يأخذ عزاه بأيده

 

بعد يوم طويل جداً اعتقدته دهراً.. وحزين جداً للحد الذي استدرّ كل ما تملك من دموع، وثقيل جداً ما جعلها تفكر أن القادم من أيامها سيكون أثقل أيامها وأحلكها، رمت بجسدها على حصير بالٍ كجثة هامدة والطين والتراب يغطيها من أخمص قدميها إلى خصلات شعرها, كانت مجللة بثوبها الأسود المشقوق من جهة الصدر حتى الصرة والتي شقّته بعد أن تيقّنت من موت زوجها أو كما قال لها كبار القرية أنه لفظ أنفاسه الأخيرة، وأصبح جزءاً من ماض بعد أن كان بين يديها ظهيرة اليوم بكل قوته وعنفوانه، حاولت استدراج النوم, توسلت طويلاً تقلبت على الحصير المتهرئ دون جدوى.. فصورة زوجها الذي قضت معه أكثر من 20 عاماً ماثلة في قلبها وروحها وتلوح كعلامة مضيئة في عيونها, فقد كان حبيب عمرها، وأباً حنوناً وصالحاً لأولادها الأربعة, أحبّته صبية صغيرة ورفضت كل الخطّاب من شباب القرية ومن معارفها من أجله بعد حب استغرق سنتين.. تزوجته بإصرارها بمساعدة أمها وبعدم قبول أعقب تردد طويل من قبل أبيها.. كانت أيامها معه هنية ويسيرة على الرغم من الفقر المدقع الذي يرزحون تحت ثقله.. ويخوضون غماره الصعب باقتدار.. ليس هم فقط بل كل جيرانهم من أصحاب البيوت القليلة المتناثرة في غابات النخل الكثيفة التي ليست تخوم في جنوب البصرة, فهم كلهم (فلاحون) لمالك (ملاج)1 واحد يملك هذه الأراضي المترامية التي لا يقطع امتدادها سوى شط العرب بموجاته الدافقة وجريانه الأزلي.. فهم يعملون طوال العام في أراضي هؤلاء ويقومون بكل الأمور المتعلقة بالنخل.. كأعمار الأرض وكريها وتحويل الفسائل من أمهاتها وزراعتها في أراض جديدة وتكريب النخل والتلقيح.. وتفريد العراجين ورشها بالكبريت بعد أن تنمو قليلاً.. من ثم جني (بشرى)2 الرطب ثم (الكصاص)3 بعدها جمع التمر وتصنيفه وإرساله إلى (الجراديغ)4 ليدخل دورة تصنيع ومن ثم التسويق.. هي دورة كاملة يتخللها التعب والعرق والحب والغناء والأمل بمواسم وفيرة لينعكس العائد البسيط على حياتهم لسد الديون والحصول على بعض الرفاهية وفق أدنى المعايير.
قضت معه أكثر من 20 عاماً وفق هذه الرحلة السنوية، وكان رجلاً شهماً وكريماً وحنوناً منحها كل ما يقدر عليه, بل كان يتحيّن الفرص لإسعادها على قدر المستطاع.. فقد دأب بالبحث عن عمل في مكان آخر حينما تنتهي أعمال أرضهم من القرى المجاورة أو يذهب إلى المدينة القريبة، ليشتغل أياماً عند أقاربه حينما يكون لديهم بعض الأعمال الثقيلة التي لا يقدر عليها سوى أمثاله من الفلاحين، ليرجع لها ولأولاده محملاً بما بذله من جهد وعرق، كان قوياً يعمل في الأرض صباحاً ومساءً, لم يشكُ مرضاً على الرغم من تجاوزه الخمسين بكثير.. ما عدا نوبات ألم عابرة في قلبه.. وأوجاع ظهر لم تتمكن منه، كان يقول عن نوبات القلب التي تنتابه أنها غازات أو يفسرها بكلمة (هوا) ينتابه إثر أكلة دسمة كما يعتقد.. ولكنه رجع اليوم من العمل في الأرض يجر الخطى جرّاً ويمشي متعثراً بخطواته وهو يلهث.. وتمدد في الغرفة الطينية منهكاً كالميت.. ويجهد كثيراً في التقاط أنفاسه على غير عادته.. كانت يده تعتصر صدره بقوة ووجهه يتعرق بغزارة.. ويتحدث بصوت خفيض ويتمتم بشفتين يابستين, جلست قربه وراحت تمسّد صدره ويديه وكل جسده وهي تتمتم بكلام من القرآن والهلع يكسو وجهها ويبعثر كلماتها