معركة الموصل و”الأخوة الأعداء”


 

فيما تُعلن جميع الأطراف السياسية استعدادها لخوض معركة تحرير الموصل والمشاركة في القضاء على “داعش”، تختلف الرؤى والتصوّرات، بل والخطط حول الوجهة التي ستتخذها والآفاق التي تنتظرها، وبقراءة مواقف القوى والجماعات المنضوية في العملية السياسية يتبيّن مدى التباعد بينها، لدرجة أن هناك الكثير ممّا يُعلن غير ما يُبطن.

فبعد توتّرات واستقطابات بين بغداد وإربيل، قام رئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني بزيارة بغداد، في محاولة لإعادة شيء من حبل الوصل بين الطرفين وتلطيف الأجواء بينهما، وهي الزيارة الأولى التي يقوم بها رئيس الإقليم إلى بغداد منذ العام 2013 وبعد تولي حيدر العبادي رئاسة الوزارة (في 8 سبتمبر/ أيلول العام 2014)

وكانت أهم الملفّات العالقة التي تصدّرت المباحثات تتعلّق بالنفط، والخلاف بشأن عقوده وإنتاجه وتصديره، دون إشراف أو معرفة الحكومة العراقية، ورواتب البيشمركة (المحجوزة) وحصّة الإقليم المُحتجبة، فضلاً عن تفاصيل معركة الموصل ومستقبلها ما بعد التحرير، دون إهمال موضوع الاستفتاء المقترح لإعلان دولة كردية، فيما إذا وصلت الأمور إلى طريق مسدود بين الطرفين، وهو ما كان قد لوّح به البارزاني لعدّة مرّات، وبمناسبة وغير مناسبة، بما فيها ما يشمل دائرة المنافسة الكردية – الكردية، بين إربيل والسليمانية.
وإذا كان هذا هو المعلن من الزيارة، فإن هناك ما يدور الحديث عن أهداف أخرى، يندرج فيها إقامة تحالفات بين الحزب الديمقراطي الكردستاني وأطراف سياسية، ردّاً على زيارة نوري المالكي رئيس الوزراء السابق إلى السليمانية ولقائه مع غرماء البارزاني من الاتحاد الوطني الكردستاني وكتلة كوران “التغيير”، يضاف إلى ذلك البحث عن بديل لوزير المالية هوشيار الزيباري، وزير خارجية العراق لأكثر من ثمان سنوات، الذي تمت إقالته بعد استجواب من البرلمان.

إن فكرة “تجرؤ” بغداد على إقالة وزير معتمد وأساسي لدى إربيل، ومن ثم محاولة بعض القوى الالتفاف على حزب البارزاني بإقامة علاقات جانبية لعزله، هما ما أقلق إربيل، وربما كان ذلك أحد أسباب زيارة بغداد. وقد يكون هناك ثمة ضغوط أمريكية مورست على الطرفين الحكومي والكردي (الإقليمي)، للقاء وإزالة بعض الكتل الصخرية التي اعترضت طريقهما خلال الأعوام الماضية، ولا سيّما في القضايا العقدية التي تم ذكرها، والتي تعقّدت بفعل الأزمة الاقتصادية والمالية العامة، وانخفاض أسعار النفط.

ولم يكن ملف النازحين بعيداً عن المفاوضات الحكومية – الكردية، علماً بأن الإقليم يستضيف نحو مليوني نازح من محافظات الموصل وصلاح الدين والأنبار منذ هيمنة “داعش” على الموصل في 10 يونيو (حزيران) العام 2014.

وعشيّة الحملة لتحرير الموصل ظهرت تداعيات أخرى معارضة لزيارة البارزاني إلى بغداد، فقد دعا النائب عبد السلام المالكي (من كتلة دولة القانون التي يرأسها نوري المالكي) إلى تحريك دعوة قضائية وإصدار مذكرة قبض بحق البارزاني بتهمة “التخابر مع الأجنبي وتهريب ثروات البلد والتعامل مع الأنظمة الإرهابية”، وهو تحريض وكيدية تعكس مدى العداء الذي وصل بين المالكي والبارزاني، مثلما ارتفعت أصوات تدعو إلى حسم موضوع الاستفتاء الكردستاني، ومن جانبه أكّد البارزاني أن استقلال الإقليم لن يتمّ من دون الاتفاق مع بغداد.

