الإصلاح والعقد الإجتماعي العربي – ج3


 

أكاد أجزم بأن أكثر التحديات التي يواجهها الفكر العربي المعاصر هو إيجاد وتحديد مفهوم واضح المعالم للدولة الوطنية التي يريد تحقيقها وأيضا كيف يمكن إصلاح الشأن السياسي ونظام الحكم كمدخل أو مقدمة لإصلاح شامل وجدري.

دفاعي عن كون الإصلاح الإجتماعي- الثقافي يجب أن يبدأ من الأسفل وعلى المثقف تحمل مسؤولية تنوير العامة من داخل مؤسسات الدولة والمجتمع، لا يجب أن ينسينا الدعوة المتوازية معه إلى إصلاح المنظومة السياسية وإرساء قواعد نظام حكم متفق عليه. حتى يتمكن الفكر الإصلاحي العربي الحديث من تحقيق الأمرين معا: إصلاح العامة وتنويرها وأيضا إصلاح نظام الحكم السياسي.

لأننا حين نتطرق لمفهوم الإصلاح لا يمكن أن نتجاهل الوضع السياسي وطريقة إدارة الحكم ولن يحصل أي إصلاح في غياب رؤية سياسية واضحة ونظام سياسي سوي يسمح بممارسة فكرية تنويرية على نطاق واسع للخروج بالمجتمع من النفق المظلم.

فالدولة الوطنية من أكبر قضايا الفكر العربي المعاصر والأكثر تعقيدا في النظرية والتطبيق، أكثر الإشكالات التي تواجه حاضر ومستقبل المجتمع العربي وتحقيقها سيمكن من إنشاء دول وطنية عربية سيادية ذات مؤسسات منتخبة قوية وممثلة لكل شرائح المجتمع واختلافاته. الشيء الذي سيسمح آنذاك بتقارب عربي تلقائي كونه سيعبر عن آمال وأهداف وتطلعات المجتمع العربي ويساهم في تحقيق مصيرها المشترك ورقيها الحضاري.

مشروع الدولة العربية الواحدة شبه مستحيل تحقيقه ولا يهم تحقيقه إذا كان الفكر الإصلاحي يمكنه تحقيق دول وطنية قوية تستطيع أن تتوحد آنذاك ولكل دولة سيادتها ونظامها ومؤسساتها، تحت غطاء ميثاق عربي يلزم كل الأطراف احترامه والدفاع عنه والعمل على تحقيق المصير المشترك وهو ما أسميه العقد الإجتماعي العربي الذي يكون ثمرة هذا التقارب العربي.

لكن إلى حد الآن، الملاحظ هو عجز الفكر العربي عن تصور شروط وجود وأيضا نمط الدولة الوطنية التي يريد تحقيقها. فقد أدت الأوضاع والنكبات التي عاشتها المجتمعات العربية إلى اختلاط المفاهيم وتبعثر الأولويات.

لذلك أرى أن هذا الإخفاق لا بد من أن يفرز نموذجا تاريخيا لمرحلة ما بعد الفوضى، نموذجا لبناء الدولة والمجتمع العربي، نموذج يمكننا من استثمار العبر والحكم واستغلال التجارب وعدم الوقوع في نفس الأخطاء وإلا لن نجني من الخراب إلا الدمار واستمرار الأزمات والبؤس العربي.

إذن نحن أمام مرحلة تاريخية حاسمة من وجودنا، منعطف هام من تاريخ الأمة. أي نحن أمام فرصة لا بد أن تفرز نموذجا واضحا يعيد الشعوب إلى سكة الصواب وتحقيق أمانيها في العيش الكريم والتطلع بتفاؤل نحو مستقبل أفضل.

إنه أمل كبير يتحمل مسؤوليته كل المتنورين من أبناء الأمة الذين يسعون دوما لإصلاح الشأن العربي والنهوض من جديد بأمة تعاني الخضوع والهوان منذ قرون.

في الجزء الأخير سأحاول بإذن الله سرد وجهة نظري حول شروط نجاح قيام الدولة الوطنية، وعلاقة الديني بالسياسي كثنائية مؤثرة، وكيف يمكن إبرام عقد عربي اجتماعي متكامل وشامل؟

6 تعليقات

  1. احسنتم تشخيص الداء ولابد ان تتظافر جهود الجميع لتحقيق الامل المنشود في احياء الشعوب العربية وايقاضها لبناء الدولة الوطنية ، ومن الطبيعي ان يتحمل المثقفون العبئ الاكبر ورفع مشعل التنوير … فكما قيل قديما / متى وجدت قطعة ظلام فان المثقفين مسؤولون عن ذلك .

    • اصبت اخي حميد واشكر تواجدك المستمر
      المثقف يتحمل قسطا كبيرا من المسؤولة في الوضع الراهن. نامل فب توحيد الخطاب الثقافي العربي ومنه يمكن ان نتصور مجتمعا اخر واحياء كما تفضلت هته الشعوب التي نامت طويلا.
      محبتي وتقديري

  2. مقال جيد ينبئ عن ثقافة عالية يتمتع بها الأستاذ عبدالله ولكن أري أن مشكلة الفكر العربي هي عدم وجود فكر موحد وطالما اختلفت الأفكار والمصالح سينعكس ذلك علي العلاقات الفردية ثم الدولية ثم تتسع الفجوة شيئا فشيئا والحل هو الاصلاح من الاسفل من خلال قيام دور التعليم في البلاد العربية بمهمتها الاساسية فاذا وجدت الثقافة تستطيع ان تفعل ما تشاء

    • شكرا لمشاركنك القيمة اخي مصطفى
      نامل في توحيد الخطاب والرؤى اولا بين كل المثقفين حول النظريات والتصورات لدولة ومجتمع الغد. ليس الامر سهلا لكن بالعزيمة يمكن تحقيقه. الان الاوان للاصلاح فما نعيشه اليوم لا ينبا الا بالخراب. نحتاج لفكر نقي وجاد من اجل بناى وطن الغد
      ممتن لمرورك الكريم اخي

اترك رد