حيث تردد (اسم الله.. اسم الله.. غده الشر.. إنشاء الله ماكو إلا الخير) غير أن تنفسه راح يتباطأ بشكل مضطرد.. وهو يتوسل الهواء وعرقه ينضح بغزارة.. وشفتاه بدتا أكثر جفافاً على الرغم من أن زوجته كانت ترطبهما بين الحين والآخر.. بعد لحظات راح يختنق ويصرخ وقد جحظت عيناه حتى كادتا أن تخرجا من محجريهما وهو يصيح (هوا هوا هوا).. وفغر فاه متوسلاً الهواء وشخر شخرة طويلة.. همد بعدها وأصبح ساكناً كلوح خشب.. ففهمت زوجته أن أمراً جللاً قد وقع, وأن زوجها ليس بخير.. خرجت من غرفة الطين وصرخت بكل ما تملك من صوت لدعوة جيرانها الذي يبعدون عشرات الأمتار عن منزلهما.. جاء الجيران بعد ثوان حسبتها شهوراً وهي تنظر إلى زوجها الساكن سكون الموتى. جاء الرجال, جسوه وتحسسوا جسده فقال كبيرهم بعد أن اكتسى وجهه الحزن: إلى رحمة الله إلى رحمة الله.. وأمرهم أن يغطوا الرجل الذي كانوا موقنين كل اليقين أنه مات.. ولولت النساء ورحن يخرطن خدودهن ويلطمن صدورهن وشقت الزوجة المسكينة جيبها ولم تعد تتحكم بنفسها من هول الصدمة.. راحت تلطم وتلطم وتصرخ وتصرخ دون وعي, أمسكتها بعض النساء خوفاً من أن تؤذي نفسها.. لكنها كانت أبعد عن سيطرتهن في محاولة منعها أو إمساكها.. وتجمع أهل البيوت المجاورة والقرى القريبة وخصوصاً أهلها الذين كانوا لا يسكنون بعيداً.. وكالعادة في مثل هذه الظروف هرع الجميع ليقوم كل منهم بواجبه.. حضّروا الكفن والسدر والتابوت، غسلوا الرجل بسرعة وصلّوا عليه في مسجد القرية الصغير وخفّوا به مسرعين كأنهم يسابقون غروب الشمس إلى المقبرة القريبة التي تقع على مرتفع وسط غابة كثيفة من النخل.. وتناوبوا بسرعة على الحفر كأنهم على عجل من مواراته كما جرت العادة.. وفق مقولة دينية شائعة (إكرام الميت دفنه).. ولم تمض ثلاث ساعات إلا والرجل الذي كان بكامل عافيته وصحته تحت التراب.. وبعد أن كان اسمه خيري أصبح اسمه المرحوم.. وأصبح جسده الذي كان لا يكلّ ولا يملّ من أعمال الفلاحة (جثة هامدة).. وهكذا قبل الغروب انتهى كل شيء.. ورجعت الزوجة المسكينة التي لم تسمع بكلمة أرملة بعد إلى بيتها، تحفّ بها مجموعة من (الحبايب) من جاراتها ومعارفها.. كنّ يُعِنّها على مشاغلة الحزن الذي ألمّ بها فجأة كعاصفة هوجاء.. رحْنَ يبكين ويعدّدن بالتناوب وهي لم تستوعب ما حدث لحد الآن.. وبعد زمن ليس بالقصير رحن ينسحبن بالتدريج فرادى معتذرات بمشاغل البيت والأطفال, حتى وجدت في النهاية نفسها وحيدة مع حزنها الكثيف وأطفالها الأربعة الذين أخذوا حصتهم من البكاء.. وبعد أن نام الأطفال لم تعدْ تقوى على الجلوس من فرط التعب والحزن.. وراح نحيبها ينخفض تدريجياً ودموعها بدأت تنشف قليلاً.. تمدّدت على الحصير وهي تنشج بوهن واضح.. وأغمضت عينيها.. لكن خيري زوجها الراحل، كان ملء روحها وقلبها فراحت تتقلب وتتقلب تستجدي النسيان وتحاول النوم، لكن دون جدوى.. فهو ماثل أمامها بكل هيئته وملامحه الرجولية الخشنة.. واستمرت على هذه الحال نحو ساعتين وقد انتصف الليل الذي يسربل القرى بظلامه الدامس سريعاً خصوصاً في الليالي التي يغيب فيها القمر.. وهي تتوسل رغبتها بالنوم واستجداء النسيان، سمعت طرقاً خفيفاً على الباب فاعتقدت أنها تحلم.. تغافلت الطرق.. لكنّه عاد ثانية بشكل أكثر حدة.. فانتابها الخوف وأرجفتها الرهبة.. لكن الطرق بدأ يتصاعد بتواتر وقوة فقامت من على حصيرها البالي كالثملة وذهبت إلى الباب مترنحة.. أطلّت من ثقب في بابها الذي كان من الصفيح العتيق المثقّب فرأت ما جعل الدم يتيبس في عروقها.. والهلع يعصف بها.. رأت خيري عاري الرأس والصدر.. يلف شيئاً أبيضاً على وسطه.. صدمت.. ذهلت.. أرادت أن تصرخ لكنّها تمالكت نفسها بصعوبة.. وصاحت بصوت ضعيف كالهمس: منو؟ منو؟ فأجابها: أنا خيري هاي وين مخليني.. ليش دافنيني؟؟