وفي حين تحتدم المعركة على مشارف الموصل ويتم تحرير قرى وقصبات، وخصوصاً بعد الاستيلاء على قاعدة القيارة الجوية في 25 أغسطس /آب المنصرم (2016)، (تقع جنوب مدينة الموصل بحوالي 60 كم)، ويحاول “داعش” حجز الموصل خلف الأسوار، فإن بعض الأصوات التشكيكية تظهر للعلن محذّرة من “اختناقات طائفية وتصفية حسابات” وقد جاء ذلك على لسان رئيس ائتلاف “متحدون” أسامة النجيفي رئيس البرلمان الأسبق ونائب رئيس الجمهورية السابق، الذي قال: إن أخطاء الحكومة السابقة، ونهجها العسكري كانا وراء سقوط الموصل، مشيراً إلى أن تحريرها يجب أن يكون على يد قوات “الحشد الوطني” (وهو تنظيم تم تدريبه أمريكياً من أهالي الموصل)، والجيش والشرطة وقوة مكافحة الإرهاب، إضافة إلى البيشمركة ودعم قوات التحالف الدولي، وانتقد مشاركة الحشد الشعبي الذي يضم مجموعات عسكرية شيعية، كما انتقد جماعة حزب العمال الكردستاني PKK. وقال النجيفي في حديث مع وفد المعهد الديمقراطي الوطني للشؤون الوطنية الأمريكي: إن القوات العسكرية في المدينة، مارست نهجاً غير مقبول من المواطنين ما أفقد الجيش صفته الوطنية.

ولم يفت المرجع الشيعي المتنفذ في النجف علي السيستاني إلاّ أن ينبّه إلى مواجهة الفوضى، وكان أحمد الصافي ممثله في كربلاء، “قد أكّد على ضبط الأمور عن طريق القانون”، لكن رجل الدين محمد تقي المدرسي دعا إلى تشكيل محكمة دولية لجرائم الحرب يكون مقرّها العراق رافضاً استبعاد الحشد الشعبي من المشاركة في تحرير الموصل، وأن هذا الاستثناء له أهداف سياسية وتقوم على التمييز بين أبناء القوات المسلحة (ويقصد استثناء جماعة الحشد الشعبي التابعة للقوات المسلحة وتحت إدارة رئيس الوزراء نفسه باعتباره القائد العام للقوات المسلحة).
يمكن القول إن هزيمة “داعش” في الموصل محقّقة، لعدّة أسباب سياسية وعسكرية واستخبارية اجتماعية ودينية ومدنية:

أوّلها – أنه ضدّ منطق الحياة والتطوّر، وإذا كان خلال العامين ونيّف قد حكم مناطق شاسعة بالحديد والنار، فإن إمكانية بقائه أصبحت شبه مستحيلة بعد اندحاره في صلاح الدين والأنبار، سواء من داخل الموصل أو من خارجها، حيث يُحاصر ويُضرب، ناهيك عن المقاومة السريّة، المدنية المباشرة وغير المباشرة الرافضة لقوانينه وأنظمته، على الرغم من الإعدامات وأعمال التنكيل ضد السكان.

ثانيها – أنه لا يستطيع مواجهة كل هذا الحشد العسكري الدولي والعراقي، الرسمي والشعبي، بما فيه قوات البيشمركة، إضافة إلى قوات شعبية نظامية تم تدريبها تمهيداً لهذه المعركة.
وثالثها – أن هناك تعاوناً يجمع العرب والكرد، حيث يتم التعاون بين القوات المسلحة والبيشمركة، وقوات شبه نظامية أو شعبية، في إطار عمل عسكري موحّد، على الرغم من الخلافات والتناقضات أحياناً، لكن مسألة تحرير الموصل تتقدّم على غيرها، وهو ليس اختياراً بقدر ما هو اضطرار، لأن الجميع مهدّدون بوجودهم واستمرارهم. ونتذكر كيف هبّ الجميع، بما فيه قوى إقليمية لمواجهة “داعش” حين اقتربت من إربيل؟ كما نتذكّر كيف كان الاستنفار على أشدّه يوم معركة جرف الصخر والطريق إلى بغداد وعند مشارفها؟

