ثوب الخديعة …!!


 

بينما ينشغل العالم بأسره، من نساء ورجال. سياسيون وعرافات وثلة من الدجالين وقارئات الفنجان، في النبوءات والتحليل والتنظير بشأن ولاية السيد / ترامب. وما الذي سوف يحدث حينما يدخل بقدمه اليسرى إلى البيت الأبيض؛ في الجهة المقابلة للعالم ينفرد اتباع الطغاة، في تصفية الأرواح البشرية والبريئة، في كلٍّ من: الموصل – حلب – الرقة. مستغلين انشغال الكوكب الأرضي بتحليل شخصية ترامب وتصرفاته المجنونة.

إن ما يجري في الموصل، لا يمت بأيِّ صلة للإنسانية. سواء صدقنا بكذبة ” داعش” أم لم نصدقها، وسواء كانوا الذين يرتكبون جرائم التعذيب هم من تنظيم داعش، أو من قِبل عصابات طائفية مستأجرة لتصفية المدنيين العزل. على العالم العربي المهووس بشخصية “ترامب” أن يفرّغ ضميره لوهلة من الإحساس لتلك الجرائم الوحشية التي تقع بحق النازحين من أهل الموصل. وما نشاهده كل يوم في حلب؛ هو شيء يستحق الاهتمام أكثر بملايين المرات من الاهتمام بتسريحة شعر ترامب وبيته الباذخ!

إلى متى سنظل شعوب اللحظة الراهنة، واللحظة الساخنة؟ سابقاً انشغل العالم العربي بموضوع حمل ” ميريام فارس” والكل بدأ يتكّهن ويخمّن ما إذا كانت حامل أم لا؛ بينما كانت المدن السورية حبُلى بالألم بالحقيقي، وليس بالحمل الكاذب. وكأن الأشياء السطحية تستهوينا أكثر من الأوجاع الإنسانية! نحن ننشغل بتفاصيل العالم الآخر؛ بينما شعوب العالم الآخر لا تنشغل بأمرنا ولا تكترث بحياتنا ولا أرواح أطفالنا الذين يهجّرون ويموتون في ظل الظروف القاهرة من الحروب والنزاعات الطائفية والعنصرية.

ألا يدهشكم الموت الكثيف في حلب، كما تندهشون اليوم بشخصية ترامب؟ ألا يبهركم مشهد طفلة تُسحب من تحت الأنقاض، أكثر مما تبهركم سيارة ترامب المذّهبة؟ مقالات وتحليلات وتغريدات كلها تدور حول ” ترامب” والموصل تُنهب ويتم تهجير أهلها رغماً عنهم. العرب في الرقة يشردون من قبل أكراد سورية الديمقراطية بحجة معركة طرد داعش، نفس السيناريو والمونتاج والدبلجة التي تحدث في الموصل وهذا أكبر دليل على أنها حرب ممنهجة، وتقاسم حصص ومناطق تم توزيعها من قبل إدارات عليا، تحوك لنا في الخفاء المفضوح ثوب الخديعة للمذبحة الكبرى!
ترامب، ليس بمجنون كما يصفونه لكم! أو كما تصفونه أنتم؛ إنما نحن المجانين. ونحن من سيبتلع الطُعم من خلال انشغالنا في الاستنباطات والاستقراءات لهذه الشخصية العبقرية التي استطاعت أن تقلب طاولات التوقعات كلها على رؤوس الجميع. ترامب لم يفز هكذا عبثاً، ولم يأتِ بمحض المفاجأة. ترامب هو نقطة التحول التي كان لابد منها في هذه المرحلة الراهنة، والتي خططت لها العقول الكبيرة والمدبرة؛ لأن شخصية ترامب المركبة ساعدته كثيراً ليبدو للعالم على أنه مجنون، وما هو بمجنون!!

قد يُحدِث “ترامب” بعض التغيرات في بداية ولايته، ويغيّر بعض الشيء من السلوك الأمريكي في السياسات الخارجية مع بعض الدول؛ لكن في النهاية هو يخدم مصالح أمته الأمريكية، وينفذ مهام قد طُلبت منه من قِبل رؤوس ضخمة تحمل في داخلها خلايا وليس التبن والغباء. فقد أصبح من الضروري إحداث تغيير مباغت لإرباك العالم، وكتابة ايدولوجية بلهجة أمريكية مختلفة عن اللهجة الكلاسيكية التي ظلت متداولة لفترة طويلة من قِبل الديمقراطيون.
فوز ترامب المفاجئ! كانت الفرصة الكبيرة، والوجبة الدسمة لأصحاب المشاريع التوسعية مثل إيران، وروسيا والصين، لينفردوا بالبقايا المتبقية من قضايا الشرق الأوسط المتهالكة، ريثما يتم تسليم الملفات العالقة من بعد ولاتين!
إن الأشهر القليلة القادمة، والفترة الفاصلة لوصول ترامب إلى البيت الأبيض ستكون هي الأشهر الحارقة، والأكثر دموية في العراق وخاصة في الموصل، وفي سوريا وبالأخص حلب والرقة. ما بين استلام “ترامب” ونهاية ولاية “أوباما” ستكون فترة الانفلات السياسي والتصفيات ورسم جغرافيا جديدة لتلك المناطق المذكورة قبل أن يتسلم ترامب تلك الملفات.
طالما أن العيون العربية لا ترى إلا الفاحش والسطحي، وكل ما هو سخيف؛ ولا ترى الحالات الإجرامية التي تقع في أغلب المناطق العربية، لن ترى النور ولن تطلع عليها الشمس. نحن أمة القال والقيل، أمة الحدث الراهن، نملك ذاكرة السمك والضمير المتخشب. يبهرنا الغريب ولا نكترث بأمر القريب. بارعون في التصفيق والتهليل وتمجيد الطغاة وكهنة الدين. غافلون عن الماء التي تجري من تحتنا، ومن فوقنا، ومن خلفنا وعن يميننا وعن شمالنا. شعب مخدّر بالوهم والخرافات وكلام العرفات. ليس فينا من ضمير حيّ يشعر باللاجئين والنازحين، نضيّع الوقت ونسرف المشاعر في متابعة السخافات وتفاصيل الفنانين والتافهين والمنحرفين، ولا نكلف أنفسنا في متابعة مقطع من المقاطع التي تؤكد وتفضح المخططات الفارسية والروسية والإسرائيلية؛ خشية منا على مشاعرنا المرهفة، لكننا لا نتردد في أن نمضي الوقت كله في متابعة تفاصيل ترامب والشقراوات اللواتي يحطنّ به
.
كفوا النظر إلى تسريحة “ترامب” وما يفعله، وانظروا إلى حالكم وإلى أهلكم المنكوبين، إلى ما يدور من حولكم من مأسي وقهر وظلم. لا تنشغلوا بما يخطط له ترامب وبما سوف يتغير فلن يتغير شيء لصالحكم ولا شيء سيكون أسوأ مما أنتم عليه الآن. انشغلوا بما يدور من حولكم من مؤامرات توسعية ومخططات كارثية سوف تمتد إلى أن تصل لعقر داركم ولو كنتم في خيام ممزقة.
تأكدوا بأن الخطر الذي يبُعد عنكم اليوم مسافة قارتين، بعد قليل من الزمن سوف يأتي ليكون وسط قارتكم. وبأن المياه الراكدة التي تنظرون إليها بسذاجة واستخفاف سوف تغرقكم وأنت تنظرون فيها؛ هكذا يُحاك ثوب الخديعة…!!

لا تعليقات

اترك رد