أدركت في لحظة فارقة غمرتها فيها شجاعة مفاجئة أنّ زوجها قد قام من الموت وخرج من القبر ولم يكن ميتاً، بل كان غائباً عن الوعي حين دفنوه.. فكرت كثيراً.. لا تعرف ماذا تفعل اختلط فرحها بترددها.. ولكن في النهاية توصّلت إلى قرار شجاع ففتحت الباب لزوجها العائد من الموت, فتحت له الباب مرحّبة وهي تقول محاولة إبعاد الفزع عنه: لقد نصحك الطبيب أن تدفن نفسك بالتراب لمعالجة آلام الظهر.. في محاولة لتخفيف صدمته.. كان هو الآخر مشوش التفكير وأشبه بالغائب عن الوعي فضلاً عن كونه خائفاً أيضاً.. أدخلته بيته متكئاً على كتفها وهو يرتجف ولا يقوى على الكلام.. قادته إلى الفراش, مدّدته بحنان جارف وخوف راح يتبخر تدريجياً، وغطته بلحافهم الوحيد الذي لم يستبدلوه منذ عشر سنوات, وهدهدته كالطفل طويلاً وهو لا يفهم ما يجري حوله حتى نام في النهاية.. وظلّت هي تقلب أفكارها تطحنها الحيرة ويداعبها الفرح.. ومع أول خيوط الفجر وقبل أن يستيقظ، إذ كان في سبات عميق، حثّت الخطى إلى بيت أهلها وزفّت لهم الخبر السعيد.. فهرعوا جميعاً معها إلى بيتها.. وقد توصلوا إلى قرار أن يتعاملوا مع الأمر بشكل واقعي ويضعوه أمام الناس مباشرة ليتخلصوا من فضولهم وأسئلتهم التي ستنهمر كالمطر.. وبعد أن استيقظ من نومه العميق والطويل أفهموه أنه غاب عن الوعي أمس فاعتقدوا أنه قد مات فدفنوه, وقد سمع بهذا أهل قريته وكل القرى المجاورة.. وإنهم سيفدون إلى مسجد القرية لقراءة الفاتحة.. استوعب الرجل هذا بعد أن سرح طويلاً وهو يتحسس جسده يمتزج عنده الفرح بنجاته مع بقايا الرعب الذي ظلّ عالقاً به، وسيظل عالقاً به إلى الأبد.. حينما استيقظ ووجد نفسه تحت كوم من التراب وهو يرتدي قماشاً أبيض, وأصيب بمس من الجنون وهو لا يدري ما الذي يجري, راح يحرك رجليه بكل عنف بل ينتفض بكل جسده كالمخبول ورويداً رويداً أحس أنه يشم الهواء ويرى النور من خلال الثوب الأبيض الذي راح يشققه دون وعي ويمزقه كالمجنون, ووجد نفسه عارياً وسط القبور, فلفّ بقايا الكفن الأبيض على عورته وكان لا يدري ما الذي انتابه في تلك اللحظة؟ لكنه وجد نفسه يجمح كالحصان نحو قريته القريبة, ولم يتوقف إلا أمام بيته.. بعد أن استيقظ انتبه إلى أهله وأهل زوجته المحيطين به والذين أفهموه الأمر بالتدريج، واقترحوا عليه أن يذهبوا جميعاً إلى مسجد القرية حيث من المقرر أن يقام مجلس فاتحته ويأخذ عزاءه بيده بعد أن أعلن خبر وفاته وتم تشييعه إلى المقبرة, إذ سيأتي المعزون كما جرت العادة ليجدوا ميتهم حياً ويقص لهم قصته بنفسه.. حينها ربما يصدقون قصة عودته من الموت.. ويتخلص من الأسئلة والتأويلات والفضول والخوف منه.. إذ إن أولاده رفضوا دعوته حينما ناداهم ليقبلهم.. بل ارتجفوا خوفاً وتواروا عنه.. وظل الخوف منه يسكنهم طويلاً حتى وفاته الحقيقية بعد سبع سنين.
