بطيخة الننجا المقدسة


 

توفر مواقع التواصل الإجتماعي و أشهرها و أكثرها انتشاراً الفيسبوك إمكانات ضخمة للتبادل المعرفي كان يمكن أن نستغلها بشكل إيجابي لتطوير ذواتنا و مجتمعاتنا في مختلف المجالات فبالإضافة للإمكانيات التي توفرها هذه المواقع في تطوير الوعي المعرفي و الإبداعي و الإستفادة من تجارب الآخرين و خبراتهم و تبادل الأفكار في المجالات العلمية و الفنية فهي أيضا يمكن استغلالها بما يخدم تطوير أو تصويب و غربلة القناعات الذاتية المختلفة من خلال الإحتكاك بثقافات متعددة ، غثها و سمينها وصولاً إلى القناعة النهائية التي يميزها العقل لكن التجربة أثبتت أننا لم نحاول أو في أحسن الإحوال حاولنا و لم ننجح

يإمكان طلاب كلية الفنون و علماء الإجتماع و الضباط الأعوان و x من المجاميع المختلفة الأخرى أن تنشئ كروبات للتبادل المعرفي في مجالات اختصاصهم مع هامش للترفيه . يمكن أيضاً لضابط شرطة مداهمة كروب علماء الإجتماع لاستعارة كتاب مجتمعنا و الجريمة فيرسل له أحد الأعضاء كتاب كيف نكافح الرشوة في سلك الشرطة . و بإمكان معتنقي الإتجاهات السياسية المختلفة و الأديان و المذاهب فتح حوارات مبسطة تنتهي بعبارة (شكراً إستفدت كثيراً من محاورتك سأفكر بما قلت) لكننا لم نجد لدى مستخدمي مواقع التواصل في مجتمعاتنا توقاً لا للإنخراط في المجاميع العلمية التخصصية و لا لمجاميع تتبنى الحوار من خلال الإنفتاح على الآخرين و الإستمتاع بفضاء الحرية الفريد الذي توفره بقدر ما وجدنا الرغبة في الإنغلاق و التقوقع فضلاً عن إطلاق قنابر الهاون على سكان الكروبات المجاورة ، و هكذا انتظمنا في كروبات لكن من نوع آخر
كيف يجري فرزنا على مواقع التواصل الإجتماعي الى فئات مغلقة تجتر معتقداتها و ثوابتها دون أن نمنح أنفسنا فرصة لاختبار هذه المعتقدات والتأكد من صوابها بالإحتكاك بأفكار الآخرين و مناقشتها بتجرد و دون أن نحاول زحزحة صخرة الثوابت الراسخة منذ بدايات وعينا ، أو لا وعينا ، لنرى إن كان يختبئ الدود تحتها مستفيداً من درجة الحرارة و الرطوبة الثابتة التي يوفرها طول استقرار الصخرة عليها ؟

ينشرعضو في كروب سلاحف الننجا صورة لبطيخة كتب عليها لفظ الجلالة و يطلب من الأعضاء الإعجاب بصورته . يضج الكروب بالصلاة على محمد و آل محمد و يحصد العشرات من كبسات الإعجاب . يعترض أحد الأعضاء محتجاً بأن الصورة ليست الا فوتوشوب و أنه سبحانه ليس بحاجة لبطيخة يثبت لنا بها ربوبيته . تنهال الشتائم على المحتج و يتهم بالزندقة و يطالب بعضهم بأن يقتّل أمثاله أو يصلّبوا أو تقطع أيديهم و أرجلهم من خلاف وينفوا من الكروب ، رغم أنه إستورد لهم صورة البطيخة الأصلية من محرك البحث و هي تبرأ الى الله مما يصفون . في نهاية الأمر يحترم العضو نفسه و يحزم حقائبه ويغادر الكروب تطارده لعنات الاعضاء . الحادثة تحفز الأعضاء الآخرين لنشر صورالمزيد من البطيخ و الكمثرى ، بل و الأبقار و الإبل و الأسماك و هي تحمل كتابات لآيات قرآنية بعضها بأخطاء إملائية . يبحث العضو المطرود عن مجموعة تؤمن بما يؤمن بعيداً عن وجع الرأس ليصبح بدوره رقما بين الارقام يوزع الإعجابات المجانية دون أن ينفع مجموعته أو أن تنتفع مجموعته به

هذه صورة موجزة لدوائرنا المغلقة على الفيسبوك و لم أشأ اختيار أمثلة من نوع آخر قد تثير بعض الحساسيات . هكذا يتم فرزنا الى قوميين و شيعة و سنة و ملحدين و علمانيين وكرد ، صفحة عشاق بشار وصفحة عشاق أبو علي الشيباني و صفحة عشاق صدام و صفحة عشاق المرشد الأعلى يتمترسون في خنادقهم ضد أفكار الآخرين (الغريبة) يتبادلون الخفارات لحراسة كروباتهم و ينامون بكامل أسلحتهم كل كروب بما لديهم فرحون يستمتعون بالدوران معصوبي الأعين بدوائر رسموها و أغلقوها على أنفسهم يتبادلون ما لديهم رافضين الإصغاء للآخرين و لو من باب الإستطلاع ، الجاهل يخاف على عقيدته من الضياع حتى عندما يوقن ببطلانها و المتنور لا يقترب من دوائر الجهلة لأنه واثق أنه لن يلقى ترحيبا

كلنا أبناء بررة لمحيط القرية و العشيرة و العائلة التي ولدنا فيها نعتنق ما يعتنقون ، نقدس ما يقدسون و نكره ما يكرهون ، لكل منا بطيخته أو ناقته او سمكته التي يقدسها ، ليس من العيب أن نواظب على برنا لكن العيب أن نتجاوز سن الرشد و سن اليأس أيضاً دون أن نخضع تلك المعتقدات لسلسلة من الإختبارات قبل أن نواصل طريقنا في الحياة و مواقع التواصل كانت فرصة ذهبية لهذه الإختبارات لم نحسن انتهازها
إن التعصب هو العصابة التي تحيط بأعين البعض فتجعلهم يدورون في دوائرهم كثيران المطحنة . كان بإمكان سلاحف الننجا التحلي بالصبر قليلاً و مناقشة هذا العضو بحجته ، ما الذي يمنع خمسين أو عشرين عضواً أو عضواً واحدا من أصل مائة أن يستبدل عصابته بنظارة طبية و هو يتأمل قشرة البطيخة المقدسة ؟

شارك
المقال السابقضرورة الثقافة العلمية
المقال التالىمراحل ومنعطفات الحوار الليبي

عماد عبود عباس كاتب عراقي عضو عامل في نقابة الصحفيين العراقيين 1974 وعضو اتحاد الصحفيين العرب و الاتحاد الدولي للصحافة İFJ اكمل دراسته في جامعة سراييفو في يوغسلافيا السابقة عمل في مجال الاعلام مدير تحرير و مذيعا و منتج برامج، يكتب العمود الصحفي و المقالة في عدد من الصحف و المواقع الالكترونية

....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد