ضرورة الثقافة العلمية

 

إن مجتمعاتنا العربية الإسلامية في حاجة ماسة الى ثقافة علمية، خاصة وأن ثقافة الخرافات مازالت سائدة . بل وزادت حدتها وتغلغلت في واقعنا المزري الغارق في معتقدات حتى و ان لم يكن بوسعها حصر الفكر العلمي، فهي أكيد تعرقل تطوره بحجة ان العلم والمعرفة المادية بالأشياء يؤديان الى التهلكة. إلا ّ أننا ونحن نلج الألفية الثالثة، المفروضة علينا ما دمنا نسكن هذا الكوكب، وبما أن ألفيتنا الثالثة مازالت لم تبزغ بعد، لا أعتقد أن الوقت مازال يسمح لنا بالدوران في دوامة التفاهات ومحاولة تقسيم الشعرة طولا على أربعة أو تحويل الدائرة الى مربع. فأمام تسارع التاريخ والخطوات العملاقة التي يخطوها العلم والتكنولوجيا فإننا أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن نكون أو لا نكون. فكينونتنا مهددة بسبب جهلنا للمعرفة العلمية( العلوم الحقة)، وبسبب شجبنا لكل ما ينير الطريق ويحفّز العقل على الإبداع والخلق ويحرره من جميع العُقًل. ولكي نكون فاعلين وليس مفعولا فينا ولا مفعولا بنا لا بد أن نرفع التحدي ونجعل من العلم جزءا أساسيا من ثقافتنا. وهذا التحدي لا يمكنه أن يتحقق الا عبر المستويات الأربع للتربية.

فعلى صعيد المدرسة الابتدائية والتي تمثل المستوى الأول، يجب شحذ اهتمامات التلميذ الفطرية تجاه الظواهر الطبيعية التي تثير انتباهه، هذا الانتباه الذي غالبا ما تغفله التربية. بعد ذلك يجب حثّه على الاطلاع على القوانين الرياضية للطبيعة. وهكذا يكون بإمكان المعلم إيصال فكرة التنبؤ بحيث أن الطبيعة أو الظواهر الطبيعية تستجيب لقوانين يمكن دراستها، عبر الملاحظة والتجربة. الشيء الذي يجعل من التلميذ كائنا متأقلما مع ظاهرة العلم، ويساعده على الإدراك الجيد لهذه الظاهرة ودورها الأساسي في تكوينه الثقافي.

وفي المرحلة الثانية، أي التعليم الثانوي، يصبح من الضروري تعليم التلميذ كيف ومتى يصدر أحكاما، وكيف يراقب عبر التجارب القوانين العلمية. وباطلاعه على تاريخ العلم نظريا وتطبيقا، يصبح بمقدوره معرفة العلماء وطريقة اشتغالهم وكيف يطورون أبحاثهم بالأخطاء والتصويبات، وتدريجيا، متبعا خطوات حثيثة، يجد نفسه مشاركا في تطوير العلم والمعرفة الإنسانية التي لا تحدها حدود عرقية أو دينية أو سياسية، وانما تحدها حدود الجهل المدقع المفروض بالقوة.

أما على مستوى التعليم العالي، فإن الطالب يجد نفسه أمام حريته والاعتماد على النفس، ويتمم ما تلقاه من قبل ذلك باعتماده على المعارف الخارجية وبتفاعله مع محيطه ( اساتذة، مكتبات، نقاشات، ندوات، منتديات الخ…). مما ّالذي ينمي لديه الوعي بأن المعارف كلها نسبية، بحيث تتشعب المدارس والاتجاهات وتتناقض وتتكامل، وليست مطلقة كما هو الشأن بالنسبة للثقافة الشعبوية. وعيه كذلك يجعله يكتشف أن العلوم تقف دائما عند حدود معينة منتظرة من يسمح لها بالتقدم والتطور. وهذا ما يمكن سيحفّزه على إعداد مشاريع شخصية تعطيه إحساسا بأنه يشارك عمليا وبالملموس في هذا التقدم والتطور العلميين. وما البحوث، بتواضعها التي يقدمها الطالب لنيل دبلوم معين الا نموذج من هذه المشاريع التي يجب على تعليمنا العالي تشجيعها واعطائها ما تستحقه من اهتمام بالغ، وذلك بتنسيق مع المحيط الجامعي المتكون من جماعات محلية، ومقاولات ومعاهد، ومجتمع مدني الخ…
وفي الأخير لا يجب نسيان المستوى الرابع الذي يتجلى في الشريحة العمومية. لأنه من الضروري إعطاء فرص لأغلبية عامة الناس كي تطلع على مستجدات العلوم، وتشجيع التأقلم العقلي لديها مع جميع الاختراعات العلمية والتكنولوجية، لكي تعي حدود العلم وقدراته. وبوعيها هذا، خاصة إذا ما تم إخبارها بإخفاقات العلم ونجاحاته، لن نسمع ابدا الخطابات التي لا تبرز إلا ّسلبيات العلم والتهويل، وتكفر بايجاباته المتعددة في جميع الميادين، والتي تعود بالفضل العميم، ولو بدرجات مختلفة، على الانسانية.

تلكم اذن الضرورات الأربع لمحاصرة الجهل من أربعة أركان، تطفىء ناره التي تهددنا في كياننا من جميع الأركان، كأمة تنتمي الى هذا الكون، وهي في سبات عميق كأنها لا تنتمي اليه الا كدابة تمشي على الأرض. تنتمي الى هذا الكون- المختبرالذي لا يمكن الاستفادة من خيراته الا اذا استطعنا الحصول على مفتاح العلم، وأقلمنا عقولنا مع اختراعاته. ولن يتم هذا الا اذا رفعنا التحدي على المستويات الأربع المذكورة.

لا تعليقات

اترك رد