وحدها زوجته لم تتجنبه ولم تخفْ منه, بل لم تشم رائحة الخوف في جسده بعد مكوثه في القبر ليلة.. فقط شكرت الله كثيراً على عودته وكان امتنانها أوسع من سماء.
تناول الكثير من الأطباء والكتّاب ظاهرة العودة من الموت في أكثر من كتاب منهم أبو الدنيا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان الأموي القرشي الذي ألّف كتابه الشهير “من عاش بعد الموت” كما أفرد أبو نعيم الأصفهاني في كتابه “الدلائل” والسيوطي في كتابه “الخصائص” وقصص “العائدين من الموت” ممن أشرفوا عليه ثم عادوا إلى الحياة كثيرة جداً, ويفسّر الطب هذه الحالات بأنها دخول في غيبوبة عميقة أو “متجاوزة” وهي التي يتوقف فيها المخ عن إعطاء الإشارات إلى الجسم للحركة والتفكير وغيرها من الوظائف الحيوية، في حين تبقى الرئتان والقلب تعمل بأجهزة التنفس الاصطناعي التي تضخ الأكسجين إلى الجسم، لبعض الوقت أملاً في عودة المصاب إلى الحياة، إذا كانت الغيبوبة بين الدرجة الأولى والثالثة، أو لانتزاع الأعضاء منه كالكليتين والقلب والكبد قبل رفع أجهزة الإنعاش عنه إذا بلغت الغيبوبة الدرجة الرابعة، لأنه يُشترط لنجاح عمليات نقل هذه الأعضاء وزرعها للمرضى أن تكون “حيّة”، وهو ما يثير اعتراض الفقهاء عادة ً باعتبار أن المريض لا يزال حياً في حين يرى الأطباء أنه “ميّتٌ” حتماً إذا بلغ الدرجة الرابعة من الغيبوبة وموته مسألة وقت فحسب كالديك الذي يُقطع رأسه ولكنه يبقى حياً بعض الوقت، فتخبّطه بعد الذبح لا يدلّ على أنه سيعود إلى الحياة أبداً.
أما الحالات التي يكفّن فيها “الميت” وينقل إلى القبر، ثم “ينتفض” وينهض، فيفسرها الطب أيضاً بأنها “موت إكلينيكي”، أي حالة “غيبوبة متجاوَزة” ولكن أهل المصاب يعتقدون أنه “ميت” تماماً فيشرعون في إجراءات الدفن دون نقله إلى المستشفى. وهو ما يحدث في الأرياف والمناطق النائية المعزولة عادة، ولذلك نسمع بقصص عديدة عن عودة “موتى” إلى الحياة قبل دفنهم، وما هم بموتى في واقع الأمر.
______________

الملاج: مالك الأرض وكانت كل أراضي البصرة يستحوذ عليها عدد من الملاك الكبار المرتبطين بالحكومات.
بشرى: أول ما ينضج الرطب يسمون حباته الناضجة الأولى بشرى.
الكصاص: بعد أن يجف الرطب ويتحول إلى تمر تبدأ عملية (الكصاص) وهي عملية قص العثوق بثمرها.
الجراديغ: جمع كلمة جرداغ, كلمة أعجمية تعني مكان أو معمل تصنيع التمر بعد تنظيفه وتصنيفه.

لا تعليقات

اترك رد