ورابعها – أن معركة تحرير الموصل، تعني اليوم الولايات المتحدة، وهي إذا لم تفعل شيئاً يُذكر في السابق، وكانت عمليات قصفها متباعدة وغير كثيفة، فإنها معنية مباشرة بذلك، ومعها قوات التحالف الدولي، لأن استمرار الوضع كما هو عليه يمكن أن يهدّد العملية السياسية التي صمموها في العراق برمّتها.
وخامسها – أن لكل طرف من الأطراف أهدافه العامة والخاصة ما بعد التحرير، فالكرد يريدون إدارة مشتركة للموصل بعد تضحيات البيشمركة، وقد يحاولون الاحتفاظ ببعض المناطق التي سمّيت بالدستور “المتنازع عليها” بعد تحريرها، وهو ما عبّر عنه مسعود البارزاني، لكي لا ينفلت الوضع وتحدث انتقامات وتصفية حسابات.

وعرب الموصل يتخوّفون من تمدّد كردي مثلما تخشى ذلك الكثير من الأوساط الشيعية داخل الحكومة، ولهذا تصرّ على مشاركة ووجود الحشد الشعبي. وبعض القيادات الموصلية وفي مقدمتها النجيفي تريد إقامة إقليم باسم الموصل، سواء يمثل المحافظة أو يمكن أن تضم إليها عدداً من المحافظات، وهو ما قد يلقى معارضة شديدة من الشيعية السياسية، وتردّداً ورفضاً من السنية السياسية المنقسمة حول مناطق النفوذ والحصص والامتيازات.

أما الأمريكان فهم باتوا أكثر اقتناعاً بمشاركتهم العتيقة – الجديدة بشأن تقسيم العراق إلى كيانات، وعلى الأقل، يتم وضع حدود ونقاط تفتيش بينها، وتحدّد لها هويّات أقرب إلى باسبورتات، وتبقى بغداد موحّدة، تمثل العراق الموحّد شكلياً والمقسّم فعلياً، وذلك طبقاً لمشروع جو بايدن في العام 2007، واستمراراً لمشروع برنارد لويس الخاص بالعالم العربي منذ العام 1979 والعام 1982 القاضي بتشطيره وتفتيته إلى دويلات تصل إلى 41 كياناً.

وقد يؤدي هذا الوضع إلى احترابات محتملة داخل الشيعية السياسية، فالحشد الشعبي المدعوم إيرانياً يريد حصة أكبر، خصوصاً وأن نفوذه اتسع، وهذا بحد ذاته سيطرح مشكلات جديدة، ولا سيّما بين القوى المسلحة مثل لواء بدر، وجماعة مقتدى الصدر وعصائب أهل الحق وكتائب حزب الله وجماعة النجباء، وغيرها من القوى السياسية الشيعية التي تشكّلت وانضمت إلى الحشد الشعبي للحصول على الامتيازات وزادت عن 40 قوة مسلّحة.

والسنية السياسية ليست بحال أحسن من الشيعية السياسية، فعلى الرغم من التهميش والتمييز لمناطق بكاملها، فهناك مشكلات النازحين التي ستواجهها وإعادة الإعمار والتعويض عن الغبن والخسائر التي لحقت بالناس، وقد تقود منافستها إلى صراع واحتراب على مناطق النفوذ والامتيازات.
أما الخلاف الكردي – الكردي، فهو مرشح للانفجار بين السليمانية وإربيل، وعلى أقل تقدير، فإن المشكلة القائمة بين الطرفين قد تؤدي إلى التباعد وحتى إلى الدعوة لإقامة إقليم السليمانية – حلبجة مقابل إقليم إربيل – دهوك.
ولعلّ ذلك هو ما قصدته من العنوان الذي وضعته لهذه المقالة “الأخوة الأعداء”، وهي رواية للكاتب اليوناني كازانتزاكي، وهو ما كنت قد عبّرت عنه قبل أكثر من عام ونصف بقولي: خشيتي ما بعد “داعش”.

لا تعليقات

اترك رد