريق قد يصطدم ربما مع الطموحات الجامحة لروسيا البوتينية سواء في سوريا أو في غيرها من مناطق العالم، استراتيجياً وجيوسياسياً..

ولا ننسى أنّ الجمهوريين سبق أن تحركوا تاريخياً على هذا الطريق المواجه والصدامي –إلى حد ما- مع الاتحاد السوفييتي (حرب النجوم/أيام رونالد ريغان).. يعني: مواقع صنع القرار في هذا الحزب الجمهوري تؤكد دوماً -كما قلت- على نظرية التفوق الأمريكي.. وهذا بطبيعة الحال ليس أمراً مريحاً لروسيا الاتحادية التي رأيناها في حالة تضخم ونرجسية استراتيجية، متخذةً من الحدث الماسأوي السوري قاعدة أو مسرحاً جديداً لبناء قوتها الجديدة المتصاعدة. ومع أنّ ترامب صرح قبل فوزه الرئاسي بأهمية العلاقات مع روسيا، مثنياً على صديقه بوتين (ربما نكايةً بهيلاري كلينتون)، لكن ما قيل ويقال أمام المنابر والميكروفونات (انتخابياً وعاطفياً)، غير ما يقال ويفعل في مواقع القرار الخفية (واقعياً وعملياً)..!!.

من هنا نحن لا نتوقع حدوث تغيرات قوية صادمة في مواقع صنع القرار “الترامبي” الأمريكي لاحقاً.. لأن صنع القرار في أمريكا قضية غير شخصية، والرئيس فيها محصلة قرار تسهم بقوة في صنعه “لوبيات” عديدة، أي هو مسألة معقدة ومتداخلة، تتشارك فيها مواقع ضغط كبرى، عسكرية (شركات السلاح) وسياسية (وزارة الدفاع ومجلس الأمن القومي وإدارة البيت الأبيض) واقتصادية (شركات المال في الوول ستريت) وإعلامية (مواقع الإعلام والسوشال ميديا)…
وربما ونتيجة قوة الزخم الذي خلقه ترامب، وأحدثته “ثورته” الجمهورية، سنرى تغيرات (وتنازلات) من الآخرين وليس منه بالذات.. خاصّة من روسيا التي أتصور أنها ستتعاون معه اضطراراً (وهو القادم بقوة شعبية وعقلية شعبوية)، وربما ستتنازل له في ملفات عديدة، لكن بعد لأي وعناء شديد.

طبعاً سؤال التغيير (الذي تطرحه اليوم نخب السياسة والفكر العربي هنا) حول المديات التي يمكن أن تصل إليها السياسات الجديدة للولايات المتحدة تجاه منطقة الشرق الأوسط بالتحديد (وهي منطقة الأزمات والثروات والصراعات) مع أي قادم جديد إلى سدة حكم البيت الأبيض، ربما يغفل (سؤال التغيير) أساس المشكلة وجوهرها القائم هنا في منطقتنا حيث استمرار الأمراض السياسية والاقتصادية المستعصية على الحل من هيمنة الاستبداد والطغيان، وتجذّر عقلية (ونهج) الفساد والإفساد، واستباحة إمكانات الدول ومواردها، وإبقاء المنطقة في حالة من التخلف المقيم المفضي إلى التطرف والإرهاب، والظهور المتواصل لحركاته وتياراته وتنظيماته العنفية الدموية.

هنا لب الموضوع في تصوري…حيث تغيبُ المشاريعُ السياسية الحقيقية التي قد تمكن العرب من الوقوف والتأثير والحضور وبناء شراكة حقيقية مع الآخر، وليس البقاء في موقع رد الفعل، والتأثر والانفعال السلبي به، والارتهان له والخضوع لسياساته واستراتيجياته حتى آخر الخط.

إنني أتصور أن المشكلة الحقيقية –كإجابة على سؤال التغيير- ما زالت قائمة ومتمحورة حول هذه المراهنات العربية على الخارج و”متغيّراته”، وتحولاته السياسية، وفي انعدام القرار العربي بوضع رؤيةٍ عربية مُشترَكة قوية وفاعلة.. فالمشكلة –إذاً- ليستْ بواقع حال السياسة الأميركية في الشرق الأوسط فقط، المشكلة أصلاً هي في استمرار المراهنات على تغييرٍ (يأتي) من الخارج، بينما يبقى الجمود والتقوقع والانغلاق سمةً لازمة للمنطقة العربية وسياساتها على مختلف الصعد والمستويات..!!.

شارك
المقال السابقالفيتنهم ..؟!
المقال التالىالخصومة مع الحياة ..
نبيل علي صالح مفكر سوري من مواليد سوريا/اللاذقية 1969م حاصل على إجازة (بكالوريوس) في هندسة الطاقة الكهربائية.. باحث وكاتب مهتم بشؤون الثقافة العربية والإسلامية، يشتغل على قضايا النقد والمعرفة الإسلامية والفكر الفلسفي، وقضايا التجديد الديني. ينشر مقالاته وبحوثه في كثير من الصحف والمجلات والدوريات ال....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد