عمرحمدي .. مالفا .. عبر من هذه الطريق


 

كانت الأقاصيص التي حكيت و حيكت عنه تتوالد صوراً في ذاكرتي ، ودموعاً تختصر المسافة الفاصلة بين مدينة الرخاء الأخضر وبيادر القمح الممتدة إلى مسقط رأسه في قرية تل النايف شمال مدينة الحسكة

كانت تشعلني شوقاً ولهفةً تعيق حركة الزمن الزاحف على متن سلحفاةٍ بطيئةٍ ، كما كانت سلواي على طول الطريق الإسفلتي المنسي وحيداً وسط بحرٍ من الرمال الحارقة .

كانت الشمس تواصل انتقامها العمودي على وجوهنا الباحثة عن ظلٍّ تستفيء به ، و كنت بين الفينة والأخرى أحتمي بوجعه
الصامد في وجهها . لعلّه حقٌّ حين أردت أن يكون لإعجابي به طعمٌ مختلفٌ , كحنين طائرٍ أنهكه السفر ونهوض محاربٍ على أطراف الخطر . هكذا كنت أتغذّى بسيرته فكانت وقودي الدائم والمتجدد في مواجهة المطبات والحفر .

(كان يشعرني بالامتلاء ) قالها يوماً تأكيداً على أثر فان غوغ وأنا أقولها تأكيداً على أثره .. والكثير من ..

عمر حمدي .. مالفا
كيف تراها المدينة التي احتوتك ؟ كيف تراه البيت الذي فيه ترعرعت ؟ كنت أتساءل عن بشرٍ جاوروك وحاورك , عن أنسامٍ همست في أذنيك ولاطفت ببرودةٍ نصاعة جبينك وأطراف خديك , عن سنابل قمحٍ تفوح برائحة كفيك ,عن رمالٍ تعطّرت بدعساتٍ من قدميك , عن مراعٍ احتضنت طفولتك , عن شجرةٍ وحيدةٍ شهدت فتوّتك ورجولتك . كنت محمّلاً بالشوق لأقرب الناس اليك .. أأقبّل ذراع أبيك التي قست أم عيون أمك التي حنت ؟

آهٍ على عيوني لو أنها ماغفت وقد فارفت حلمي قبل الأوان، وقبل أن يتحقق لقائي الذي كنت أمنّي نفسي به منذ زمان !!!
عمر حمدي .. اليوم أدركت كيف يمكن أن تنتسب إلى الأسماء الأوطان .. اليوم أدركت كيف يمكن أن يتحقق معنى الحياة في كينونة الإنسان .. اليوم أدركت أني عاصرت بطلاً لهذا الزمان .. وفي عمر الأرض يولد الأبطال مرتين , و كل ألف عام .

حين وصلت مدينة الحسكة كنت أبحث عن أثرٍ يرشدني إليك , كانت فرحتي لاتوازيها فرحةٌ , لم يكن هذا لأني عُيّنت مدرّساً وصار لي راتبٌ, ولم يكن لأنّي كنت أصغر المدرّسين بل لأن تعييني كان في مدينتك , وكنت أمنّي نفسي بزيارةٍ لبلدتك , وحين استكملت إجراءات التعيين لم ألتحق مباشرةً بالدوام , كانت النقود قليلةً وكانت خطاي تسابق الزمن نحو مركز الفنون التابع للمدينة , كنت أقتفي أثرك في مدينتك ، حين كنت أنت تجوب عواصم الفن في العالم متابعاً رسالتك . وصلت المركز وكان خالياً إلا من المدير و بضع لوحاتٍ معلّقةٍ للطلاب , تجولت في بهوه الى أن وقعت عيناي على لوحةٍ منزويةٍ تمتدّ في الطول وفي الألم الصامد ، تنحت قسوة الحياة عبر وجوهٍ وحركاتٍ لم تكن سوى دراساتٍ لوجوه وحصّادين .. تعابير أصيلة على سطحٍ من سواد ملامحهم تختصر المنطقة بأكملها … وكنت …. كنت مذهولاً … أتراها جراحك أم جراحهم ؟! أتراها سكينك أم أدواتهم أم إنه الزمن من عطب لوحتك في الوسط وإلى اليمين ؟!

لكل شيءٍ معنىً ودلالةٌ وكل الأحداث تجري في صالحك , حتى ذلك العطب والتمزيق الذي أصاب اللوحة زادها تعبيراً وجمالاً. كنت أسترق النظر إليها كلّ حينٍ , ولا أخفيك أني كنت أبحث ضمن توقيعك عن التاريخ , وكنت أقصد سنوات عمرك التي أنجزت فيها عملاً يصرخ في وجه كل من يزاولونها مهنة : ” توقفوا .. فلا معنى لكل ماتفعلون إن لم تولدوا مع الأقدار .. وتشتعلوا مع شمس النهار .. ثم تنثرون رماداً وتوقدون ضوءاً يفرش جناحيه ظلّاً للأطيار .. توقفوا .. فلا معنى لصوتكم إن لم تدركوا أن الكلمات دفق ذاكرةٍ من ينبوع الآلهة والحب .. و أن الألوان صورٌ تغلي في بركان الصمت .. توقفوا – عافاكم الله – عن إهدار الوقت ”

فأنا الأثر الخالد ..
بدماء سيد الألوان جبلت ..
وبنبض عروقه شكلت ..
هو من أبدعني ..
هو من أشعلني ..
هو من أوقدني ضوءاً من رماد ..
هو من حمّلني وحملني ..
ثم … طاف بي البلاد
هو حامل لواء الفقراء والمعذبين ..
هو حامل لواء البسطاء والفلاحين ..
هو حامل عذابات الإنسان إلى السماء ..
هو نجمٌ .. هو ضوءٌ ملء الأرجاء
ثم .. ثم

كان الوقت يمضي والمدير الذي لاحظني كان على وشك الإغلاق ، وكان علي أن أتدبّر أمري ليومٍ آخر في المدينة فلن أجد واسطة تقلّني إلى مكان تعييني بعد انقضاء النهار لم تسعفني شجاعتي ومداخل الحوار لاستبقاء المدير أكثر , فخرجت محمّلاً بالتساؤلات والأفكار .

كانت أصداء مالفا تجتاح المدينة والعقول ، وكنت أتعقّب الأخبار من كل من حالفهم الحظ وعرفوه أو سلّموا عليه أوحتى قابلوه ..

صرت أربط الأحداث ببعضها وتذكّرت حين كنت طفلاً ورآني أبي أرسم يوماً , حينها علّق على ما أقوم به مشيراً إلى شابٍّ مجنونٍ (على حدّ تعبيره) كان قد أحرق لوحاته في العاصمة كنت في العاشرة من عمري و استغربت حينها اهتماماً لم أعهده من أبي حول رسمٍ أو رسّام وكنت قد أتممت عقدي الثاني وأبحرت في شطآن الثالث في 1995 حين عرفت من هو هذا الشاب

وبعد عشرين عاماً من ذلك التاريخ وقبل أسبوعٍ من الآن كانت الأشجار تنزف والعصافير وكانت الجداول تجري دماءً كانت السماء تسكب دموعها حين غادرنا ….

فانتحبي أيتها الأرض ثم ..ثم
افتحي أبوابك .. زغردي
وارقصي ..ارقصي
قد أتاك عمر حمدي
فهنيئاً لك به .. ياسماء

لا تعليقات

اترك رد