في الذكرى ١٨ لرحيله: عمر حسيب الفنان التشكيلي الذي بقي مخلصاً لخبز التنور


 

( فنان بلون الأرض , روحه من عبق السموات الزرقاء في البادية السورية والهلال الخصيب .. في الحسكة حيث الأرض و الناس في وحدة متكاملة من العواطف و المشاعر وعبادة الجمال الانساني )

هذا ما قاله الراحل فاتح المدرس عن الراحل عمر حسيب وهذه الشهادة لم تأت مجاملة من فنان طارئ وانما من قيصر الفنانين في سورية وهي وحدها تكفي حتى ندير البوصلة باتجاه عمر حسيب ونقف عند كنوزه ولو بعجالة على هامش ذكرى رحيله السابعة عشر …
img_2692
فعمر يأخذ حيزاً لا بأس به من دائرة الرواد للتشكيل الجزراوي , فهو الى جانب عمر حمدي و بشار عيسى ويوسف عبدلكي وحسن حمدان وبرصوم برصوما وصيري رفائيل و آخرين يشكلون اللبنة الأولى للتشكيل الجزراوي هذا التشكيل الذي كان له الدور الأبرز في رفع سوية التشكيل السوري ..غادر بعض هؤلاء الى خارج أسوار الوطن الى دول الاغتراب ليتركوا للتشكيل السوري بصمة هناك كعمر حمدي وعبدالرحيم حسين و بهرام حاجو ويوسف عبدلكي و ….على حين بقي عمر حسيب و حسن حمدان و برصوم ورفائيل يجبلون بالطين والغبار و سنابل القمح ….فعمر حسيب قادم من عبق الريف ومن نكهة البسطاء فكان لا بد لهذا العبق ولهذه النكهة النصيب الأوفر في أعماله , فكل آليات العمل لديه تسوقه إلى البيوت الطينية والتنانير و الأزقة الضيقة و المواشي , والى حقول التراث الغني بمفرداتها و هنا كانت نقطة البدء ولهذا لم يغفل الحضور الانساني الطاغي بكثافة في جل أعماله , فرؤيته للعالم ينطلق من فوهة تنور على أطراف قرية نائية تفوح منها رائحة الخبز الممتدة الى تعالقات الذاكرة البعيدة الحية التي تكسر بل تزيل كل الآفاق باستقلالية تدور في حلقة تفوح منها حركة الحصاد وملحقاتها و لهذا يطغى الأصفر بكل تدرجاته حتى يقترب من الأخضر المائل إلى نباتات على ضفة نهر كان الفنان يقضي الكثير من أوقاته فيها .

img_2693

فهو يزحف بألوانه من المنجز في مختبره و بأنامله إلى الإختباء وراء فلسفة ذكية في فهم الحياة , ولهذا فهو يصرخ ويصرح تكوينياً في أكثر الأحيان و قولاً في بعض الأحيان : (ينبغي على الفنان أن بغمس ريشته في تراب وطنه و جراح أمته , ثم ليرسم ما يريد ). وهذا التزام بالأرض و بالفقراء , ومن هنا مد جسوراً وطيدة مع كل الأبعاد الاجتماعية منها والوطنية والقومية وبالتالي الانسانية , فكان الانسان همه الأوحد يترابط مع أفقه الفني حيث يصوغ كل تلك المتاعب والأوجاع بواقعية تعبيرية لا يتاجر بها بل يأتي كشفاً للرغائب و للأصوات الكامنة بين التراب , ولهذا كان لنتاجه الانطباعي نفساً يملأ بياض اللوحة بمسائل محسوسة و موصوفة وبألوان هي لغته الملائمة في التجربة الفنية , فلا بأس أن نذكر اندفاعاته الجسورة نحو القاع وهذا يذكرنا بلؤي كيالي رغم أن الاخير كان يلجأ الى قاع المدينة على حين عمر كان يقترب من البسطاء والمتعبين في الريف , فالاقتراب من البسطاء قد يجمعهما بتعبيرية كاشفة صارخة لتجارب حياتية جريئة في حينها …فهو يمنح ألوانه وبزوغها ذاكرة عابرة للنفس الانساني و راسخة في وجدانه .

img_2695

لا تعليقات

اترك رد